مات شربل. لكنه قبل أن يرحل، قرر أن يسرق من الموت مشهده الأخير. دعا الأصدقاء والرفاق والعائلة إلى حفل يشبه التأبين، لكن من دون جثّة. كان هو الحاضر والمتكلم، والمحتفى به أيضاً، يروي النكات السوداء، ويفتح خزائن الذكريات كما لو كان يتفقد أرشيف مقاومته، لا حياته فقط.
بين الضحكات المتناثرة، عاد إلى تلك اللحظة التي تخلّى فيها عن اسمه القديم، مشعل الخيطان هلسة، ليرتدي اسم شربل، لا كتسمية بل كوصمة.
في منتصف السبعينيات، وفي لجة القصف المحموم على مخيم تل الزعتر، كان مشعل الذي ترك جامعته في ألمانيا شاباً يافعاً يقاتل في صفوف اليسار الفلسطيني واللبناني، يؤمن بالثورة، ويكتب الشعر حين تسكت البنادق. يومها، وهو يوجّه الكاميرا على المقاتلين، قالها ضاحكاً: “بدي أصوركم عشان أعمل بوسترات استشهادكم”. كان يمزح، لكنه مسّ وتراً حساساً في رفاقه، فصرخ أحدهم: “شربل! إنت متل شربل تبع القوات!” — في إشارة إلى شربل القائد اليميني الذي يقود الميليشيات التي تهاجم المخيم.
تحوّل الاسم إلى تهمة مرحة، لقب لاذع يذكّره يومياً بأن حدود العدو ليست دائماً خارجية. لكنه قبِل بالاسم، وتبنّاه، كما تبنّى التناقضات التي شكّلت مسيرته كلها: ماركسي يحمل اسم خصمه الطائفي، مسيحي يقاتل في سبيل اللاجئين، ساخر وسط المأساة، ومشتبك مع كل ما هو ثابت ويقيني.
في حفل تأبينه، كان يتحدث عن تلك الأيام وكأنه يروي مشهداً من مسرحية عبثية، لا معركة دموية. ضحك الحضور، كما كان يريد. فشربل آمن أن السخرية، ليست فقط مقاومة، بل خلاص أيضاً.
قبل أكثر من خمس وثلاثين سنة، أعطاني الرفاق خارطة، لا لبريد ميت كما اعتدنا، بل لرجل حيّ.
قالوا:
- اذهب إلى الأردن. هناك رجل في هذه النقطة نريده هنا. سترافقه وتضمن وصوله.
ركبت دراجتي كأنني أركب قدري. كنت أؤمن أن الطريق هو من يعرّفك بالوجهة.
كان الجو مشبعًا بما قبل العاصفة، والريح تعزف بجنون على أسلاك الكهرباء. عبرت المسافة بين خربة غزالة وتلشهاب كمن يعبر سنوات لا كيلومترات. وعندما وصلت حافة الوادي، أخفيت دراجتي خلف الصخرة التي أصبحت تعرفني لكثرة ما احتفظت بأسراري، وتقدّمت نحو النقطة المتفق عليها: بين عمراوة والشجرة.
هناك، رأيته لأول مرة بين أشجار الزيتون، كما لو كان يخاف أن يوقظ الغصون. اقتربت، ناديته باسمه، فنهض كأنه ظلّ لا يريد أن يُرى. صافحني بحرارة تشبه استعجال النجاة، وقال لي بصوت خفيض:
- دعنا نغادر… لا تخف.
هو من قالها، لا أنا. مع أنني أنا من يعرف الطريق، وأنا من عبره مرارًا. لكن صوته كان مطمئنًا بطريقة أربكتني. كأنني أنا الهارب، لا هو.
سرنا بحذر في حقل الريبة. كنت أمشي، وهو يضع خطواته فوق خطواتي، كأننا في رقصة نجاة. لكنه لم يثق بي تمامًا، كان يتفحّص التراب بأصابعه، يتحسسه كمن يطلب منه الإذن بالمرور. وعندما تجاوزنا الحقل وصرنا قرب الوادي، قال مازحًا:
- شكلك بدوي ونازح.
ضحكت، لم أُجب.
ركبنا الدراجة وانطلقنا إلى خربة غزالة، وبين بيوت تلشهاب، عند زاوية الجامع القديم، انزلقت الدراجة بنا فوق العبّارة، فحلّقنا للحظة، ثم سقطنا، ثم ضحكنا كما لا يضحك إلا الهاربون من الموت.
سألته إن كان بخير، فنظر إليّ بغضب هزلي:
- لعنت سمواتي وبتسألني إذا كنت بخير!؟ ما لاقوا أجحش منك يبعثوه يرافقني؟
ضحكت، وأجبته:
–اسأل الرفيق أسامة زايد، أنا بس بنفذ.
وصلنا بعد ساعة، كان الجميع بانتظاره. دخل المكان كمن لا يحتاج لتعريف، لا اسم ولا سيرة. فقط شربل.
الضوء دخل معه، والضحكة أيضاً.
في اليوم التالي، استيقظت فلم أجده. كأنه حلم عبر الجحيم على عجل، تاركًا وراءه الأسئلة معلّقة في سقف الذاكرة.
