Menu

"نزيف التراب2".. وفيلم" لا أرض أخرى" حضور فلسطيني واضح

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (69) (1543)

مر شهر رمضان هذا العام على المشاهد الفلسطيني والسوري ثقيلاً غير واضح المعالم في سوريا حيث لا وجود للقنوات الرسمية السورية التي غابت منذ انهيار النظام المخلوع حتى الآن، ومع استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة بخروقات واضحة لاتفاق الهدنة لتغذية حكومة نتنياهو المتطرفة, بمزيد من العنف الذي يحافظ على الحد الأدنى من أجل استمرارها على رأس السلطة في الكيان الصهيوني, لكن الموسم الدرامي الفلسطيني قدم في رمضان الجزء الثاني من المسلسل الفلسطيني" نزيف التراب"، الذي عرض على فضائية العربي(2), وصورت اغلب مشاهده في البلدة القديمة في مدينة نابلس, ومخيمات بلاط وجنين, إضافة لعدد من البلدات والقرى الريفية, تقع أحداث الجزء الثاني من نزيف التراب في قرية أطلق عليها اسم" تل الصبر", الذي يسلط الضوء على النضال الوطني الفلسطيني عبر دراما واقعية تجسد الأوضاع الفلسطينية في فلسطين, وتعرض الحلقة الأولى منه" للخطف خلفاً, فلاش باك", مجريات الجزء الأول, عندما تمكنت المقاومة الفلسطينية من أسر الضابط الإسرائيلي مردخاني, والاحتفاظ به في أحد منازل البلدة القديمة في نابلس, وتدخل أحدى وحدات المستعربين المنطقة, ويكتشف طفل وحدة عسكرية إسرائيلية كانت داخل سيارة مدينة, ويبلغ المقاومين, يقرر قائد المجموعة الأسرة نقل الضابط الإسرائيلي إلى مكان أكثر أمن, فينقله إلى مخيم بلاط عبر التنسيق المشترك بين المقاومين في المدينة والمخيم, وبغطاء ناري واشتباكات مسلحة عنيفة، ويفشل جيش الاحتلال والمستعربين في الوصول إلى تحريره, وتجري المقاومة عملية تبادل مع جيش الاحتلال مقابل الضابط الإسرائيلي حيث حررت أكثر من (1700)أسير, من بينهم أكثر من(290) كانوا محكومين بالسجن المؤبد, مقابل الإفراج عن(33)أسيراً إسرائيلياً من قطاع غزة في المرحلة الأولى من صفقة طوفان الأحرار.

 ولا ينفصل نزيف التراب عن الحياة اليومية المعاشة الفلسطينية في محاولة لإقناع المشاهد الفلسطيني والعربي, ويركز المسلسل على معاناة الأسيرات, من خلال شخصية( أم عسكر), التي تحمل الجنسية الأردنية, ويظهر العمل دور المرأة الفلسطينية في النضال الفلسطيني ومعاناتها جراء الاحتلال, وتتعرض قرية تل الصبر إلى هجوم من قبل مئات المستوطنين ويحرقون عدداً من منازل القرية والمسجد الوحيد فيها.

 والمسلسل يبلغ رسالة إلى الشعوب العربية لتتعرف على تفاصيل الحياة اليومية الفلسطينية بالضفة الغربية بعيداً عن التغطيات الإخبارية التي تنقلها الفضائيات الإخبارية الحديثة, عبر تظهير نمطية حياة المواطن الفلسطيني العربي في الضفة, وعرض شكل النضال في الضفة للمشاهد العربي, والتعقيدات التي يفرضها الاحتلال, والحواجز المنتشرة من قبل قوات الاحتلال بين القرى والمدن الفلسطينية.

 وكان الجزء الأول من العمل قد بني على أحداث" نفق الحرية" حين تمكن ستة أسرى مناضلين فلسطينيين من تحرير ذواتهم من سجن جلبوع الإسرائيلي.

 المسلسل من إنتاج رجل الأعمال الفلسطيني خالد شريم, الذي آمن بفكرة العمل, وقام بإنتاج عبر شركة" ريدي برودكشن" وتبنت قناة (العربي2) عرضه في جزئية, ومن صعوبات التصوير أنهم حولوا مدرسة إلى سجن عسكري لكي يستكمل المسلسل.

وشارك في العمل" عدنان البويلي، ميس أبو صاع، منيرة زريقي، أسامة ملحس، أمجد غانم، سعيد سعادة، نجاح أبو الهيجا، سليم الدبيك، عبد الرحيم متروك، عبودة عبيد، عماد الصابر، ملاك أبو غريبة، رشيد صالح، وطاهر باكير"، والعمل من تأليف أسامة ملحس، ومعالجة درامية سعيد سعادة، وإخراج بشار النجار.

لا أرض أخرى:

فاز فيلم" لا أرض أخرى" بجائزة أوسكار أفضل فيلم وثائقي, بشريط مدته الزمنية(95) دقيقة لهذا العام, وثق فيه معاناة قرية مسافر يطا جنوبي مدينة الخليل في الضفة الغربية المحتلة, ومواجهة سكانها الفلسطينيين ممارسات الاحتلال الصهيوني ومستوطنيه, منها فرض تهجير أهلها قسراُ, وهو من إنتاج فلسطيني نرويجي, سلاحه الوحيد هو عدسة الكاميرا تولى إخراجه الفلسطينيان باسل عدرا وحمدان بلال, والإسرائيليان يوفان أبراهام، وراحيل شور".

