كثير من الأغاني والأناشيد والاهازيج الشعبية التي سمعناها وحفظناها ورسخت في والوجدان. وأصبحت جزء أصيلا من ذاكرتنا. وشكلت بكلماتها والحانها ذكرى مميزة تحملنا إلى الماضي والزمن الجميل.
وفي تراثنا الشعبي الفلسطيني اغان كان وما زال لها الحضور المؤثر. يرددها الناس في المناسبات الوطنية وفي الاعراس والأفراح العامة .والذي لا يعرفه الكثيرون ان لكل اغنية قصة وحكاية تؤرخ الحدث. ويرتبط وجودها بظروف واحداث ادت لوجودها وتداولها ولتبقى حية إلى يومنا هذا..
سنتعرف ونعرض وعلى حلقات متتالية اشهر واعرق هذه الاغاني والتي ارتبطت بمناسبات وشخصيات وأحداث في تاريخنا الماضي والمعاصر على حد سواء. واصبحت مع مرور الوقت جزء من التراث الشعبي اضافة إلى دورها الملتزم بالخط الوطني والكفاحي..
من اشهر تلك الاغاني ( ظريف الطول) التي تعد
أنموذجاً للنضال والتضحية ونكران الذات. وشكلت معلماً نضالياً وتراثياً في سجل الأغنية الشعبية والنضالية الفلسطينية، منذ عهد الانتداب البريطاني في فلسطين وإلى يومنا هذا. ومروراً بالمقاومة الفلسطينية ضد الكيان الصهيوني الغاصب الذي أقيم على أرض فلسطين في العام 1948.
وساهمت أغنية "ظريف الطول" إسهاماً في إثراء الفن المقاوم. ولتشكل أبرز أغنيات المقاومة ما قبل العام 1948 إضافة إلى حضورها في النضال والمقاومة الفلسطينية في الثورات والانتفاضات الفلسطينية على مدى أكثر من 80 عاماً. وكانت تغنى في المناسبات الاجتماعية والوطنية. ولهذا الأغنية قصة تروى وحكاية جرت على ألسن الناس وتناقلتها وتحدثت عن سبب نشوء هذه الأغنية.
تقول الحكاية.. في زمن الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي إحدى القرى الفلسطينية حط أحد الشباب رحاله في تلك القرية.. ولكي يكسب قوت يومه ويأمن مدخل رزق له، بحث عن عمل يتكسب منه، فوجد ضالته في محل للنجارة في تلك القرية.
ومع مرور الوقت أصبح هذا الشاب الغريب حديث أهل القرية لما وجدوا عنده من حسن خلق وأمانة ورجولة وصدق في التعامل ونخوة بدت في كثير من المواقف.
ومن أجل كل الصفات التي نادراً ما تجتمع في شاب أصبح محط أنظار نسوة القرية، اللاتي تمنين أن يكون زوجاً لأحدى بناتهن..
وأطلق عليه أهل القرية اسم ( ظريف الطول)..
تقول الروايات في سردها عن حكاية ذلك الشاب أنه في إحدى الأيام هاجمت العصابات الصهيونية التي بدأت تنشأ في تلك الفترة والتي كانت مدعومة من سلطات الانتداب البريطاني وتمدها بالسلاح والعتاد وتسهل لها مهاجمة القرى الفلسطينية لإجبار أهلها على الرحيل وترك القرى للمستوطنين الصهاينة.
عندما هاجمت تلك العصابات الصهيونية القرية التي كان فيها ذلك الشاب، واستشهد جراء ذلك الهجوم ثلاثة من شبان القرية، كون أهلها لا يملكون سلاحاً يدافعون فيه عن أنفسهم، فعاثت تلك العصابات خراباً وفساداً وقتلاً في أهل القرية.
بعد تلك الحادثة اختفى ذلك الشاب ولم يعد له أثر، وسادت التكهنات والأحاديث بين أهل القرية عن سبب غياب الشاب المفاجئ. ولكن لم يعرف أحد ولم ينكشف سر ذلك الغياب.
وبعد عدة أيام ظهر صاحبنا من جديد، ولكن لم يعرف أحد لماذا وأين اختفى طيلة تلك المدة.
وبعد أشهر عاودت قطعان المستوطنين هجومها على تلك القرية، وبعدما توغلت داخل أزقة وأحياء القرية، ظهر الشاب وهو يحمل عدة بنادق وزع بعضها على شبان القرية، وأبقى واحدة له.
وعندما أصبح أفراد العصابات المهاجمة في مرمى نيران البنادق، فتحوا عليهم النار وأوقعوا فيهم عدداً من القتلى. شكلت هذه المعركة والمقاومة التي أبداها أهل القرية مفاجأة لدى العصابات الصهيونية، الذين تفاجؤوا بهذا الحدث وبوجود أسلحة في أيدي أهالي تلك القرية، مما أدى إلى وقوع ذلك العدد من القتلى الصهاينة.
بعد هذه الحادثة وبعدما عرف سبب غياب (ظريف الطول) تلك الفترة، وشرائه البنادق من ماله الخاص، مما خلق مزيداً من الإعجاب بنخوة وبطولة وتضحية ذلك الشاب.
