Menu

غزة بين الأدب وأخلاق الأديب

تماضر سعيد عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

في ساحة الإبداع، يختلط البريق بالجوهر، وتُرفع أقلامٌ بارعة قد لا تملك من الأخلاق ما يوازي جمالها اللغوي. وهنا تبرز الإشكالية الجوهرية: هل يُمكن للأدب أن يسمو إذا خلا من الأخلاق؟ وهل يُؤتمن أديب على الكلمة إن خلع عن نفسه ضميرها؟

يقول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: "الأخلاق ليست فيما يفعله الإنسان، بل في الدافع وراء فعله." وهذا القول يصلح لأن يكون معيارًا أدبيًا؛ فالأدب ليس في البنية اللفظية وحدها، بل في النيّة وراءها، في الغاية التي يُساق لها.

قد يملك الأديب أدوات البلاغة ودهاء التصوير، لكنّه إن استخدمها لتضليل القارئ، أو تجميل الباطل، أو تسويق الاستبداد، فقد خان رسالته، حتى وإن أبدع. يقول مصطفى صادق الرافعي في كتابه "وحي القلم": الأدب الذي لا يربّي ولا يهذب، هو لهوٌ لغويّ لا يليق بالأرواح الكبيرة. وقد شهدنا في التاريخ أدباء عظّمهم الناس لجمال حرفهم، بينما تجاهلوا أنهم صمتوا عند المذابح، أو نافقوا الطغاة، أو سخروا من الفضيلة باسم الحداثة.

والأدب.. مسؤولية أخلاقية، فهو ليس محايدًا، ولا يحق له أن يكون كذلك في اللحظات المصيرية. يقول ألبير كامو في كتابه "الإنسان المتمرّد": الأديب الذي لا يُسائل الواقع، يصبح جزءًا من تزويره. وهذا ما فعله الأدباء المقاومون في كلّ زمان، من أحمد شوقي إلى الشهيد غسان كنفاني الذي كتب أدبه بالدم الفلسطيني، لا بالحبر وحده.

فالأخلاق هنا لا تعني الوعظ، بل الموقف: أن يقول الأديب "لا" حيث يجب، أن يدافع عن المظلوم، أن يصون اللغة من أن تكون سيفًا في يد الجلاد. وكم من أديبٍ سقطت سمعته الأخلاقية، لكن بقيت بعض نصوصه حية! لكن حين تتجرّد الكلمة من روحها، فإنها تُهمل، مهما زيّنتها اللغة. وفي هذا الصدد يقول العقاد في كتابه "الديوان": ما قيمة الشاعر إذا لم يكن ضميرًا؟ الشاعر الذي لا يحسّ بما حوله، لا يُشبه إلا آلةً تصدر صوتًا بلا روح. فالأخلاق عمود الأدب، ولا يُمكن لأديب أن يكون صادقًا في أدبه إذا كان منافقًا في حياته، ولا يحقّ لأدبٍ أن يدّعي الخلود إن كان خاليًا من القيم. إنّ الأخلاق ليست حِلية للأدب، بل روحه. وإننا اليوم - في زمن تزييف الوعي - أحوج ما نكون إلى أدباء يكتبون بماء الضمير، لا بحبر الجوائز.

حين تصرخ غزة... فهل يسمع الأدب؟

في لحظات الانهيار الأخلاقي العالمي، حين تصمت الأنظمة، وتخون المؤسسات، يبقى صوت الأديب هو الملاذ الأخير للحق. فالأدب، منذ أن وُجد، لم يكن ترفًا لغويًا أو عبثًا خياليًا، بل كان في جوهره تعبيرًا عن الضمير الإنساني، وعن تلك العلاقة الوثيقة بين الكلمة والحقيقة، بين الجمال والعدالة.

إن الأدب الحقيقي لا ينفصل عن الأخلاق، ليس بمعناها الوعظي الجامد، بل بمعناها الحيّ، المتفاعل، الذي يجعل من الكلمة أداة مقاومة، ومن الحكاية سلاحًا ضد الظلم. فدستويفسكي لم يكتب عن الجريمة والعقاب إلا ليحاكم الضمير، وألبير كامو لم يتحدث عن الطاعون إلا ليشير إلى مقاومة اللامعقول، ونجيب محفوظ لم يُدخلنا حواري القاهرة إلا ليكشف تناقضات النفس والمجتمع.

اليوم، ونحن نتابع فصول المأساة الإنسانية في غزة وحرب الإبادة، لا نحتاج إلى نشرات أخبار، بقدر ما نحتاج إلى أدباء يكتبون، يصرخون، يذكروننا بأن الطفل الفلسطيني ليس رقمًا، بل هو بطل تراجيدي في مسرحية من إنتاج العالم الصامت. أين صوت الأديب من مشاهد الركام، من أصوات الأمهات، من عيون الأطفال؟ هل بقي للأدب دور في عصر التغريدات الباردة والحياد القاتل؟

فالأديب الشهيد غسان كنفاني لم يحمل بندقية، لكنه خُلّد لأنه كتب الحقيقة. جعل من "رجال في الشمس" سؤالاً أخلاقيًا عن الخيانة والصمت. أما محمود درويش، فقد رفع راية المقاومة بالكلمات، حين قال: "نحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا"، فصار نشيده نشيدَ كل من لم يعد يجد للحياة سبيلاً.

إنّ ما يحدث في غزة اليوم لهو اختبار حقيقي للأدب، للأديب، للضمير العالمي. فالأديب الذي لا يُقلقه مشهد جثة طفل تحت الأنقاض لا يستحق قلمه. والكلمة التي لا تُقاوم الظلم هي تواطؤ ناعم. إننا بحاجة إلى أدب يوجع، يوقظ، يُحرّض على الحب والعدل.

سيُحاسب التاريخ الجميع، لكن الأدباء سيُحاسبون مرتين: مرة بصمتهم، وأخرى بكلماتهم. فإما أن يكون الأدب مرآة الأخلاق، أو مجرد زخرفة على جدران العار. وغزة، وهي تُقصف، ما زالت تنتظر من يكتبها كما تستحق... بندقية من حروف، وضميرًا لا يموت.