Menu

النكبة ودلالاتها في الأدب الفلسطيني

غرز الدين جازي

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

النكبة، مأساة إنسانية حُفرت في الوجدان الفلسطيني.. وويل للإنسانية، وتخاذلها على مرّ العصور، إذ جَهلت أو تجاهلت ويلات شعبٍ عاش مرارة التهجير قسراً، والقتل والدمار جوراً، والتجويع سلاحاً.

كلنا ودون استثناء، يعرف ما النكبة، وما ذقنا من مرارتها كعلامة فارقة في تاريخنا الفلسطيني، وما عاناه الفلسطيني من حرمان لبيته، وتحويله إلى لاجئ يهيم في الشتات خارج وطنه.

طردٌ، وتهديمٌ، ونهبٌ، واستبدال جغرافيا المكان بأسماء عبرية.. تزوير للتراث والتاريخ بمستوطنات أقيمت فوق معالم آثارنا التي طمسوها، ابتدأت بها النكبة، واستمرت، ولا زالت.

علامة فارقة هي النكبة في تاريخنا.. لكنها، وبصلابة الجسد والعقل وروح الفلسطيني فينا، كان لها تأثير كبير على ثقافتنا الفلسطينية، واعتُبرت لدى معظم الأدباء رمزاً لتأسيس الهوية الفلسطينية، تلازماً مع الثالوث الفلسطيني المقدس: "حنظلة، الكوفية، والمفتاح الرمزي".

في الخامس عشر من أيار من كل عام، نحيي ذكرى النكبة حول العالم، ذكرى النزوح الأول وما تلاها، والتي توصف بالمأساة الوطنية، حيث لا تزال ترسم حياة الفلسطيني إلى يومنا هذا... فقد كانت سبباً رئيسياً للشتات الفلسطيني، تحوّل فيه الفلسطينيون إلى أمة لاجئة ذات هوية متجولة، وأنه من المهم قطعاً استذكار واستحضار هذه الذكرى سنوياً كي تبقى عالقةً في أذهان العالم، لكن الأهم هو استخلاص ما يترتب علينا القيام به .

وإنني إذ أستعرض ذكرى النكبة وما أبتغيه من الإصرار على إحياء هذه الذكرى بألمها ووجعها، هو عمق معانيها في الذاكرة الفلسطينية، ولكي أنشد وأقول تجنباً ونبذاً لكل الخلافات علّها توحدنا في لمّ شمل نضالنا: "إن فرقتنا السياسة، وبعثرنا السلاح، فلتوحدنا هويتنا الثقافية الفلسطينية المتجذرة في وجدان شعبنا تكريساً لحق العودة واستعادة أراضينا".

وبسبب الحجم الكارثي للنكبة، وما ألمّت بفلسطين وشعب فلسطين، فقد انعكس ذلك على كافة جوانب الحياة الفلسطينية ولكل من بقي منهم في فلسطين، أو هُجّر منها وعاش في حياة اللجوء، أو فيما تبقى من أرض فلسطين التاريخية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا ما أفرز "ثقافة المقاومة" والتمسك بالهوية الفلسطينية وتاريخها وتراثها والإصرار على حق المقاومة والعودة، وما كان لهذه الثقافة من عميق الأثر على الأدب والأدباء الفلسطينيين أمثال إميل حبيبي، توفيق زيّاد، محمود درويش، إدوارد سعيد، و غسان كنفاني وغيرهم.

إن إحياء ذكرى النكبة ليس استعراضاً تاريخياً وحقائق رقمية نغرسها في أذهان أجيالنا رغم ما لذلك من أهمية، بل هي ركيزة مفصلية لتعميق الوعي والذاكرة الفلسطينية في استمرار الذود عن حقنا في إثبات وجودنا التاريخي في أرضنا، والتصدي لآلة التدمير المنهجية التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي على شعبنا.. يترافق ذلك في سلاح المقاومة مع عسكرة مفردة الأدب الملتزم بثوابت حقوقنا في أرضنا لمقاومة الاضطهاد، والنضال من أجل الحرية، والأمل في حقنا التاريخي والوطني في فلسطين، وجعلها رمزاً لإبقاء ذاكرة شعبنا حيّة تستلهم المقاومة، وتساهم فيها بدور مهم للحصول على حقوقنا وصولاً للنصر الذي ننشده.

وقد أفرزت النكبة أدباً أظهر نضال الأديب الفلسطيني، تحدّى فيه كل الممارسات الثقافية، ومنح الأمل بقوة الكلمة، وحافظ على الذاكرة الفلسطينية الجمعية بالحفاظ على الهوية وتكريس حق العودة ومواجهة الظلم المنهجي..

كما امتد سلاح هذا الأدب قوياً، عَكَسَ فيه الظلم واستعادة الهوية، وتناول موضوعات المنفى والتهجير، والحنين للوطن، مما جعل الذاكرة الفلسطينية أداة فعّالة في تكريس الهوية والوجود الفلسطيني، والحفاظ على الإرث والتاريخ الجماعي، والقوة والقدرة على الصمود والتحدّي، ومُحفزّاً للتضامن الدولي، وإضفاء الطابع الإنساني على النضال الفلسطيني، وأوضحَ الأبعاد الحقيقية لآثار النكبة وما استتبعه من ويلات على الشعب الفلسطيني.