 أحد أسباب موجة الغضب الإسرائيلي الذي طال الفيلم هذه الشراكة, بصفته" لائحة اتهام سينمائية ضد الاحتلال الإسرائيلي".

ويتعزز الغضب بسبب تراجع مكانة إسرائيل على الساحة الدولية, إذ تخوض حرباً دعائية وإعلانية لاسترداد شرعية حضورها التي انخفضت لأدنى مستوى بعد عام ونصف من إيغالها في حرب الإبادة الجماعية ضد الشعب الفلسطيني, فالإدانة هذه المرة أتت متسقة مع" شهد شاهد من أهله", باعتبار المخرج, يوفال أبراهام هو جندي سابق في جيش الاحتلال، فرز عند انضمامه لشعبة المخابرات, قبل أن ينسحب لأسباب أخلاقية وشخصية وذاتية, وينشغل في كتابة التحقيقات الاستقصائية التي فضحت جرائم جيش الاحتلال خصوصاً في موقع مسيحاه مكوميت( حديث محلي), ومجلة972.

والمفاجأة أن أبراهام ينحدر من جد يهودي ذي أصول يمنية, روج مع اندلاع الحرب لإشاعات ارتكاب عناصر كتائب القسام" جرائم جنسية" خلال عملية طوفان الأقصى, وطالب بتدمير الحركة والقضاء عليها, ما شكل أساساً أحد الادعاءات الأساسية التي استند إليها جيش الاحتلال لشروعه في إبادة الفلسطينيين، فماضيه ومواقفه لم يشفعا له ولم يقنع الغاضبين الإسرائيليين بالنظر إلى الحقيقة الماثلة أمامهم.

 إذ وصف وزير الثقافة والرياضية الإسرائيلي, ميكي زوهار, فوز الفيلم بالأوسكار ب" اللحظة الحزينة لعالم السينما" معتبراً أنه( بدلاً من تقديم تعقيدات واقعنا, اختار القائمين على الفيلم ترديد روايات وإشاعات تشوه صورة إسرائيل في العالم).

 ورأى الوزير أن" حرية التعبير قيمة مهمة, غير أن تحويل التشهير بإسرائيل إلى أداة للترويج دولياً ليس إبداعاً، بل تخريب بحق الدولة, وخاصة بعد مذبحة السابع من أكتوبر, والحرب المستمرة حيث أصبح الألم مضاعفاً".

من جانب اعتبرت القناة14 اليمينية, القريبة من خطاب حكومة اليمن المتطرف بقيادة نتنياهو أن" الفيلم يختصر جيش الاحتلال بكونه يقود حملات قتل وهدم, بينما في الواقع, فإن السكان الفلسطينيين هم من اقتحموا أرضاً إسرائيلية مصنفة منطقة تدريبات عسكرية للجيش"، مستندة بذلك لقرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي قضى بأن على" الجيش تهجير القرية لمتابعة تدريباته التي تضررت بشدة".

الفيلم أثار غضب المستوطنين, إذ يقدم( إسرائيل) على أنها" تمارس انتهاكات وإيذاء ممنهجاً ضد القرويين الذين عاشوا على أرضهم التاريخية لأجيال عديدة", مشيرة إلى أنه وفق لصناع الفيلم فإن" جنود الجيش والمستوطنين استغلوا الحرب لشن حملات قتل وإطلاق نار وتهديد".

وبالرغم من أن هذه أرض فلسطينية خالصة, أدعت القناة أن جيش الاحتلال قد أعلنها" منطقة إطلاق نار وتدريبات فقط في أوائل الثمانينات بعد تأكد خلوها من السكان الذين شيدوا فيها منشآت من دون تصريح"، ما أثر بحسبها على اعتباراته الأمنية والتدريبية.

والفيلم يسرد قصة عائلة من المنطقة, اتهمته القناة بأنه يعرض" صور ورواية أحادية الجانب للتهجير والاحتلال, مصوراً جنود الجيش والمستوطنين مجرمين", إذ" تجاهل صناع الفيلم تماماً الحقائق والوقائع التي تضر بصورة أبطال القصة أنفسهم, بما في ذلك حقيقة مصدر رزقهم هو محطة وقود غير قانونية لا تطابق المعايير البيئية, فضلاً عن التورط غير القانوني لجهات أجنبية بقيادة الاتحاد الأوربي, في تمويل وتوجيه البناء في المنطقة في انتهاك لاتفاقيات أوسلو والقانون الإسرائيلي".

أن الانجاز الفني الذي حققه فيلم( لا أرض أخرى) بفوزه بجائزة الأوسكار الوثائقي كشف زيف الرواية الإسرائيلية, وفضح حقيقة الإبادة الجماعية التي قامت وتقوم بها حكومة اليمين المتطرف بقيادة نتنياهو, وهذا الفيلم يشكل أداة لفضح السياسة العنصرية المتطرفة في العالم بأسلوب غير أخباري وسياسي, وإنما تلعب الصورة الوثائقية الفنية دوراً كبيراً في تعزيز الرواية الفلسطينية حول ما جرى من انتهاكات وإبادة جماعية, ولعب المسلسل الدرامي" نزيف التراب" دوراً في نقل كيفية عمل المقاومة في عمليات الإفراج عن الأسرى مقابل الإفراج عن الضابط الصهيوني الأسير.

أخيراً تلعب الصورة البصرية دوراً كبيراً في فضح الاحتلال الصهيوني عبر دور غير مألوف للصورة البصرية سينمائياً وتلفزيونياً.