Menu

عالمية أدب النكبة

د. ثائر يوسف عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

قبل الحديث عن هذه الخاصية اللافتة في أدب النكبة لا بد من الإشارة إلى ثلاثة اتجاهات عامة يمكن تلخيصها كما يأتي:

الاتجاه الأول: التعبير بالبكاء والحزن والشفقة على الذات في مواجهة المحنة والبليَّة، فكان أشبه بالبكاء على الأطلال.

الاتجاه الثاني: يُحيي هذا النمط من الكتابة تاريخ المأساة وينبِّه القرَّاء إلى أصول النضال. وفي إشارة خاصة إلى صفات شعر المقاومة الفلسطيني، يؤكِّد كنفاني أنَّ هذا الأدب يمتلك «روحاً ثوريَّة مذهلة خالية تماماً من النزعة الحزينة والبكَّاءة». بل هو بالأحرى دليل على القوَّة والعزيمة في الشدائد.

إنَّ الاتجاه الثالث لأدب النكبة، الذي تطوَّر لاحقاً، هو العالميَّة، ويعني في أبسط معانيه تبنِّي موقفٍ تجاه قضيَّة فلسطين، لا يرى هذا الشأن من الناحية السياسيَّة أو الدينيَّة، بأنَّه صراع بين المسلمين واليهود، أو العرب وغير العرب، بل هو صراع بين الظالم والمظلوم. بين قاتل وضحية، ويجب إيصال صوت الضحية إلى العالم بطريقة إنسانية وأدبية.

وبالتالي لم تقتصر مهمة أدب النكبة على توثيق المأساة (على الرغم من عظمة هذه المهمة) بل تجاوزت ذلك إلى مخاطبة الوجدان الإنساني العام، داعياً إلى إعلاء قيم الحرية والعدالة والخلاص من الاحتلال وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والتأثير في الرأي العام العالمي من خلال نقل القضية الفلسطينية إلى العالم عن طريق التأليف باللغات الأجنبية أو الترجمة والنشر.

يقول الشاعر الأيرلنديِّ شيموس هيني Seamus Heaneكلَّ قصيدة هي عمل مقاومة، تتضامن مع المنكوبين والمحرومين والضحايا والمهمَّشين، وفي هذا السياق، فإنَّ أيَّ شخصيَّة تصبح عندها الرغبة في قول الحقيقة، ومقاومة الإكراه على التماهي مع الظالم، والخضوع له، هي بالضرورة جزء لا يتجزَّأ من فن الكتابة الإنسانية.

ولو أشرنا إلى بعض النماذج على عالمية أدب النكبة، فيمكن الحديث عن علامة بارزة في أدبنا، وهي الشاعرة فدوى طوقان التي ظهر نهجها العالميَ من خلال اتِّباع إستراتيجيَّة رسم أوجه تشابه بين الاضطهاد الذي عانى منه الشعب الفلسطيني وذاك الذي عانت منه الجماعات والأمم الأخرى عبر التاريخ. وكنتيجة لذلك، فقد اختارت، هي وشعراء آخرون، تصويرَ مفهومٍ أكثر تجريداً للاضطهاد من أجل التعليق على السلوك غير الإنسانيِّ والظالم بالمعنى العامّ. ويتردد في قاموسها الشعري مفردات ارتبطت بالإنسان وما يسعى إليه، وما يُحدِّد شخصيّته، مِثل: الأمّ، الأبّ، الرّجل، المرأة، الطّفل، الإنسان بشكل عام، الفلسطينيّ، العربيّ، الشعب، والأمّة. تقول في إحدى قصائدها التي تنشد الحرية:

ويردّد النّهرُ المقدّس والجسور حريّتي!

والضّفتان تردّدان: حريّتي!

ومعابر الرّيح الغضوب ِوالرّعد والإعصار والأمطار في وطني تردّدها معي:

حريّتي! حريّتي! حريّتي!

صوتٌ أرددهُ بملء فم الغضبِ

تحت الرّصاص وفي الّلهبِ

وأظلُّ رغم القيد أعدو خلفها

وأظلُّ رغم الّليل أقفو خطوها

وأظلُّ محمولاً على مدّ الغضب

وأنا أناضل داعياً

حريّتي! حريّتي! حريّتي!

