ما قبل الاحتلال الصهيوني للأرض الفلسطينية, وتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه سيطر النظام الرسمي العربي على القضية الفلسطينية, ومع هزيمة العام1948, وإعلان الكيان الصهيوني دولته رغم تدخل الجيوش العربية في هذه الحرب, وهزيمتها مثل كل المعارك الخاسرة التي خاضتها الأنظمة العربية, بقى التمثيل السياسي الفلسطيني في عهد هذه الأنظمة العربية حتى تشكيل منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني, ومع هذا التشكيل استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية انتزاع التمثيل من الأنظمة العربية, وأصبحت هي ممثل الشعب الفلسطيني, وخاضت حروباً طويلة حتى استطاعت الحصول على الاعتراف الدولي والأممي, ولو بعضويات غير كاملة في كل المحافل والهيئات الأممية الدولية.
ورغم ذلك استمرت الأنظمة العربية في محاولات الهيمنة على القرار الوطني الفلسطيني في (منظمة التحرير الفلسطينية), خصيصاً في مرحلة السبعينات, وثمانينات القرن الفائت, ومن هذه الأنظمة النظام السوري الذي خاض معارك عسكرية عديدة مع فصائل منظمة التحرير بعد خروجها من ملحمة بيروت البطولية في صيف العام1982, أحياناً من خلال الجيش السوري, وأحياناً أخرى عبر أدوات وأذرع فلسطينية قام برعايتها وتخريب دورها الوطني الفلسطيني, عن هذا الصراع بين الأنظمة في سوريا, وبعض الفصائل, وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية الراحل أبو عمار عالجت الروائية السورية اليسارية حسيبة عبد الرحمن هذه القضية في روايتها "السماق المر" الصادرة عن دار نينوى في العام2025.
عملية خاصة:
يذكر الراحل الحكيم جورج حبش في حديثه لـ ( شريف الحسيني, وسائدة الأسمر), الذي نشرته العربي الجديد بتاريخ9/10/2024، أنه وقبل" وصوله إلى بوابة السجن بمئة متر أو مئتين, رأيت الرفاق يرتدون لباس الشرطة العسكرية السورية ومعهم سيارات مجهزة, وهناك فوجئت بأن أفراد الشرطة العسكرية هؤلاء هم: شحادة العجرمي (أبو طلعت)، وجبريل نوفل (أبو رأفت) ورفاقهما الذين طلبوا من السيارة التي كانت تنقلني الوقوف جانباً, وهي في طريقها إلى سجن الشيخ حسن. واضطرت السيارة إلى الوقوف, وهنا شهروا المسدسات على السائق أولاً, ثم على الحارس الجالس في الأمام, وعلى الحارس الجالس جانبي, وقالوا لي: "يلا نط", أي اقفز, طبعاً قفزت, وكان ثمة سيارة جاهزة انطلقت بي بسرعة, حتى أننا صرنا خارج الحدود السورية في أقل من ساعة, وذهبت فوراً إلى بيت وديع حداد".
بينما تناولت الروائية عبد الرحمن هروب الحكيم كما يلي في حديث (أمين الشخصية الأساسية، "حافظ الأسد") في الرواية: "التاريخ يعيد نفسه معي ومع غيري, بهرب السجناء, فقد هرب زعيم المتشددين الفلسطينيين من السجن الجبلي, السجن الذي يشبه القلعة والمطل على عاصمتي, لأني ورفاقي اختلفنا معه, والآن, هو يعيش في ضيافتي وتحت حمايتي, ومع أن السجن محصن, لكن بعض الساسة تمكنوا من إحداث اختراقات فيه, فقد سبق تهريب ذلك الراديكالي الفلسطيني, وقبله هروب ابن المدينة المتمردة الوسطى صاحب السطوة الأمنية فترة الوحدة, الذي تلطخت يداه بدماء كثيرة ومن بينها دماء زعيم شيوعي كبير, كان أحد مؤسسي التنظيم والأب الروحي له, أمسك بالزعيم الشيوعي صدفة في بلدنا, وهو يقوم بالاتصال بالشيوعيين الذين بقوا داخل الجمهورية الموحدة, بعد ملاحقة السلطات لهم, فاعتقل ومات تحت التعذيب, كشفت هويته بعد موته, وأنه مواطن من خارج الجمهورية المتحدة, ومن أجل التخلص من جثته, وإزالة أثره ذوب بالأسيد, كي لا تعرف شخصيته الحقيقية ومولده في الدولة المحاذية لحدودنا غرباً."
