مرت سنوات طويلة على تعارفي بالصديق الراحل وليد عبد الرحيم, فإذا كان لغرف مكتب الحرية مخيم اليرموك أن تحكي قصص وحكاية عملنا الصحفي فيها, ولقاعة خالد نزال في مبنى إقليم الجبهة الديمقراطية حكاية الأسابيع السينمائية والنشاطات الثقافية, واللقاءات المطولة بمكتب مجلة الهدف في المخيم بوجود الصديق الراحل أحمد جابر, والدكتور الصديق محمد أبو ناموس. وإذا كان لشوارع المخيم أن تحكي المشاوير في نهاية كل يوم لنطقت, كما النادي العربي, وسينما النجوم في بروفات مسرحية "رسائل سريعة". وبيت الصديق "نعيم الماضي" ولعب الورق بوجود الراحل الفنان التشكيلي إبراهيم مؤمنة, والصديق أبو علي الشهابي..
وبعد الخروج من المخيم كان للدويلعة وجرمانا دور كبير في لملمة ما تبقى من رفاق لعب الورق والثقافة, لكن المخيم لم يغب عن هذه السهرات الطويلة, وحتى أعداد مجلة الهدف التي كان يحملها لي والكتب السياسية التي تصدرها الجبهة الشعبية, وتوقيع روايته الأولى في مكتبه الثقافة الوطنية بدمشق (مكتبة الأسد سابقاً), والبقاء حتى الانتهاء من التوقيع مع إغلاق المكتبة أبوابها.
لكن دخان صديقي الراحل وليد لعب دوراً كبيراً في إنهاء حياته بمرض سرطان الرئة, وأثناء العلاج كتب يوميات أطلق عليها "سرطان2023", وهذا يوضح طبيعة صديقي التي تهضم المحيط الذي يعيش به, ويعيد توظيفه بما يخدم حياته ككاتب وروائي لا يخذله عقله وقلمه، أو" كيبورد لابتوبه", وصدرت هذه اليوميات عن دار دلمون الجديدة, وكتبت مديرة الدار هدباء العلي تقديماً لها, كما كتب الصحفي إسكندر حبش قراءة في اليوميات, وكتبت ابنته روزا جزءاً من معاناة العائلة في مرحلة العلاج.
سرطان وليد:
لا يفصل الكاتب والروائي وليد عبد الرحيم معاناته مع مرض السرطان عن معاناة السوريين من خلال رسم ملامح مرحلة سياسية واجتماعية عاشها الدمشقيون, كما عاشها صديقي الراحل حيث يتذكر كيف ذهب لمركز اتصالات الدويلعة قرب باب شرقي، فيقول: "هناك عائق ما, ربما هو بسبب التدخين أو اشتمام رائحة القذائف التي تتساقط على الأحياء السكنية والتي شهدتها سواء في مخيم اليرموك أو في جرمانا, وكان نصيبي دائماً أن تسقط العديد منها بالقرب مني, تلك مسألة كانت تشتد قرابة مني, كأنني ابن عمها اللازم الملزم".
في إحدى المرات, في العام2013, كنت متوجهاً بسيارتي المثقوبة بالشظايا, تلك الشظايا التي لفظت علاماتها بصاقاً معدنياً من جهة الدويلعة نحو باب شرقي, أي نحو أول طريق الغوطة- المليحة لأدفع فاتورة الهاتف الجوال, فقد قيل لي بأنه لا ازدحام هناك حيث يقع مركز هاتف الدويلعة وربما باب شرقي, سبب التوجه إلى هناك هو أن مركز سيرياتيل كان يشهد طوابير بالعشرات لمن يرغبون بدفع فواتير الهاتف الجوال والساكن حيث كانت العشرات من المراكز قد أغلقت بسبب الإضرابات ولم يبقَ سوى القليل منها فازدحمت".
