اكتب لكم اليوم بقلم اليقين المملوء من دواة التجربة على أوراق الأمل لأخاطبكم خطاب المحب في بضع كلمات تشي لكم بعظم منزلكم وخوفي عليكم وثقتي بكم علّ خواطري ونفثاتي تكفيكم عثرات من سبقكم وتدلي لكم بقوانين الأرض الأزلية.
ستكبرون أشبالي وتقرأون عن تاريخنا، فقد كتب لكم التاريخ عن جيل سبقكم ذاق من الذّل والعذاب والتهجير والمهانة وعن عظماء وشهداء قدموا أرواحهم فداء لأوطانهم ومقدساتهم ومعتقداتهم، وعن أبطال قضوا سنين من أعمارهم في المعتقلات، ولم يتنازلوا عن أفكار آمنوا بها تحت أنواع التعذيب التي غيرت ملامح وجوهم وأضعفت أجسادهم، فألبسوا مبادءهم هالة القداسة ووهبوا قضيتهم قيم العدالة والصدق والتضحية، على يد أطماع قوى عالمية وأذنابها من بني جلدتنا، دفنوا رؤسهم كالنعام أمام مذابح غزة وانتهاكات المسجد الأقصى على مرأى ومسمع العالم،. فلا تضعوا ايديكم على وجوهكم استحياء بأفعال من باع الأوطان من أمتكم وتتنصلوا منهم ومن أصولهم فتجعلوا منهم رموزا مسيئة ومن أيامهم تاريخا أسودا وتغمضوا أعينكم عن تضحيات وبطولات قدمت ودماء لونت أوراق الشجر، فتُنسى وتضيع لتضيع معها هويتنا العربية الإسلامية.
يكتب التاريخ يا أولادي بأيدي المنتصرين وبرؤيتهم ويصبغ عليه فكرهم وهويتهم فتضيع هوية المهزوم وتذوب أمام اهوال الحروب وتدفن تحت ركام الدمار، فاكتبوا أولادي شيئا لتاريخنا يبقى ذخرا لأولادكم ويضع أعينهم على حقائق تم اخفاؤها وأسماء خلدت في السماء وتضحيات بكت لأجلها الصخور وعصافير ملأت بأجنحتها الآفاق، لترسموا مستقبلا حرا لكم بوعيكم بحاضركم واحترامكم وحفظكم لماضيكم وتعلمكم من أخطاء سابقيكم ودفاعكم عن وطنكم وحفظكم لهويتكم.
فالتاريخ يا أبنائي أعظم شاهد على هوية الأمم فقد حمل مع التراث قصة الانسان ورحلته عبر الزمان ونقلها إلى الأجيال بانتصاراتها وهزائمها بحضاراتها وكبواتها، فعليكم بتاريخكم وتراثكم وتوظيفه في رسم مستقبلكم ومستقبل أبنائكم واستمرار هويتكم وحفظ ملامحها وتمايزها عن مختلف الثقافات التي تعايشت معها فأثرت وتأثرت بها وساهمت في تطور هويتنا وبلورتها.
فقضية الهوية اليوم رياحين الروح متصلة اتصالا تاما بقضية الصراع الفكري والثقافي، فلا يجد الفرد والمجتمع مكانا للابداع والتميز اليوم إن لم يكن ملما بهويته وقادرا على استيعابها حريصا على تطويرها واستمرايتها بما يتناسب مع فطرتنا وعقيدتنا وأصالتنا وهذا هو سر قوة الأمم واستمرار الحضارات.