أما محمود درويش فقد أصبح من المستحيل الآن التفكير به دون التفكير مباشرةً في فلسطين، وفي المأساة الرهيبة التي حلَّت بشعبها المتألِّم، ومن ضمنهم الشاعر، وإنَّ الاتِّساق عينه ينطبق على الكتابات عنه، إذ لا يمكن الفصل بين الشاعر ووطنه. فقد صاغ درويش أيضاً قصائد مختلفة تتبنَّى رؤية عالميَّة مميَّزة عبر استخدام صور تجريديَّة. يقول في قصيدته الإنسانية المؤثرة (مقعد في قطار):

مناديلُ ليست لنا / عاشقاتُ الثواني الأخيرةِ / ضوءُ المحطة /

وردٌ يُضَلّل قلباً يفتّش عن معطفٍ للحنان / دموعٌ تخون الرصيفَ/ أساطيرُ ليست لنا /

من هنا سافروا، هل لنا من هناك لنفرحَ عند الوصول؟

زنابقُ ليست لنا كي نُقبّل خط الحديد / نسافر بحثاً عن الصِّفْر /

لكننا لا نحبّ القطارات حين تكون المحطات منفى جديداً /

مصابيحُ ليستْ لنا كي نرى حُبّنا واقفاً في انتظار الدخانِ /

قطارٌ سريعٌ يقصّ البحيراتِ / في كل جيبٍ مفاتيح بيتٍ وصورة عائلةٍ /

كُلّ أهلِ القطارِ يعودون للأهلِ، لكننا لا نعودُ إلى أي بيتٍ/

نسافرُ بحثًا عن الصفر كي نستعيد صواب الفراش / نوافذُ ليست لنا /

والسلامُ علينا بكلّ اللغات...

وفي قصيدته الإنسانية (فكّر بغيرك) التي تعني كل المشردين والمظلومين في العالم، يقول:

وأَنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّرْ بغيركَ

لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ

وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ

لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ

وأَنتَ تُسدِّدُ فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ

مَنْ يرضَعُون الغمامْ

وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ

لا تنسَ شعبَ الخيامْ

وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ

ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام

وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ

مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ

وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك

قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ

أما المفكر والمبدع إدوارد سعيد فقد كرّس معظم ما كتب لإثبات حق الفلسطيني في الحياة، ورصد الظلم والإكراه الذي طاله، فكان تعبير سعيد الشهير، الذي صاغه من باب الاحترام للفلسطينيِّين بأنَّهم «ضحايا الضحايا»، يعبِّر عن هذا النوع من العالميَّة، في إشارة إلى تمرير سلاسل الاضطهاد من أمَّة إلى أخرى، مع كون الرواية نفسها عن الأمَّة المضطهدة التي تنطبق الآن على الفلسطينيِّين، وكانت منطبقة في السابق على اليهود أنفسهم إبَّان الحرب العالميَّة الثانية.

مع تطور الزمن، لم يعد أدب النكبة يركز فقط على الحنين والمعاناة، بل أصبح أكثر انفتاحاً على قضايا الهوية العالمية، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان، وبرز جيل جديد من الأدباء الذين دمجوا بين الهم الفلسطيني والقضايا العالمية، في نصوص حداثية أو ما بعد حداثية -إن جاز التعبير- تمزج بين المحلي والعالمي. فتطورت الموضوعات والأساليب مع الجيل الجديد من الأدباء الفلسطينيين، إلا أنّ موضوعة النكبة لم تغب عن كلّ السرديات الفلسطينية وإن تراجعت في الحضور فإن ظلّها لم يتراجع.