أن حالة القمع المعمم في سوريا منذ الوحدة مع مصر جعلت منها ذروة الديكتاتورية على مدار عشرات السنين حيث استشهد القائد الشيوعي فرج الله الحلو في أقبية المخابرات السورية, وجاءت عملية تهريب الحكيم من السجن صفعة لحكم اللجنة العسكرية, ولآلية التفكير الفوقي في كل القضايا المهمة ومنها القضية الفلسطينية على الرغم من محاولة تثبيت آليات خاصة بهم كنظام حكم بعيد عن الديمقراطية حيث أنهم أقروا أن الارتقاء بالعمل التنظيمي الحزبي لا يقر دون المشاركة في العمل الفدائي في الجولان المحتل.
صراع الاستحواذ:
يتبدى الصراع مع رمز القضية الفلسطينية (الختيار, أبو الكوفية) ومن خلال حديث بين الملك حسين والرئيس حافظ الأسد في شخصية (الأمين) بطل رواية السماق المر, إذ يقول الملك: "انظر إلى الفصائل الفلسطينية في المخيمات كيف تغيرت؟ غيرها المال والجاه, وآثار الرشوة ظهرت بالتخلي عن الثورة والتحرير وهذه بداية مرحلة أفولهم، ترى لن يستطيعوا بعد الآن تهديد أي نظام بإسقاطه سواء وقف ضدهم أو معهم كالأسمر!"
نحن لسنا مثله في القوة والعدة, ولن أنسى اتصالك في يوم اشتباكي مع الزعيم الفلسطيني (أبو الكوفية) سألتني يومها هل أحتاج إلى مساعدة؟, أجبتك: لا.
- إذا احتجت إلى دعم ..أنا أخوك.
علاقتي بأبي الكوفية وعلاقتي بأبي كانت دائماً متقلبة، كالإخوة أحياناً وأعداء في كثير من الأحيان, وعلاقتي بك حذرة, أنا وأنت لم نثق ببعضنا البعض يوماً".
إن الحوار بينهما يوضح حقيقة موقف كل منهما من فصائل العمل الوطني الفلسطيني, ومن الزعيم أبو عمار, وهذا في المرحلة الأولى من المقاومة في السنوات الأولى في عقد السبعينيات, عندما هاجمت قوات الملك مواقع المقاومة والمخيمات, لكن بعد الخروج من الأردن يتغير الشكل.
ويصف أمين الصراع بينه وبين الختيار بأنه لوعني ولوعته, لاعبني ولاعبته طويلاً، لطالما رفضني, وعاد إلي راجياً قبوله من خاصتي, ثم ما لبث أن نكث عهده, هو من كان يبدأ بالعداوة, فتجر عليه الوبال.
ويذكر أنه لن ينسى اليوم الذي اتصل أبو الكوفية به, وشتمه, وهدده، لكن الرد كان إن قصصت أظافره حتى اللحم!.
ويناقش أمين صديقه أبا نضال, حول أبو الكوفية وسياسته فيقول:" هم كتبوا
نهايتهم بغصن الزيتون, غصن الوهم والسراب والاندفاع والتراجع والتأتأة. جلبت لهم, أنت وأبو كوفية, التشرد ثانية, وكأن تشردهم الأول لم يكفِ, فتشدق بالخطابات كحالكم, حتى أودعهم البحر وموانئ العالم, نصحته, فلم ينتصح. عاد أدراجه إلى مسقط رأسه, وهو ما كان قد رفضه قبل عقود, مترنماً:
- سأعود إلى البحر والجبل, إلى الزيتون والبرتقال, إلى وطن كبير, ولن أعود إلى مدينتي فقط!".
يرد عليه أبو نضال: "كأنك بريء! لم تسد الأبواب أمامه وأمام رفاق دربه من الثوار، وتساهم بقتلهم مرات ومرات؟ لو كانت الأرض تتكلم لصاحت, وانشطرت, وصرخت: لا تقترب من ترابي فتدنسه!, طارت كوفية أبي الكوفية, ودخلت نعش أمين غطت خمه، حاول رفعها. لكن قواه خارت. استنجد بالختيار: عفوت عنك, تعال وخذ كوفيتك!