هذا تماما ما أدركه أعداء العرب والمسلمين عندما بحثوا عن سر صلابتهم وشجاعتهم وتفوقهم في ساحات المعارك وهزائم أعدائهم أمامهم، وأيقنوا أن السر يكمن بالامتداد التاريخي الغني بالحضارات المختلفة والايمان العقائدي والتمسك بالقيم والمبادئ الأخلاقية والعادات والتقاليد واللغة التي تشابهت على الامتداد الجغرافي للوطن العربي، فعمدوا إلى قلب الخطط والموازين وقاموا بتغير ميادين القتال من الساحات إلى العقول واستبدال السلاح والنصل بالكلمة ورصاصة النار بالقلم، وقرروا اجتاياح التراث وعناصره الهامة خاصة التراث العقائدي وهو التراث الإسلامي حيث كانت الحضارة الإسلامية تصدهم أينما كانوا، فتلاعبوا بمعاني الأيات وتفسيراتها عن طريق القصقصة والتجزأة لحرف المعنى ووضع الفكرة خارج مسارها، واضعاف قوة التاريخ العربي القديم والتاريخ الإسلامي وتشتيت أوصاله والقاء الضوء على عثرات وأخطاء القادة والرموز والتشكيك في أهدافهم، والتأكيد على واقع المسلمين في عصورهم المتأخرة والضعيفة، وتفكيك مفاصل التواصل التي ربطت الشعب العربي وجعلت منه شعبا واحدا
أبنائي في التاريخ دروس الماضي بينما يعرفنا التراث بمسؤوليات الحاضر والمستقبل، فالتراث والتاريخ وجهان لعملة واحدة يعكسان معا تجربة الانسان ويقدمان نماذج لاستلهام المستقبل نطلق عليها اسم تأصيل الحداثة وهذا التأصيل هو القادر على مواجهة العولمة والحفاظ على الهوية.
كونوا مع أبناء جيلكم على وعي لما يحاك ضد مستقبلكم، وحددوا أهدافكم وسيروا نحو تحقيقها، وابتعدوا عن المحبطين حولكم، واياكم وجلد الذات والوقوف عند العثرات، فالتخلف الحقيقي أولادي هو عدم معرفة الذات واحترامها وبالتالي عدم الوعي بالواقع وفهمه وعدم القدرة على الابداع فيه. ولا تنسوا دوما أن العلو الحضاري أمضى في تأثير من العلو العسكري، وأن طريق النجاح هو تحويل التفكير السلبي إلى تفكير إيجابي فلا لليأس ولا للتبعية ولا للاستسلام.
احذروا فلذات كبدي من عقلية جديدة سيطرت على لأمة العربية تعتمد على تصورات الفكر الغربي ومقايسه وتقوم بمحاكمة الفكر العربي والإسلامي والانتقاص من أساليب معالجته للأمور، وقد أصبح هذا الفكر اليوم ينتقل بين شبابنا بشكل تلقائي، دون جهد من أصحابه ومروجيه، لتدمير واحراق الخلفيات الثقافية الفطرية والمتوارثة، تماما كما تنتقل النيران لتحرق كل ما تجده أمامها دون جهد ممن أشعلها. فبعد أن أنهك الوطن العربي بالحروب وانشغل بترميم خرابها، واقتنع أفراده بأنهم مجتمعات متخلفة ونامية، وأن حضارته ناقصة لم تكتمل، وأن العرب مجرد قبائل تعيش في الصحراء وتبحث عن الماء والكلاء، لمعت في عينه حضارة الغرب وسعى لتقليدها والاقتداء بها.
لست ضد الانبهار بالجمال والكمال والإحسان والأفضلية، فهي فطرتنا الإنسانية، لكن عليكم الانتباه لنتائج هذا الانبهار ووضع أيديكم على العلة، فقد انبهر الغرب بعالم الشرق في فترة ظلامه فهرع إليه يدرس ويتعلم حتى استطاع التخلص من ظلام العصور الوسطى وانتقل إلى عصر النهضة والتنوير.
الغزو الثقافي يا ضيّ العين بوجوهه المتنوعة ظاهرة عرفها التاريخ عبر الزمن، فكل حضارة سائدة قوية كانت تعمل على طبع العالم المحيط بها بطابعها السياسي والاجتماعي واللغوي والبيئي، وطبيعي أن يكون لدى العالم الضعيف رغبة جارفة في تقليد الحضارة الأقوى بعاداتها ولغتها وزيها، وهذا يعني أن ساحة المعركة أصبحت في عقر الدار أي في العقول والأفكار.
وهنا يكمن الخطر الصامت الذي يهاجم ويقتل دون الشعور بوجوده.
لسنا ضد الاتصال الثقافي رياحين روحي فهو ضرورة عصرية لكن علينا بالوعي بالاختلاف الفكري والعقائدي (الايدلوجيات)، واحتضان ما يدعم الخير وينشره، وذلك بأخذ ما يتناسب مع حياتنا وبيئتنا وتشريعاتنا وما يحفظ حقوق الانسان ويرتقي بالأوطان ويسير نحو الحداثة والتكنولوجيا والتطور والابداع والتنمية مع الاحتفاظ بالخصوصية العربية دون تقليد أو تبعية.
