Menu

ذكرى النكبة في أعين المهجرين وحق العودة

وفاء حميد

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

من منا ينسى هذا العام /1948/ طعنة مغروزة في قلب أبنائه كما في قلب وطنه الغالي، إنه يوم النكبة، يستعيد فيه الشعب الفلسطيني ما تعرض له من تشريد عن أرضه، كما يتمسك أكثر بقضيته وهويته، يأتي هذا اليوم تزامناً مع معركة الأقصى التي تخوضها المقاومة مع حاضنتها الصامدة في غزة الدامية، لانتزاع حقوقهم المشروعة في ظل الانتهاكات المتكررة بحق الشعب الفلسطيني ومقدساته، حيث قام الاستعمار البريطاني، بتسهيل خطى إنشاء الكيان المحتل، فكانت رحلة العذاب للمهجرين الفلسطينيين طلباً للمأوى الآمن...

الشاعر محمود السعيد، رئيس فرع حلب للاتحاد العام للكتاب والصحفيين الفلسطينيين- رائد القصة القصيرة جداً، ويكتب الشعر والنقد التشكيلي، نشر نتاجه في معظم صحف ومجلات الوطن العربي المختصة، صدر له ثمانية وعشرون كتاباً ( شعرـ قصص قصيرة جداًـ دراسات) مواليد فلسطين الجليل- ترشيحا.. يرجع في ذاكرته عن الأرض التي ولد فيها هو وأجداده من قبله بعد أربعة وسبعين عاماً، من التهجير القسري، كانت لنا معه هذه الوقفة من الأسئلة:

- ماذا يمكن أن تخبرنا عن سنواتك في فلسطين، وماذا كنت تعمل؟ وكيف كانت؟

- ما هي الأحداث التي جرت أثناء احتلال فلسطين؟ وكيف واجهتم التهجير؟

- كيف كانت الهجرة؟ وكيف كان طريق الهجرة؟ وما هي الصعوبات التي واجهتموها؟ وأين كانت وما أثرها عليك؟ وهل هناك أمل للعودة إلى أحضان فلسطين؟

 يستذكر الشاعر محمود السعيد سنوات طفولته التي أمضاها في فلسطين وطفرت الدمعة من عينيه، كانت طفولة جميلة، يغفو على ترانيم العتابا والميجانا، ويصحو على أغرودة العصفور الدوري، وتصفيق أجنحة شجرة المشمش المعانقة وشقيقاتها شتلات الحبق، فاغم الرائحة لشباك نومه، يتخللها صيحات ديك الجيران الشارد على بحبوحة من هواه، ونداءات أضاميم الفلاحين مصاحبين ضوء أول خيوط الفجر، لقطف لقمة العيش من شفاه الحدائق والبساتين العامرة بكل ما لذ وطاب من صنوف وفاكهة وموائد الخضار....

أما عن عمله فيخبرنا قائلاً: ماذا بمقدور الطفولة الحنون أن تعمل سوى أن ترشق قبلات الندى الصباحي، على خدود أراجيح اللهو المجاني، والدوران والجولان العابث في منسربات الأزقة المتخمة بخطوات المشي ومحطات الدهشة المدروزة كمشط الرصاص في أنحاء القرية وضلوعها الصدرية، لاصطياد الضحكات السارة من فضاءات الجهات....

وعن الحياة في فلسطين:

- كانوا يتنسمون النشوة ممزوجة ببراءة الرضا وطهر القبول وبساطة الأخذ والعطاء والتعامل، شريط من قوس قزح الألفة والتعاضد بين فصول سنة العوائل بأقانيمها الأربعة، واستطالاتها الغورية في المنبت والجذور والتصنيف، ببساطة رائعة كعين الديك، تشابكات حميمية العلائق كجزر مرجان القاع المحيطي، لا ضجيج في الصوت، حياة ت قطر مزايا إيجابية ومناقب جوهرية، وصفات قمرية المحيا- رخمة الملمس، جليلة المرمى والمؤدى والمؤتى- حميمة التعانق والضم فيها من الرعوش الوجدانية والخلجات الدافئة الجمرية، وحرارة المصافحة – ونظافة البدن والسريرة، ما يصمي الحجارة غبطة ويثلج الصدر رضا وقناعة وحبوراً، وينعش النفس التي جرت أثناء الاحتلال...