كذلك أفرزت النكبة أدباً فلسطينياً ساهم في صناعة الواقع، وأعاد رسم الصورة التي زيّفها الغرب للفلسطيني كأمة بدت لهم لا حياة فيها، فانبثق من رحم ذلك الأدب حقيقة نسفت الصورة المزيّفة لجوهر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي التي صورها الصهاينة في الغرب، وأعادت وجه المقاومة الحقيقية لما كان قد شوّهه التزوير الصهيوني لتراثنا وتاريخنا.

لقد كانت النكبة بما تحمل من ويلات، منعطفاً حاسماً في تعدد أوجه النضال، والتصدّي لمحاولات مسح الذاكرة الفلسطينية، فكان سلاح الكلمة أعمق وأبلغ مما أفرزته هذه النكبة، وزرعته وعياً متجذراً في روح الأدباء، تناقلوه ونقلوه عبر الأجيال إلى عمق وجداننا الفلسطيني وذاكرتنا التي تغذي روح المقاومة لديهم ولدينا.

وهنا تجدر الإشارة إلى ما أفرزته النكبة من صنوف مقاومة رديفة للسلاح المقاوم الذي لا بد منه، تجلّى ذلك في تبنّي أدباء فلسطين لغةً وأشكالاً ثقافية أدبية لتقويض تزوير اليهود لتاريخنا الفلسطيني المتجذر في ذاكرتنا وأرضنا.. وهذا ما نبتغيه ونعمل عليه في تكريس الذاكرة الفلسطينية الجمعية لأذهان أجيالنا في الداخل وفي الشتات، فأجادوا في أدبهم التعبير عن هواجس وحالات الشعب الفلسطيني في مرحلة النكبة وما تبعها، ووظفوا قدراتهم من أجل الحفر في الأدب الفلسطيني الذي جاء بعد النكبة وتحليله والتبحّر فيه.

ففي كل ذكرى جديدة للنكبة كما يقول النقّاد، نعود لفلسطينيي هذا الأدب وكأنه جزء من تركيب فطرتنا الأولى، كما ظهر ذلك في أدب غسان كنفاني، فجاءت رواية "رجال في الشمس" لتعبّر وتمثّل مرحلة الشتات في المخيمات، والسعي من أجل التطهير من دنس الهزيمة الذي أصابنا، إبان النكبة، ومرحلة النشوة والتطلع إلى المستقبل وانطلاق الثورة والكفاح المسلح في رواية "ما تبقى لكم"، ومثلها رواية "أم سعد".. والكثير الكثير من أعمال الأدباء الفلسطينيين شعراً ورواية وقصة وفناً، حفرها في ذاكرتنا الأدباء، وراكموا في ذاكرتنا وذاكرة أجيالنا كل حرف مرّت عليه أعيننا في أدبهم وفنهم لتصبح النكبة أيقونة نستمد منها قوتنا وحقوقنا وهويتنا ووجودنا.

لقد كسبوا نصف المعركة في النكبة كما قيل، لكن وعينا الجمعي الفلسطيني بما أفرزته جعلتنا كشعب حي لكسب نصف المعركة الآخر، فلم يستطيعوا خرق عقولنا، لا بحربهم، ولا بمستوطناتهم.. كسبناها مقاتلين، مفكرين، أدباء.. يكفي أن يُذكر أدب النكبة حتى تهتز عروشهم الوهمية، وترتعد فرائص كذبهم وتزويرهم لتاريخنا، ويزداد شعبنا صموداً ومنعةً وثباتاً.

لقد كان نزوح النكبة كمثل آدم وحواء عندما غادرا الجنة كما قال أحد النقّاد، وأقول آن الأوان لنا أن نصعد للجنة منتصرين أو شهداء، سيّان، علّنا نجد مكاناً لنا فيها فهي تغصّ وتكتظ بجثامين شهدائنا.

تفنى الأجساد، وتبقى الحروف نتدثّر بدفئها ونعتمر بكوفيتها ونلج بمفاتيحها قضيتنا التي تغلغلت فينا ثقافياً وفكرياً وعاطفياً، ليبقى ذلك الثالوث الفلسطيني المقدس: "حنظلة، الكوفية، والمفتاح الرمزي" مزروعاً في ذاكرتنا ونبراساً لطريق عودتنا.

نعم، لقد كانت النكبة عذاباً، لكنه العذاب الذي لم يقبع تحته نبض المقاومة، ولم يخنع..

وإحياء ذكراها إحياء لحقنا في الوجود..

إحياء للعقل الفلسطيني وثقافته ومقاومته..

إحياء لمقولة الأديب الفلسطيني يُسري الغول: "سجّلوا عنّي"..

وها أنتم سجّلتم عنه.. وسجلتم وعيكم، وصمودكم، وثقافتكم، وأدبكم، لتحقيق النصر الذي نحلم به.