ابتسم أبو الكوفية, وكأنه يسمع ما يقول, ولعل خطاً سرياً بينهما: نغصت عليك كوفيتي سردك الملتوي, أغلقت فاهك, كي لا تسترسل بأضاليلك, تقارن نفسك بي وبالجنوبيين! نحن حملنا السلاح, وخضنا حرب عصابات وحرب تحرير شعبية, في حين كنت تتآمر علينا, وفي أوقات الصباح تقف لتأمر وتنهي في قطعات جيشك, نحن حملنا أرواحنا على أكفنا, وأنت حملت رأسك على كفك من أجل هدف واحد هو السلطة التي لا يعرف من كان وراء وصولك إليها!، هل هم من بلاد الضباب أو اليانكي؟!
قهقه أبو الكوفية, جزارنا يقيم ثورتنا ويقيمني! وأنت من أغلق الحدود في وجهنا, وحاول منع الهواء عنا! وتتحدث عن النضال والرشاوي وتصفية المناضلين! كأنك تصف نفسك, سياستك, تقلباتك, إدعاءاتك.
ويلعب الختيار مع أمين الشطرنج, الذي ينتزع الكوفية عن صلعته العامرة بالمؤامرات, والتي أخفى فيها حقيقته, وجمع الناس حول رأسه المغطى تارة بالتقدمية وأخرى بالدين, مع الشرق والغرب ضد الرجعية ومعظم أمواله منها، ألقى خطباً ثورية عن التحالف مع السوفييت, وحرب التحرير الشعبية, التحرير من النهر إلى البحر, وها هو يقبل بمحافظة.
ويرد الختيار:
- قبلتها بسبب سياستك وسياسة غيرك يا صاحبي!
يرفع أبو الكوفية قميصاً ممزقاً، لربما أحضره من أحرف التاريخ وصفحاته الصفراء, القميص العتيق الذي أخرج من القبر للتو مضرجاً بالأحمر!,
نظر أبو الكوفية قائلاً: هي دماؤنا التي سفكتها, وبجانبها نساء مزقن خمرهن, متفجعات ومتجهات نحو القبلة, يندبن, ويدعين عليك.
وتركز عبد الرحمن على التحالف بين القوميين الاجتماعيين السوريين, وأبو الكوفية من خلال خرائط التحرير، وحول تحرير الجنوب وجنوب الجنوب في لقاء سعادة حفيد إسماعيل بيك مع أمين.
وقائع:
إذ كانت بعض دول العالم والأنظمة اليمينية قد اكتفت بدعم الكيان الصهيوني في هذا الصراع المرير والطويل, فإن الدول العربية وحكامها لم يقفوا على الحياد فقط, وإنما شاركوا في دعم الصهاينة بطريقة مباشرة وغير مباشرة.
النظام السوري في محاولاته الاستحواذ على ورقة القضية الفلسطينية سواء بشكل مباشر أو عبر وجود جيشه في لبنان, وتقييد حركة المقاومة, وأحياناً منعها.
إن الروائية حسيبة عبد الرحمن من خلال الصراع الفلسطيني السوري ممثلاً في أبو الكوفية وأمين, رصدت محاولات النظام السوري السيطرة على كل ما هو فلسطيني, والتحدث باسمه, لكن أبو الكوفية كان له بالمرصاد, حيث لم يمنحه هذه الفرصة, ولم يمنح غيره من الأنظمة العربية هذه الفرصة أيضاً، إذ نجد في اتصال الملك بأمين وحديثهما الرغبة المشتركة لدى النظامين بتطويع أبو الكوفية, وبالتالي القضية الفلسطينية, فالقضية الفلسطينية أعمق وأشمل من هيمنة وسيطرة أي نظام عربي, بل وحتى أعمق وأشمل من أي سلطة فلسطينية أو فصيل (سياسي وعسكري) فلسطيني, فكيف إذ كان نظام عربي متخاذل أمام الكيان الصهيوني وداعميه الأمريكان والغربيين.
أن القضية الفلسطينية في الرواية كما هي في الحياة الواقع صعب الاستحواذ عليها, فاللقطة الأخيرة لأبي الكوفية في الرواية موجود مع الحزب القومي الاجتماعي, وهو تاريخياً من أكثر الداعمين للقضية الفلسطينية.