عن أحداث الاحتلال يقول:

- ما حدث في تلك الحقبة من النعوت والهيجانات والاضطرابات والضوضاء والمد والجزر ما يفتت كبد الجبال الصماء، ويدلي صميمة القلب، ومحط بؤرته، ويفل حديد المواقف الصادة ركام من جثث، وجداول من دماء، ومهرجانات آدمية من الصراخ والعويل والخوف من جحيم لا يفرق بين الأشكال والحجوم، الإضاءات والظلال، الصقيع والتوهج الحراري، قتل مجاني، لمجرد هوس للقتل والتشفي، مسلسل من الأحداث الدموية يعجز المنطق وقواميس المعمورة أن تضبط إيقاع مفرداته السوقية، وتفك رموز صلياته السرطانية، وتعفن غلالة توجهاته الضنكة...

أما بخصوص مواجهة التهجير:

- هل بمقدور المقلوع من الجذور قسراً وعنفاً وليس في حوزته السواعد بعد، وفقد الأداة والوسيلة، سوى حرارة الدم، وصدق المسار، وقداسة المآل، والمقصود غير أن يرفع اليد احتجاجاً في الصدفة من تعفن ضمائر يعربية، وأن تقيم الدنيا ولا تقعدها دفاعاً عن أطهر أرض و مصر وأعراق قوم وأرومة، وأنبل وأبرز شكيمة، كانت مواجهة التهجير الوحشية بعامه وموجه لتهجير قريته ترشيحا بخاصة، بعد أن أبلت بلاء منقطع النظير في الذود عن حياض الوطن وشرف الأمة عدة أشهر تضامن جهاراً ونهاراً على قائمة دموع التمردات الفلسطينية، وانتفاضتها الباسلة، فتسلحه بالصبر والتحمل ووضع الملح على الجراح والتأسي والإذعان المر للواقع المستجد ريثما يذوب الثلج وتنجلي السحائب وينبلج فجر الحقيقة المداهمة....

يتابع الشاعر محمود السعيد حديثه مضيفاً:

- كانت مشياً على الأقدام الحافية على موسيقى الرصاص وزمجرة الأسلحة، وبطش السادية الغربية، بدميتها اللعوب وسرطانها المستشري وطفلتها الهجين "إسرائيل"، بالتجمع القسري من أقطاب الجغرافية الكونية، لم تكن لقاءات الجار بسط أذرع استقباله بمرتجى المطلب، وجوهر المأمول، ووجدنة القلب. يتابع: وأما الصعوبات الماثلة للعيان، والفاضحة للرؤية، والفاطرة للفؤاد، تتطلب العديد من حلقات مسلسل الفقد ومنصات شاهقة لقامات الرواة والسرد، تعجز الذائقة الوقاية عن تذوقها ورجاحة العقل عن استيعابها، وسيرة الكينونة البشرية عن احتوائها فيهاً وتقبيلاً، فما بالك بشفافية مرآة شاعر ترصد همسات الضوء وتعكس جوازية الإحسان، وتقرأ بفنجان قهوتها ملامح الآني وقسمات تضاريس محياه.

 وأما بخصوص الشطر الأقصى من منظومة الحوار هل هناك أمل بالعودة إلى فلسطين؟

يقول:

- ليس أمل من منطلق التمني وحدي من منظار المتبصر وقول من قبيل التخرص والرجم والتنطع، ورمية من غير قوي وسهم وساعد، بل قهر في اكتمال رونقة وصليات للشمس في عنفوان ضماها بطوعها الخالي واستشراها الضوئي وحقيقة تحددها قامة معطيات الأيام وفلسفة التاريخ ومسيرة الدقائق ـ يبلورها محصول موسم أمسكت بجلبات حصاده يد الخصب والوفرة والدفق...

وبدورنا سنبقى نذكر حق العودة ما هبت ريح الصبا.. حال الروح يردد: "حنانيك يا بلادي ما لي سواكِ مقرُ". فمازالت ذكرى النكبة جرحاً عميقاً، يقبع في قلب الشعب الفلسطيني، لكن الإرادة والصمود مازالا يكبران جيلاً بعد جيل، رفضاً للواقع الذي فرضته الإمبريالية الاستعمارية بيد ربيبتها الكيان المحتل، صورة فلسطين مازالت في قلوبنا لم تمحَ ولن يستطيع أي غاز مقامر على قضيتنا أن ينزعها من روحنا وعيوننا، لأننا رضعنا التحدي والصمود من صدور أجدادنا الذين، سكبوا في آذاننا وحفروا في عقولنا، (فلسطين أمانة في أعناقكم)، ورثنا حبها حتى أضحت مآلنا، فلسطين الحبيبة لنا عودة كيف لا؟ ونحن من جبل جسدنا ودمنا من ترابك، فكنا الزرع الذي نضج وعرف أنه لا يضيع حق وراءه مطالب، وما أخذ بالقوة لا يأتي إلا بالقوة.