مرت شهور قبل أن أراه مجددًا. كنت قد نسيت ملامحه، لكني لم أنسَ صوته، ولا الشتيمة الساخرة التي ختم بها لقاءنا الأول. رافقت أبا سمير في زيارة إلى دمشق، إلى بيتٍ في حي الزاهرة. دخلنا دون أن نطرق الباب، ومضينا إلى فسحة سماوية صغيرة، تتدلى منها ياسمينة مجنونة تعبق بالرائحة حتى الجنون.
وفجأة، نزل شربل من الطابق العلوي بخفة ساحر يهبط على درجات المسرح، وقال لي وهو يضحك:
- تذكرتني؟ بعدها ركبتك بتوجعك؟
أجبته وأنا أضحك:
- مستحيل أنسى اللي علّمني أتقبل الشتيمة كأنها مديح.
كانت زوجته الألمانية التي نزلت وراءه وجلست معنا، تنظر إليه كما تنظر قارئة مفتونة ببطل رواية عظيم. ومعهم كاتلينا، التي لم تكن ابنته، لكنها كانت كل شيء بالنسبة له.
ذلك المساء، شربنا ويسكي JB، وضحكنا من كل شيء، وأكلنا طعامًا لا يشبه مطبخًا بعينه، بل يشبه من عبروا كل العواصم دون أن يسكنوها.
وحين ودعته على الباب بعد زيارتي اليتيمة قال لي: إن نسيتني، فتذكر فقط ألا تكون جادًا أكثر من اللازم... فالحياة، لا تُحتمل بلا سخرية.
يقول عبد الله، الذي كان في بحمدون أول أيام الاجتياح للبنان، وقد ظن يومها أن اسمه الحقيقي ليس مهماً، وعرفه الجميع بالمهندس. أنه التحق بإحدى المجموعات، واستلم قاذف B7 وبدلة عسكرية فضفاضة. لكنه عندما ارتداها، بدا كمهرج فاشل، فرماها وارتدى ملابسه المدنية. وفي الاجتماع الأول، حضر شربل الذي يقود العمليات في منطقة الجبل، والذي لم يسبق أن رآه من قبل، رمقه وقال مستنكرًا: “بدك تقاتل بملابس مدنية؟” وطلب منه فتح حقيبته خلف باب الغرفة، وقال إن فيها بنطالًا على مقاسه، لكنه طلب طلبًا غريبًا، عليك إعادته بعد انتهاء الحرب.
بعد أربع ساعات، أنزلت الطائرات المروحية عددًا من الآليات الحربية والجنود في ساحة بحمدون. كانت النهارات تبدأ عادية وتنتهي بما لا يمكن توقعه. كان الصباح طموحًا ممتلئًا بالحماس طوال الطريق من مخيم اليرموك إلى هذا المكان الذي لا يعرف عنه شيئًا. اشتبكوا معهم وانسحبوا بعد نفاد ذخيرتهم. كان وجه شربل المتفائل والواثق بالنصر يسند المهندس القادم من الصحراء الليبية حيث حقول النفط، وضحكته الجسورة تملؤه بالقوة.
في اليوم التالي، وقع المهندس في الأسر مع اثنين من الرفاق في كمين عند أحد الطرقات المؤدية إلى قرية بيصور. في معتقل أنصار، حين رأى شربل ضمن مجموعة أخرى من المعتقلين يقف في الصف، صرخ باسمه ليسأله إذا كان لا يزال يريد البنطال، فضربه الرفيق الواقف إلى جانبه بمرفق يده وحذره من العبث، قائلاً: “انس هذا الاسم وإياك أن تذكره من جديد أمام أحد.”
أخطأ المهندس حين أعطى اسمًا غير حقيقي للصليب الأحمر، ما جعل أهله يظنون أنه قُتل، فأقاموا بيت عزاء، بعد أن فشل الصليب الأحمر في اكتشاف مكانه باسمه المستعار. بينما كان إنكار شربل لاسمه سببًا للحرية التي حصل عليها قبل رفاقه. شربل يحمل جواز سفر يمني باسم مستعار، لذلك ادعى أنه يعمل راعيًا، و اليمن طالبت الصليب الأحمر بتحريره كمواطن من رعاياها.
وحين خرج شربل من معتقل أنصار. مرّ على بيروت كما يمر طيف على شبابيك الماضي، ثم مضى إلى تونس، إلى العنوان المؤقت للثورة، حيث الأبواب مصمتة كأفواه خائفة، والنوافذ مكمّمة كالقصائد المهملة، واللافتات ترفرف في الداخل لا في الخارج، معلّقة كأنها صور شهداء في مكتب بريد.
هناك، في ركن منسي من مقر الجبهة، وجد رواية “اللاز” للطاهر وطار، فافترسها كما يفترس جائع رغيفًا ساخنا، دون زبدة ولا ملح. قرأها في ليلة واحدة، وكأنها تُروى له وحده، وكأنها كتبت عنه باسم مستعار. وحين أطفأ النور وتمدد، بدأ يحلم. الرواية حفرت في صدره خندقًا، وملأته بأشباح رفاقٍ غابوا في غمام الأيام.
