Menu

انتصرت الصورة وبُترت الحقيقة

لمى الشطلي

نشرت في مجلة الهدف العدد (70) (1544)

من الظلام إلى النور، فاصلٌ وحشي يسمّونه الإنسانية، ومن الأرض إلى القضية ثمّة اسمٌ يلوك الصدى كلّما ابتلع العالم أذنيه على قرع طبول المصالح تحت عُرف السياسة. بيد أنّنا تحوّلنا، دون أن ندري، إلى مأساةٍ تأخذ حصّتها من الخدر اليومي، لكنها باتت تقرع أبواب الجوائز.

حقاً، لأنّه "إنجااااز"! فمحمود الذي خلع عنه التاريخ لم يطمح لأيّ تسمية أو صفة، وقع ـ من دون قصدٍ منه ـ في تعدادٍ رقمي ليحصل على تسع سنواتٍ من العمر، لم يمضِها لاهياً ما بين الأرجوحة ومقاعد الدراسة، إنّما متأرجحاً ما بين المدفعية والطائرة، ونازحاً ما بين البؤس والموت. أرأيت سخريةً قدريّة بهذا القدر من العجز؟! ربّما لم يكن قدراً حقاً، فالله لا يحبّ صنع المآسي، هكذا علّمتنا الأديان. إنّه سخط السياسات إذًا، وتركيبة تكشف عن عمق غريزة الاحتلال بين الشعوب المتلاحقة. ربّما كان أجدى لنا أن ندرس، بدلًا من التاريخ، كيفيّة توارث الحروب منذ سرجون الأكدي إلى نتنياهو الأصغر، علّنا نكبر في الفهم ونصغر في المعادلة أكثر.

هذا حال الفلسطيني إذًا؛ أن يعبر من تاريخ المأساة إلى صورةٍ ضمن إطارٍ يصفّق لأجلها العالم دون أن يقرأ تفاصيل البؤس. ليس الحزن شعوراً يمكن أن يشي عن فسيفساء الصورة، ربّما البؤس أصدق وأشدّ تعبيراً. كلّنا، وبدون أن نشعر، رأينا أنفسنا في جسد محمود، يدٌ عربيّة قُطعت على شرعيّة قطع يد السارق. وفي تاريخ فلسطين جعلونا نمعن في الاجتهاد لنقول: تُقطع يد البائع!

وتلك اليد الأخرى، أتراها؟! لربّما لو استطاعت النجاة، لكانت لوّحت لهذا العالم طلباً للنجاة، لكنها تعفّنت استطراداً للعجز اليومي، بل إنّها تململت من كثرة التلويح، حين صدحت حناجر الملايين بـ"كفى"، في ذات الوقت الذي جلس به قادة العالم على مائدة الدماء... دماؤنا. لم يدركوا الصوت، فكان الحلّ الوحيد: البتر بلا عودة.

أتدري؟ لا يوجعك حقّاً أنّ ألمنا ووجعنا بات يُصدّر كصورةٍ فنيّة. ما يقطع أنفاسك حقاً وينهش روحك، أننا نحصل مقابل المأساة على جوائز!

إلى ماذا يحتاج العالم للخروج من إطار اعتياد المشهد الدموي إلى حقيقة الفعل؟ متى سوف ينتفض العالم نصرةً للإنسان؟ وعن أيّ إنسانيّة نتحدّث، إذا كانت هي نفسها ترسل الطائرات، ثم تمنح الجوائز لما تبقّى من ضحاياها؟!

المفارقة العجيبة، وربما المصادفة القدريّة، أن هذه الصورة تقاطعت ـ من دون قصدٍ منها ـ مع لوحة "غيرنيكا" التي رسمها بابلو بيكاسو عام 1937 كصرخةٍ فنيّة ضدّ الحروب والعنف، إبّان قصف مدينة "غيرنيكا" الإسبانية خلال الحرب الأهلية الإسبانية.

لنقل إنّ الفن، وبكافّة أشكاله، يحمل رسالةً توثّق معاناة الشعوب في الحروب والأزمات، لكن ما فائدة هذه التوثيقات إذا لم يستطع العالم أن يأخذ موقفاً جديّاً لإنهائها؟ كيف تصبح المأساة بعد ذلك تصويراً جماليّاً يسقط، بطريقةٍ وحشيّة، من علوٍّ أخلاقيّ إلى لحظةٍ فنّية ظلاميّة؟ كيف ننظر إلى إنسانيّة الإنسان التي تدميها تلك المشاهد والصور؟ وإذا كانت الجائزة نصرةً للحقيقة، لماذا ماتت في الغارة التي بترت ذراعي محمود؟

الصورة ربحت... والطفل خسر. اللجنة ربحت... والعدالة فشلت. أما الإبادة؟ تنتظر موسم الجوائز القادم!

يقول غسان كنفاني في يوميّاته الصادرة في 4 كانون الثاني 1960:

"لقد توصلت الآن إلى أن أؤمن بأن عنصر المشاركة يكاد يكون معدوماً بين الناس. إنهم يحسّون أنك تتألم، ولكنهم لا يعرفون كم تتألم، وليسوا على استعداد أبداً لأن ينسوا سعادتهم الخاصة من أجل أن يشاركوا الألم. وعلى هذا، فعلينا أن نتألم بيننا وبين أنفسنا، وأن نواجه الموت كما يواجهه واحد من الناس الآخرين نكتة يومية. وهذا يجعل من الإنسان عالماً بلا أبعاد، ولكنه في الآن ذاته، عالم مغلق على ذاته."

واليوم، بات ألمنا مادةً يُنظر لها بطريقةٍ فنية جمالية، وأصبح العالم يقيم صرخاتنا وحزننا المتدفّق من أجسادنا على أنه "جائزة وجوديّة"، وكأنّنا خُلقنا كتعبيرٍ عن المأساة.

وإنني لأمقت بشدّة أن نُختزل، كشعبٍ كامل، بصورةٍ يوميّة عن الوجع والظلم والقهر، أمام أنظار عالمٍ يدّعي الإنسانيّة ويتعاطف لحظةً، ثم يتابع حياته في اليوم التالي وكأنّ شيئًا لم يكن.

فهل علينا أن نغرق وحدنا في هذه الإنسانية؟ وهل ينبغي أن نشكر الأشلاء والدماء في كلّ مرةٍ يقف بها التاريخ على مذبحة؟ وماذا نفعل بكلّ هذا الألم والكبت المنفجر من أعيننا وملامحنا؟

ماذا سنقول للهويّة ولأطفال هذه الإبادة؟ هل نقول: نحن شعب المأساة والإبادة والحقيقة... في عالمٍ متناقض، يعيش على شريعة المحتل، لكنه يصفّق بحرارة للضحيّة؟!