ويصف وضعه بعد سقوط قذيفة أنه "حينها أكاد أختنق, لذا صارت طريقة النوم فقط على أحد الجانبين, غالباً ما ينتقي النعاس الجانب الأيمن. أدرك الآن بأن ذلك اليوم افتتاح تاريخي إصابتي بسرطان الرئة الذي لم أكتشفه إلا قبل أشهر في بدايات العام 2024, بعد عشر سنوات من حادثة القذيفة".
ويعود في اليوميات إلى حياة المدرسة الابتدائية حيث زميله نبيل الذي قاد عملية التصويت التي أقرت التوجه إلى دكان أبي خليل جرياً على الأقدام الذي يتطلب مسافة طويلة تبدأ من اختراق حارة الفدائية حتى ولوج شارع اليرموك, وتجميع الشجاعة الكافية للطلب من البسكليتاتي مساعدتنا في نفخ الكرة, بقينا متسابقين, وما وصلنا حتى كنا نلهث من الجري بما يكفي لنفخ كرات كثيرة".
ويفتح ملفه الطبي إذ يطلب الطبيب مختص طبقي محوري في مشفى أمية بدمشق, كانت النتيجة "ظهور ورم في الرئة اليمنى بحجم(9,5سم), هذا كبير قياساً بما هو معهود".
ويضيف الراحل وليد حتى في لحظات الألم شيئاً من المرح والسخرية في لحظات المعاناة: "ها هي بقاع الدم تبدو مع القشع وثمة غرغرة في الحلق غير مبررة, بلا طعم ولا لون, ما يغير لونها فقط هو الدم المختلط بها، والذي يطل بلونه الزهري أولاً بين حين وآخر, ثم يزداد كثافة مع الألوان حتى يصبح بلون أحمر واضح أشبه بأحمر شفاه وضعته غجرية يافعة".
ويشبه محاورة الطبيب تبدو من جانب ما كحوار فأر مع الصياد, وربما تذكر البعض من خلال اللحظة السجون والمعتقلات, فالمسألة عنا تشابه إلى حد ما الحوار مع السجان, من جانب السجين تتكرر هزات الرأس بالموافقة على القول والخضوع, ومن جانب السجان إصدار الأوامر.
هذه السخرية تأخذ مساحة مع لحظات الألم, وكيفية التطلب في إطاعة أمر بالرغبة الشديدة في الوصول إلى حالة من حالات السخرية المرة من المرض, وعقب سيجارتين ونيف, كأن ألماً في الصدر يشبه آلام البرد. تلك المألوفة لدى جميع البشر والحيوانات, وفي لحظات التحضير للنوم ليلاً. انطلقت رصاصته مؤلمة في الجهة اليمنى للظهر, كانت تلك أول طلقة أتلقاها من داخلي وليس من فوهات بنادق الأعداء, ربما تصلح لأن تسمى طعنة سقطت أرضاً أتلوى, زوجتي وابنتي مستغربتان, ربما مذهولتان لم تريا مني شيئاً كهذا من قبل قط.
ويتعمق خط السخرية في حالة المرض عندما يكون مخدراً بوجود الزوجة التي تروي له حين "سردت لي كل ما قلته بخاصة مغازلتي للطبيبة (نوار), وقولي لها بأنني سأكتب لها قصيدة غزلية تجعل منها شهيرة, وبأنني لست خائفاً ولا جباناً بل كدت أختنق, فأنا لا أهاب الموت أبداً, وابنتي الصغرى تضحك وتكرر تأكيداً, أما أنا فعاجز عن الإنكار بسبب غيابي عن الوعي".
فلسطين التي تغيب:
يسرد الروائي وليد حكاية صديقه "أبو خليل" في أكثر من رواية إلا أنه يؤكد أنه ساعد الفلسطينيين بخاصة عبر إسعاف الجرحى أثناء الصدام مع الجيش الأردني ومجازر أيلول الأسود, فجرده الملك الحسين بن طلال من الجنسية الأردنية وسجنه سنتين في أقبية المخابرات ثم تم طرده من الأردن حيث رمته سيارة مدنية خلف الحدود من جهة معبر نصيب الحدودية فصار في محافظة درعا, وهو ما يفسر مكوثه فيها لفترة ربما كانت سنتين قبل القدوم إلى مخيم اليرموك.