وبتحديد الأهداف ووضع الخطط واحاطة أنفسكم دوما بمن يؤمن بكم، دون الوقوف كثيرا أمام كلمات الإحباط حتى تقهروا الصعاب وتتجاوزا العقبات.
علينا الاعتراف أبنائي بأننا كآباء لم نعدّ العدة لمواجهة هذه الحروب بما تحمله من تعتيم وتخريب للعقول ومحو للهوية، لكن الفرصة لاتزال سانحة لتحصين المجتمعات وزرع الوعي في عقول الشباب والأجيال القادمة وتسليحهم بسلاح التراث والقلم والابداع. لذا فلا يمكن لأحد أن يلوم الشباب في خوفهم من المستقبل المجهول بعد أن عاشوا ما عاشوه من الحروب العسكرية والإعلامية والفكرية التي استطاعت أن تتلاعب في فطرتهم وتجعل رؤيتهم ضبابية وتدخلهم في دوامة تحمل علامات التعجب والاستفهام دون إجابات شافية، وحروب تطحن أمنياتهم وأحلامهم وتزرع في نفوسهم اليأس والأنانية والسير في طريق الغاية تبرر الوسيلة.
ليغرق شبابنا، في المناقشات الجدلية التي تحرف النقاش عن الموضوع الرئيسي إلى مواضيع ثانوية تتحول غالبا لمبارزات كلامية وابداء الآراء الخاطئة للفوز في المعركة الخطابية وانتهاء الجلسة دون نتائج لموضوع النقاش الأصلي، ودون إيجاد حل لمشكلة رئيسة تقف عقبة كبيرة في طريق نجاحهم وابداعهم. فيجدون هروبهم في ألعاب التسلية الالكترونية التي تعتمد على السلاح والمبارزة ونشر لون الدماء والمجازر والدمار والجثث، ليعتاد عليها الشباب فتعمل على برمجة عقولهم والتلاعب بها إذ تعطي اللاعب شعورا بالقوة والانتصار وتجعله يتقدم في مراحل اللعبة وكأنه القائد الذي حقق المستحيل وهو شعور تحتاجه روح الشباب وتبحث عنه وتشبع غرورها فيه، ناهيك عن اعتيادهم على مشاهد الدم والجثث فتتحجر مشاعرهم ويتلاشى احساسهم بالمسؤولية تجاه المشاهد الواقعية التي تمر أمامهم ،. وبذلك يتحول المجتمع إلى مجتمع وحشي يأكل الناس فيه بعضهم البعض، وتُرتكب المظالم وينتشر أكل الحقوق بكل أنواعه لتترك المجتمع وكأرض أمطرت بأطنان من القذائف البارودية والقنابل السامة.
ثمرات روحي ، الحب والايثار ونكران الذات هو الأكسير الذي سيعمل على رأب صدع المجتمع ورتق ما تمزق منه، فابدؤا بإصلاح النفس التي تنادي دوما بالأولوية والفردية بتعريفها بداية بأن المصلحة الجماعية وفهم مشاعر الأخرين ومشاركتهم أفكارهم وأحزانهم وأفراحهم وآمالهم والعمل بروح الجماعة يؤدي إلى التنمية الاجتماعية والاقتصادية ويفتح أفاق الثراء والرفاهية لكل فرد في المجتمع، فالإيثار يا أولادي قيمة تراثية وقوة جبارة استخدمها أجدادنا في الأزمات وأيام الفاقة الشديدة وليالي الخوف والجذع.
أحبائي، يشهد التاريخ بالدور الحضاري الذي قدمه أجدادنا وتعج صفحاته بالمساهمات الإنسانية لأمتنا العظيمة، فارفعوا رايتها ولا تأبهوا بانكساراتها وتعثراتها، واتركوا أثرا حضاريا يحمل بصمتكم العروبية وفكركم الرافض للتبعية والاحتلال والخنوع والاستسلام.
دوركم اليوم هو أخذ زمام المبادرة وتكريس ثقافة المقاومة والتحرر ووحدة الأمة وحريتها وكرامة الشعوب والعمل المتفاني في بناء وطن حر خال من الحروب والاستغلال والانتهاكات.
وتذكروا دوما لا انتصار كامل بدون هزيمة في عدد من الجولات واحملوا لاءتكم معكم بوجه أعدائكم فلا للسلبية ولا للتبعية ولا لليأس ولا للاستسلام.

