Menu

الزعتر لن يصبح عبرياً

مصعب عيسى

نشر في مجلة الهدف العدد (71) (1545)

منفى يجدد منفى... والوطن رواية تدور في دهاليز المأساة

سؤال للمدى... المفتوح للصحراء ..

بين طيات الذاكرة وتفاصيلها يحمل الكنعاني فردوسه الأول أينما وطأت به الأيام، يرقع ثوب الوطن بإبرة من صبر وخيط رفيع من الحياة، يحاول جاهداً أن تستقيم الحبكة بكل ما أوتي من أمل

يدخل الفلسطيني عامه السابع والسبعين وهو على قيد اللجوء، بعيداً عن ترابه الذي تشكل في طيات جسمه، بعيداً عن خارطة الطين الموزع بين تضاريس النكبة والمنفى

هناك: ثمة برزخ من الخيام طويل... يكاد لا ينتهي

كلما ضاقت به السبل... يخرج قليلاً من ذاكرته ويتناولها مع كأس حنظل ويفكر في صمت الحكمة الغائبة؟

هل من بديل عن الوطن؟

سؤال الماضي المتجدد الذي طالما شكل هاجساً موحشاً للذاكرة الجمعية الفلسطينية سؤال الاحتمالات المطروحة على طاولة العصر والمرحلة...أيقاس الوطن بحدود الجغرافية!!

ربما كان أصدقنا عاطفة في وصف الوطن هو الراحل غسان كنفاني الذي كتب ذات مرة:

الوطن هو أن لا يحدث كل هذا.

بعد هذا السفر الطويل من المنفى يحق للاجئ أن يسأل ماذا تبقى لنا... وماذا يمكن أن يحدث أكثر مما حدث... وما شكل المذبحة القادمة...ما لون السماء في القصف المقبل.. ما زمرة دم القابضين على حق العودة.... ما صيغة الطعنة ومحلها من الإعراب... أسئلة وجودية لحاضر يحاصر ظلنا...أينما حللنا

ولكن لم نفشل... بعد

جواب يطرق باب خيمتنا الواقفة كمثلث هرمي رأسه للأعلى ومحرابها شطر الوطن المصاب بحمى في خاصرته...

جواب يفتح للمنطق فطرته السليمة.. نفشل حين ننسى أننا لاجئون، نقاوم حين نصر أننا لازلنا لاجئين بكل ما تغوينا الحياة بأوطان عصرية لا تتناسب فكراً مع ذاكرتنا الجمعية

نفشل حين نعالج ذاكرتنا بالنسيان.. والتماهي مع الخيال والعدم

حين نصمت عن الحديث عن تلك المساحة الترابية المقدرة ب٢٧ ألف كيلو متر مربع.. ونيف حين ننسى شكل الخارطة.. حين تسقط قلادة بتطريز كنعاني من عنق سمراء في مقتبل العمر.. حين نستبدل اسم فلسطين بوشم لماركة عالمية تذعن بالإبادة الجماعية المرتكبة منذ عقود والتي بلغت أوجها على شواطئ غزة...

لا لم نفشل بعد... لأننا لا زلنا مقاومين بالفطرة...تلك الفطرة التي يبعث عليها الفلسطيني حين تنجبه الخيمة أو حين ينجبه السجن.. أو تنجبه الفكرة.. فالفلسطيني يخلق ثورياً بالفطرة...والثورة ليست رصاصاً فحسب..

لازلنا نرى فلسطين في أعين اللاجئين الأوائل من القرى والبلدات الفلسطينية إبان النكبة...بعضهم قضى نحبه قهراً على عتبات الانتظار... والمعركة

وبعضهم عاش عمراً من الكهولة المبكرة... ولكنه لازال ينتظر...وما بدلوا فلسطين مرة

نرى فلسطيننا في زقاق المخيم المطل على سفح جبل.. أو شاطئ بحر...أو في مرمى السهل ..مخيماً يرتب ذاكرته الطينية وفقاً للتقويم الكنعاني الأول.. تدخل أزقته فترى فلسطين حاضرة قبل النكبة بسهولها وجبالها وقراها ومدنها حتى في أدق أكلاتها....

لسنا مهزومين ما دمنا نقاوم عبارة سجلها التاريخ للراحل مهدي عامل والتي جسدها الفلسطيني بحرفيتها

قاومنا بالحبر المتواصل منذ بعثت فينا الروح وانتمينا لفردوسنا... كتبنا فلسطين في القصيدة فكانت هي الوحي وهي القافية...وكانت صدر البيت وشطرها المتجذر فينا

وفي العام السابع والسبعين للنكبة

من سفر الخروج

يبرز عظمنا.. من لحمنا

من حشوة القلب الجريح

من ظلنا.... والنخاع

تعب القاع... من الخيمة.. تعب الطين من المصفحة.. تعبت سماؤنا من الرماد.. تعب الصبر من الانتظار... تعب الإنسان الطفل بداخلنا.. ألا يحق لنا الحياة... ألسنا بشراً.. ألسنا من دم ولحم وأنين... ألسنا عرباً كالآخرين... تعبت جدران الخيمة من فرط الشهداء على قائمة التضحية..

تعبت زنازين غزاتنا.. تعب الحديد نيابة عن الأسرى والمعتقلين...

تعبت لغتنا من الطرح المباشر.. ومن الاستعارات... ومن لغة الرمز والسوريالية... تعب النشيد من إيقاع الموسيقى الجنائزية... تعب التاريخ برمته من فرط المذبحة الجماعية... تعبت جغرافيا الكون من أنهار الدم المسفوك على شواطئ المدينة حيث لا قطر ة ماء واحدة... تعب الاقتصاد من تضخم الأرواح الصاعدة نحو سماء الله.. أو الملقاة على جانب الطريق... تعبت رياضيات العقل من تعداد المفقودين قسراً أو العائلات الممسوحة بفعل صاروخ واحد... حيث لا أثر

وحدها الذاكرة...كانت تشحن أنفاقها بكل ما سبق.. لتبقى على قيد الوطن...

ذاكرتنا طريقنا...الوحيد الباقي في الأيام المقبلة.. سبيلنا الأوحد لكي لا نكون هنوداً حمراً في عصر الحداثة...

كتبنا...ذاكرتنا على كل شيء...دوناها للقادمين بعدنا بعصور.. رسمنا فلسطين كما لم يفعل رسام من قبل... رسمناها بعين المتخيل الذي لم يراها قط...فكانت الأروع بين البلاد.. ولا نزال نرسم بالرصاص خارطة الوطن.. وبالحبر.. وبألوان الحياة

انشدنا فلسطين في موالنا الشجي.. وعتاباتنا المفضلة.. ونشيدنا الذي يلهم قلوبنا لذة العشق.. وشبق العاشقين.. متيقنين من الحقيقة.. وإن كثر الوهم... واثقين بالعودة وإن طال الزمن... مؤمنين بنصرنا وإن بقينا وحدنا... فالزعتر لن بصبح عبرياً... والدبكة ما كانت يوماً إشكنازية...سيرحلون جميعاً

ويبقى الوطن