- هذه الرواية كان يتبناها الفدائيون من الفصيلين الأساسيين في الثورة, هي رواية بعض من فدائيي حركة فتح والجبهة الشعبية.
ويعرض سرده لما خطر في باله من مشاريع أمريكا النووية التي تخطط لترويض العالم بالقوة, وإسرائيل التي تحلم بإبادة الغوييم, عبر تصنيف كل الشعوب والديانات بـ "الأغيار"!, فكل مواطن غير كل الشعوب أغيار أما اليهود فهم الـ "نحن" الوحيدون الذين كلفهم يهوه الوثن الصامت بإبادة من يحلو لهم.
ويقارن ما جرى في المدن السورية حلب واللاذقية ومدن سوريا التي سلبتها تركيا, فدفعت بلغتها وأسمائها عن دمار كبير يشبه استكمال تدمير أكثر من تلك القرى الفلسطينية التي يفوق تعدادها أربعمئة قرية ونيف, هناك دمرتها عصابات الإرهاب وذبحت أهلها, وهنا دمرتها عصابات العلماء السريين عالمياً والتكنولوجيا, وذبحت ساكنيها بمدافع الاهتزازات الأرضية التي ترسم في جوف الأرض منذ سنوات كي لا تكون أية مدينة بلاد العرب إلا خضعت لرغبات وأوهام الوثن.
شهادة روزا:
تقدم روزا شهادتها عن وليد الأب والإنسان في الحياة الأسرية, بأنه كان معلمها في نقاوة روحه, وشجاعة قلبه, وعلاقته بجدتها التي غادرت بلدتها صفد في فلسطين بتغريبة النكبة الأولى التي لم تكل من سرد روايتها.
وكيف علم روزا وأخواتها معاني الرجولة الحقة التي جعلت منه إنساناً حراً متحرراً من جميع أشكال التبعية السياسية والارتهان لأحلام الطوباوية الوطنية وتجلياتها العاطفية مؤمناً بحتمية النصر والعودة, كان رجلاً بالفعل، ولم يكن ذكورياً بالمعنى التقليدي, آمن بحقوق المرأة ووفر لها المكان رحباً وتوجها سيدة لها الصدارة ولها القرار.
وبين ذهابه إلى عمان للعلاج, وعودته إلى دمشق كمن يعود إلى صدر أمه بعد فطام قسري. دمشق التي عاش فيها وعاشت فيه لعقود ستة لم تكتمل, دمشق وما أدراكم ما دمشق, شقيقة القدس وأختها, برباط مقدس ووشائج لا تنفصم, في حاراتها وزواريبها عاش طفولته, وكان مخيمها أحسن وأجمل في يومياته الثرية بكل ما هو إنساني وحتى فوضوي, من عواصم العالم الأخرس المتحضر, فلا أصوات الباعة تقلق صباحاتها ولا صوت المنادي يعلن عن رحيل ما لأحد الأعيان مع قائمة عن سجاياه ونضالاته على طريق العودة الذي انتهى إلى سراب بعد هجرة الأبناء وضياعهم في أصقاع الأرض.
أخيراً: إن "يوميات سرطان2023" للروائي والكاتب والشاعر وليد عبد الرحيم تحفل بحب الحياة والدعوة لمقاومة مرض السرطان في أحلك اللحظات التي عاشها الكاتب ما بين أسرة المستشفيات وأجهزة التصوير والتحليل بحضور الممرضات والأطباء الذين حاولوا تقديم أيام إضافية في حياة الكاتب عبد الرحيم, ورغم الدفاع الذاتي الإنساني لجسد وليد كانت فلسطين وسوريا ودمشق والجليل حاضرة في أشهره وأيامه الأخيرة, فالمرض لم يأخذه إلى حالات الضعف الإنساني, وإنما بقي كما عهدته أسرته وأصدقاؤه مقاوماً في المرض والحياة التي كان من خيرة دعاتها, التحية لروحه ومقاومته المحبة للحياة.