في الحلم، رأى نفسه مخمورًا، هائمًا في شارع السلط، يتمايل مثل أغنية على شفاه نَسِيَت اللحن. كلّ من يمرّ لا يراه، حتى أوقفه أحدهم فجأة، رجل يشبه ضميره الذي نسي أن يُحاسب، وقال له:
“مش إنت شربل اللي كان مع الفلسطينية؟”
رد عليه بخجل:
“أنا هو.”
فنظر إليه الرجل بإشفاق وقال:
“الله يغظب عليك! ليش ما رحت معهم على فلسطين؟ ما هي تحررت!”
سؤال طيّر الخمرة من رأسه كما تطير الحروف من ساحة الذاكرة.
أراد أن يقول شيئًا ذا معنى، لكن كل ما خرج منه كان:
“أنا داري… والله منا داري…”
ولأن “أنا داري” لا تُقنع أحدًا في الحلم، قرر في الصباح أن يفعل شيئًا يليق برجلٍ نسيه الرفاق. ارتدى قميصًا قديمًا، ومضى إلى عمّان، إلى سفارة فلسطين التي كانت تشبه مقهىً حكوميًا بلا نراجيل.
فتّشه الحرس كما يُفتَّش الشعر في قصيدة رديئة، وساقوه إلى موظف استعلامات جامد الملامح، سأله عن حاجته، فرد شربل بحماسة رجل يعرض قلبه للبيع:
“بدي أرجع عَ فلسطين.”
ابتسم الموظف ابتسامة متهكمة، وسأله عن أوراقه.
قال شربل:
“ما عندي، بس كنت معهم، كنت معهم بكل شي!”
هز الموظف كتفيه وقال:
“ارجع لما يكون معك جواز.”
عاد في اليوم التالي، بجوازه الأردني مثل جثّة في ظرف. أعطاه للموظف، فقيل له:
“المعاملة لازم تمر عَ القنصل. تعال بعد أسبوع.”
عاد بعد أسبوع، وفي الممر، لمح اسمًا على باب: “زهير قبعة”.
تجمّدت قدماه، ثم اندفع كمن اقتحم ذاكرته، وصرخ من خلف الباب:
“زهير! بطلت تعرفني؟! نحنا كنا ننام على نفس البطانية ؟!”
رفع زهير عينيه ببرود موظف في نهاية الدوام، وقال:
“ما إحنا ثورة أممية… يعني معقول نعرف كل واحد ناضل معنا؟”
شربل، الذي قضى عمره في ساحات العمل، شعر أنه يذوب في الهواء.
لكن زهير ختم الحديث كمن يغلق ملفًا قديمًا:
“روّح، السفير هو اللي بقرر.”
ذهب شربل إلى مكتب السفير، وعينه لا تصدق الاسم على الباب:
“حاتم اسطنبولي”.
دفع الباب، كمن يفتح صندوق العجائب، وقال صارخًا:
“حاتم! إنت صرت سفير؟ وأنا داير سكران بشوارع الكرك؟! ولك يا قواد؟!”
وقف حاتم، خلف مكتب فخم يعانق علَم فلسطين المثبّت على سارية نحاسية تلمع كما يلمع خطاب رسمي. قال بصوت جافّ كقانون طوارئ:
“احترم حالك، وإلا بنادي الشرطة.”
تذكر شربل طبائع البشر في قصة الجاحظ وهو يقول في نفسه لو خرجت من جلدي، ما حدا عرفني… واستيقظ يضحك بأعلى صوته.
لكن شربل لم يمت كما يموت الغرباء، لم يمت سكرانًا على رصيف النسيان، ولم يذُب اسمه في أرشيف الثورات المهجورة.
عاد.
عاد إلى الكرك كما يعود الأبطال الحقيقيون، أولئك الذين تأخروا عن التكريم لأنهم كانوا مشغولين بالقتال، أو بالحلم.
استعاد اسمه… مشعل الخيطان.
استعاد دفء العائلة، ووهج الذاكرة، والهوية التي لم تكن يومًا بطاقة، بل طريقًا طويلاً محفورًا بالخطى.
عاد محاطًا بأحبته، مغمورًا بالمحبة التي تأخرت، لكنها جاءت مثل غيث ماطر بعد صيف طويل.
ومضى في النهاية بالكرامة التي تُنسيك تعب السنوات.
غادر، نعم، لكنه فعلها كما يجب: بكلمات تشبهه، وصيّة صافية كالينابيع. قرأتها بعد رحيله، فارتجفت كمن يسمع الصلاة لأول مرة. وصية تعادل النصوص الخالدة… وفي نهايتها قال:
“لن أعتزل الحياة ما دمتم أحياء.”
وقد صدق. لأننا ما زلنا نذكره، ونضحك كما كان يضحك، ونمشي بين ألغام الحياة بأسلوبه: بخفة، وبكامل السخرية. وها هو تمامًا كما أراد. حيّ في ضحكة، أو شتيمة، أو في ظل شجرة زيتون على تلال الكرك أو على ضفاف طبريا.