فقامت النسوة ببيع ما يملكن من حلي وأساور وطلبن من (ظريف الطول) أن يقوم بشراء مزيد من البنادق والرصاص للدفاع عن القرية ورد العدوان من قبل العصابات الصهيونية التي بالتأكيد لن تسكت على الذي حصل في المعركة التي تكبدت فيها عدداً من القتلى والجرحى.
وفعلاً هذا الذي حصل. حمل (ظريف الطول) المال الذي جُمع بعد بيع الأساور والحلي وغاب عدة أيام وعاد محملاً بعدد أكبر من البنادق والعتاد الذي وزع على شبان القرية، استعداداً لمعركة اكبر هي بلا شك قادمة لا محال.
وفي صبيحة أحد الأيام استفاق الناس على دعوات للمقاومة وصد عدوان العصابات الصهيونية التي أتت للأخذ بثأر القتلى الذين سقطوا في المعركة السابقة، واندلعت معركة كبيرة بين أهل القرية وأفراد العصابة المهاجمة، وأبلى شبان القرية بلاء حسناً في الدفاع عن قريتهم وأهلها وممتلكاتها.
وبعد انجلاء غبار المعركة التي دارت رحاها في ذلك اليوم، تبين استشهاد عدد كبير من شباب القرية، وكذلك سقط الكثير من أفراد العصابات الصهيونية صرعى في تلك المعركة.
وبعد أن غادرت العصابة الصهيونية أرض القرية، بدأ الأهالي بجمع الشهداء استعداداً لتشييعهم بما يليق بالشهداء الذين ضحوا بأرواحهم في سبيل الدفاع عن قريتهم وأرضهم.
وهنا كانت المفاجأة بأن (ظريف الطول) لم يكن بين الشهداء وقال شهود عيان أنه قاتل ببسالة وأنه أردى أكثر من 10 من أفراد العصابة المهاجمة. لكنه الآن لم يظهر ولم يعرف إن كان بعد حياً يرزق.
اختفى (ظريف الطول) ولم يعرف أحد مصيره، ولم يعرف أحد طريقاً له، ولا سر غيابه واختفائه.
ومرت الأيام وتتالت الأحداث والوقائع، وظريف الطول لم يعد..
وأصبحت حكاية ذلك الشاب أسطورة، وقصته مثالاً للتضحية والبطولة والفداء وغنى له أهل القرية:
يا ظريف الطول غايب عن الأوطان
وغيابك عنا ملى القلب أحزان
وارجع لأهلك ارجع للأوطان
ما تلقى الحنية غير في بلادنا
ومع الأيام صار ظريف الطول، رمزاً وطنياً وأمثولة للفدائي والمقاتل المضحي، ورمزاً للمقاومة.
وكتبت الأغاني والأشعار المختلفة التي نهلت من قصة (ظريف الطول) وتحولت الحكاية الشعبية والأحداث الوطنية إلى أغان ارتبطت بالنضال والكفاح وثقافة المقاومة.
وتم التغني (بظريف الطول) وبطولته وقصة نضاله، فمن الأغاني التي تناولت تلك القصة، تقول كلماتها:
يا ظريف الطول وقف تقلك
رايح عالغربة وبلادك أحسن لك
خايف يا ظريف الطول تروح وتتملك
وتعاشر الغير وتنساني أنا
وفي إحدى أغاني فرقة العاشقين، تقول الأغنية التي حملت اسم (ظريف الطول)
يا ظريف الطول وين رايح تروح
بقلب بلادنا تعمقت الجروح
ما في غيرنا بردلها الروح
واسمع ليل نهار صوت رصاصنا
يا ظريف الطول امشي بتل بتل
واسأل عنا الريح يا غايب تندل
والطريق معروف والرصاص الحل
وبعزة وإصرار نزرع دربنا
يا ظريف الطول ارسم يا رسام
صورة لفلسطين وصرة للقسام
وعيون الثوار والله ما بتنام
نصر يا استشهاد هذا شعارنا
ولعل ما يحمل معاني كثيرة ودلالات ما قيل وما روي عن ظريف الطول، أنه بعد اختفائه من تلك القرية وعقب تلك المعركة التي جرت هناك، تواترت الأنباء والأحاديث أنه شوهد مع البطل عز الدين القسام يقاتل في أحراش بلدة يعبد، وقيل أنه كان في بورسعيد أيام العدوان الثلاثي على مصر، وعلى الوصف قيل أنه كان مع الفدائيين في غور الأردن وشارك في تفجير دبابة في معركة الكرامة، وأنه كان يقاتل أثناء الاجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 وأثناء حصار بيروت.
وحملت الأخبار من جديد ظهور (ظريف الطول) في قطاع غزة، أثناء معركة( طوفان الأقصى ) حيث شارك في القتال و كان يخرج من نفق ويرمي قذيفة يصيب بها إحدى الدبابات الصهيونية، وأنه كان في وقت آخر بشارك المقاتلين تجهيز راجمة صواريخ كانت تدك المستعمرات والمعسكرات الصهيونية داخل فلسطين المحتلة.
وبالاستنتاج (ظريف الطول) هو كل مقاوم، وكل ثائر حمل السلاح مدافعا عن الأرض . وكان إلى جانب أبناء شعبه مضحيا باذلا دمه وروحه ورافعا لواء الحرية،. سائرا على طريق الكفاح لتحقيق العودة والانتصار ..

