كان الصمت سيّد الزمان.
نحن، أبناء تلك المرحلة، كنا نحمل الكلام في قلوبنا لا على ألسنتنا، نحرسه كما يُحرس السرُّ في قلب العاشقة التي لا تجرؤ أن تُفصح، لا لأن الحب ممنوع، بل لأن الهمس نفسه تهمة.
في حقبة المقبور، لم يكن الليل يهبط كما يهبط على المدن الأخرى، بل كان يتسلّل علينا كخوفٍ معتّق في الذاكرة. نغلق النوافذ لا خوفًا من البرد، بل من الآذان المتربصة خلف الجدران، من العيون التي تتقن الإصغاء حتى لصوت ارتجافة القلب.
البيوت كانت تنبض بالحكايات الممنوعة، لكنها لا تُقال. تُروى بنظرة، بإيماءة، بنصف تنهيدة ونصف ابتسامة حزينة. كان الكلام رجسًا من عمل الشياطين، والشياطين لم تكن في السماء… كانت تمشي بيننا، تحمل دفترًا وقلمًا، وتكتب أسماءنا واحدًا تلو الآخر.
كانوا "يُذْهِبون خلف الشمس" كما تقول الأمهات المرتجفات. ولا أحد يعود. لا رسالة، لا خبر، لا ضوءٌ خافتٌ في نهاية النفق. فقط صورٌ تتآكل على الجدران، وأسماء تتهامس بها الجدّات في حضرة الموتى.
أتذكر جيدًا كيف كانت أمي تُعلّمني الصمت. لم تُعلّمني الحروف، بل كيفية بلعها. قالت لي يومًا:
"قول كل شيء… لكن لا تفتح فمك."
ولم أفهم… حتى كبرت، وصرت أعرف أن حتى التنفّس العالي قد يُفسَّر على أنه احتجاج.
كنا نحيا نصف حياة. نأكل، نعمل، نضحك بقدرٍ محسوب، ونخاف… نخاف أكثر مما ينبغي.
كل شيء كان خاضعًا للمراقبة، حتى الأحلام. كانوا يفتّشون تحت الوسائد، ويقرأون في تقاسيم نومك إن كنت تحلم حريةً أو تآمرًا.
أجل، كانت حقبة المقبور…
حقبة حيث تمشي الحقيقة حافية القدمين، خجولة، ترتجف في عتمة القلوب.
حيث الكتب تُهرَّب كما تُهرَّب العطور،
والأفكار تُدفن في التربة كي لا تُقتلع معها الرؤوس.
كنا نكتب رسائلنا بالحبر السريّ، نغزل الحب بالعيون، ونودّع بعضنا على أبواب البيوت كأننا لن نلتقي أبدًا… لأننا غالبًا، لم نكن نلتقي أبدًا.
ورغم ذلك، كنا نحيا…
بشراسة الأرواح التي ترفض أن تُدفن،
بكبرياء الحكايات التي تنتظر من يجرؤ أن يرويها،
وبصمتٍ عظيم… له صوتٌ يشبه البندقية.