وتمكن الإشارة، في هذه الوقفات المضيئة، إلى نموذج واحد وهو الكاتبة الإنسانية سوزان أبو الهوى من الجيل الحديث الذي يكتب الرواية الفلسطينية بلغات عالمية، وتُعدّ روايتها (بينما ينام العالم 2010) المكتوبة بالإنجليزية (While the world sleeps) علامة فارقة في أدب النكبة العالمي، إذ صدرت لأول مرة باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة في عام 2006 تحت عنوان "ندبة داود " (The Scar of David) تم ترجمتها إلى الفرنسية وصدرت تحت عنوان "صباحات جنين"(Les Matins de Jénine) ثم أعيد نشرها باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة في عام 2010 تحت عنوان "صباحات في جنين " (Mornings in Jenin) ، عن طريق دار بلومزبري للنشر. بعد تحرير بسيط. تمت ترجمتها إلى 33 لغة، بما في ذلك اللغة العربية بترجمة المترجمة سامية شنان تميمي التي أطلقت عليها اسم "بينما ينام العالم". حظيت الترجمة العربية بإشادة واعتراف واسع النطاق باعتبارها عملاً أدبياً عربياً جديراً بالاحترام، نشرت النسخة العربية الأولى عام 2012 عن دار بلومزبري - مؤسسة قطر للنشر.

تُسلّط الروايةُ الضوء على مأساة النكبة الفلسطينية ومعاناة اللجوء والشتات، وتسرد قصة عائلة فلسطينية منذ النكبة وحتى الانتفاضة الثانية، فقدت الهوية والانتماء، وترصد تأثير الأحداث السياسية على الأفراد والعائلات، عبر أجيال أربعة من عائلة فلسطينية، وكيف تحولت حياتهم إلى مأساة في الشتات بعد ترحيلهم قسراً من قريتهم، إذ تبدأ الرواية من 1948 وتنتهي في 2002 خارج المكان الفلسطيني في ولاية (بنسلفينيا) حيث تقيم الكاتبة، مما يجعلها قراءة ضرورية لفهم معاناة الشعب الفلسطيني، معزَّزة بالوثائق التاريخية الممزوجة بالفن الروائي، وقد توقفت عند الانتهاكات والمجازر التي ارتكبها جيش الاحتلال، الذي أتخم بالأسلحة المتطورة، وتشبع بالحقد والكراهية على البشر والحجر، مثل مجزرة جنين عام 2002. وبشكل إنساني مؤثر. وكما قال مايكل بالين، الممثل والإعلامي والرحالة البريطاني المعروف: فيها رؤية قوية وإنسانية لما اضطر العديد من الفلسطينيين لاحتماله منذ إنشاء دولة إسرائيل، تأخذنا سوزان أبو الهوى عبر الأحداث الدامية المشحونة بالغضب والمليئة بالرقة، بحيث تخلق صوراً لا تُنسى للعالم؛ حيث تعيش الإنسانية واللا إنسانية، نكران الذات والأنانية، الحب والكراهية، بعضها بجانب بعض..

لقد أصبح للرواية دور مهم في بناء الوعي العالمي بالقضية، لأنها كانت وما زالت أداة فاعلة في إيصال الرواية الفلسطينية للعالم، وكسر السردية الصهيونية المهيمنة، وزرع الإحساس بالتاريخ والانتماء في أجيال ما بعد النكبة. فتحولت رواية النكبة إلى شهادة إنسانية حيّة تتوارثها الأجيال، وهي مرآة للمنفى، وتعبير عن الحق في الأرض، ووسيلة لإحياء الذاكرة في وجه النسيان.

إنّ هذا النوع من الإبداع الأدبي هو «إعادة كتابة في التاريخ لما تمَّ محوه عمداً» وعليه، فإنَّ أدب النكبة المقاوم يرفض المحاولات الصهيونيَّة لمحو وجود فلسطين وثقافتها من التاريخ. وإنَّ كلَّ كلمة في الخطاب صاغها كتَّاب فلسطينيُّون يعكسون واقعهم اليوميَّ، هي مثل صاروخ يُلقى على العدوِّ أو رصاصة موجَّهة بعناية، تهدف إلى الدفاع عن حقِّهم في الوجود، وهي فعل من أفعال المقاومة الجريئة المليئة بالمفردات الإنسانية وسعيه إلى التحرر من الاحتلال والظلم في العالم.