Menu

من النكبة إلى سيزيف الفلسطيني

لمى الشطلي

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

أن تولد بمحض المصادفة البحتة لتجد نفسك ملتصقاً بهوية ترتبط بالمجازر والوحشية والهمجية المفرطة، فذلك مصير فُرض على شعبٍ بأكمله بتخطيط غربي ورؤية استعمارية صهيونية. فما معنى أن تكون فلسطينياً في زمن ينكر عليك صفة الإنسان، بينما تسقطك الأنظمة المتآمرة من كل اتفاقيات ومواثيق حقوق الإنسان والقانون الدولي؟

كأن الوجود الفلسطيني استقى مصيره من الإغريق ليصاب بلعنة الهوبريس، مترفعاً عن قدر السماء بعنادٍ يروي الأرض دماء عاشقة خالصة في حب فلسطين، كما الحياة، وكأن النكبة كانت خطأنا التراجيدي الأول.

سبعة وسبعون عاماً ونحن نبحث عن ذاتنا داخل هوية فلسطين، ونعود للنكبة في محاولة بائسة نستجدي التاريخ أي إجابة شافية، لكننا نكتشف سخرية جارحة: لا نكبة تُسعفنا بإجابة. فالثائرة على نفسها أقرت بكامل السادية أن تجدد نفسها بنفسها. لم نعد بحاجة للتاريخ والجغرافيا؛ نحن اليوم في زمن النكبات الفلسطينية المتتالية، زمن لا تشرحه الفلسفة، ولا تحتويه الخرائط.

من النكبة إلى الشتات، دول وتعداد وأرقام، حياة وموت تحمل عنواناً عريضاً: "الفلسطيني". لا تحتاج بعدها لشرحٍ مطوّل، بل إلى ذاكرة حيّة توثق خلالها كيف يصير الإنسان يحمل جانباً من النقص، تسافر عبره لفهم أي دولة أو قانون يمكنه أن يمنحك المزيد من العطايا. لكن كلّ العطايا، مهما بلغت، لا يمكنها أبداً أن تسد هذا النقص فيك. تتحول دون أن تشعر إلى "سيزيف الفلسطيني" الذي يتحدى الحياة بفكرة المقاومة. نحمل الأرض على ظهورنا وندفعها كل مرة إلى القمة، ليس بدافع العبث بل بدافع الحب. نصير مناضلين مهووسين بالأرض، ونعي بعدها أن عقدة الانتماء ليست خياراً، بل لازمة معاشة تتغلغل حتى إلى الهواء الذي نستنشقه. فنكون في عرف الوجود مقاومين، وفي عرف فلسطين شهداء. فهل كل شهيد من يعانق التراب فقط؟ أم أننا في قلب الحقيقة شهداء أحياء نوجع الميتين لأن كل الأحياء قد سبقونا إلى المعنى؟

"واليوم استطاعت هذه النكبة أن تتكاثر بأشكالٍ متعددة، فمقابل كل كلمة لا أو فعلٍ مقاوم يعيد ترتيب الخريطة، يخرج آلاف من الناس من الركن الأول إلى الشارع المنسي، لترى بأن المخيم صار أرضًا لا منفى. يبلغ بنا الوجع أن نعايش نفس المشهد وفي بقاع جغرافية متعددة، تلوح بنظرك وإذا بك تشهد جمعاً من الناس يسير مترنحاً من الخيبة، تلفظه أرض اللجوء ليعيش الحرمان مرتين. ولعنة المنفى أشد. والله إن قسوة المنفى أشد، فلربما الأرض لا تتخلى عن سكانها الأوائل أينما حلوا، بينما المنفى يقذف بك إلى وادٍ سحيق. هناك، تلتقي بأوديب الذي ظن بخطأ منه أنه ينقذ المملكة، كما ظننا بأننا نصون البقاء، لنتزاوج مع المنفى فتلاحقنا مأساتنا أبد الدهر."

أما غزة، فكانت نكبتها ذات طابع دموي، تتأرجح بين الدمار والدماء، مفجوعة بنفسها.

كيف لقلاع الصمود أن تكسوها الأشلاء؟ وكيف لتاريخها أن يفتح مصراعيه ليُعيد إحياء ذاكرة لينين غراد، لكن هذه المرة في جسد الغزي؟

فأي نكبة أشد بشاعة من التجويع الممنهج، حين يستحيل على المحتل قتل الروح وهزيمة الإرادة؟

وليس غريباً حقاً أن يكون الصهيوني الوجه الأكثر وحشية من النازي نفسه، إذ إن عقدة القتل أثبتت جدارتها بتطوير نفسها عبر أجيال المستعمرين.

ما الذي يمكن أن نقوله في ذكرى النكبة المشؤومة؟

هل يكفينا التاريخ وحده ليشرح ما معنى أن تكون فلسطينياً؟

هل يمكننا أن نعبر من المجازر والإبادة على هيئة أي إنسان عادي؟

أم أننا وُجدنا بصفة واحدة: "مقاوم"، يطرق باب الصراع والحروب على إيقاع إرادة البقاء؟

لكن، ماذا لو لم نكن فلسطينيين؟

هل كنا سنلتصق بكل قضايا الإنسان، أينما كان، دون أن نبذل أي عناء؟

هل كانت الحرية والعدالة ستصبح شعارنا الوجودي، أم أننا خُلقنا نحمل تلك الكلمات وكأنها خلاصنا الأبدي؟

ربما...

لكن الأرض وحدها من تحمل الإجابة.

فلسطين وحدها من تقرر، وإلى ذلك الحين، نحن فلسطينيون مقاومون حتى النخاع.. لأن في كل خلية منا ذاكرة نكبة، وفي كل نفسٍ مقاومة."