Menu

الظهر والبارودة

جمال أحمد سعود

بوابة الهدف

لا زلت أنتظر قطاف الزيتون وأنا لم أبرح مكاني هبت رياح الخريف و جمعت من حولي كل أوراق الرصيف يذكرني لونها بخرقة صفراء فاقع لونها قد لف بداخلها بارودة أهداني إياها والدي قبل وفاته.

أتذكره وهو يحدثني وقد اغرورقت عيناه بالدموع وقال : يا بني هي غالية عليَّ جدًا حافظ عليها قد تحتاجها يومًا دعها في هذه القطنية لتبقى جديدة، أمسكني إياها في يمينه ويسراه تربت على كتفي كان والدي ذكي جدًا فقد رسم حلقة بينه وبيني (تشبه المسبحة ) لم أدرك ما يصنع.

كنت يافعًا مدللا لا أكترث بما يجري حولي أحب اللهو كثيرًا

حتى في وقت الغداء أخواتي يشكون مني لأمي دائمًا وقد كنت ألجأ لظهر أبي هربًا منها وقتها أشعر بأن ذلك الظهر

كبير وقوي البنية ليس هذا فحسب، بل هو يملك بارودة قوية

يعيد فكها وتركيبها ويضع عليها قليلًا من الشحم كل حين ثم يلفها بالخرقة الصفراء ذاتها ويدسها بين فرشات الصوف المرتبة في حائط الغرفة.

كان شديد الحرص على هذا الكنز وعلى تلك المرتبة دون غيرها فوالدتي لا تقربها حينما تعزل الدار . ذلك زرع في نفسي الجرأة وأن لا أخاف من أحد .

فغدت لي هيبة وبات أهالي القرية يحسبون لي حسابًا وحتى كلاب القرية يهربن مني إن خرجت ليلً . . .

لقد قطع ذكريات الماضي صوت العم أبو هايل وهو يطلب الفزعة لمساعدته بقطف زيتونة . . .

قلت له مازحًا : يا عمي أبو هايل ليتك لم توقظني . .كنت سارحا بالوالد فقاطعني : ايه . . . الله يرحمك يا أبو جبل ويرحم ايامك مات وهو حزين على ابنه الكبير كان اسم على مسمى جبل وهو جبل . .

سألته عمي أبو هايل :

أنت تعرف أخي جبل ؟

يا ابني وهل أحد لا يعرف جبل !

بيوم من الأيام اصطحب مجموعته وغار على العدو، الغدارين من كثر ما كان يقتل منهم هذه المرة نصبوا له كمينًا و قتلوه .... .

جماعته ما استطاعوا سحبه لكن أحدهم سحب بارودته وقدمها لأبوك وبقيت عند أبو جبل ذكرى . .

يا حسرتي حزنت عليه كل القرية لكن هذا قدر الله . . .

كان عريسًا وتتمناه كل بنات القرية . .يومها أنشدت له القرية أحلى

أغنية :

يا جبل وين رحت خلف التل

تغير وتهاجم المحتل

عادوا الولاد يحملوا البارودة

البارودة ممهورة بالدم

طلت البارودة والجبل ماطل

يا كتف البارودة من دمه مبتل

وريحة مسك من دمه ينهل

يا عريسنا . . بوجهك طل

تعطرت العروسة بورد وفل

يا سبع . . .

طلت البارودة والعريس ماطل

يا جبل للحنطة منجل

وللعدو سيف ينسل

يا جبل يا عزوة دارنا

روحك بالسما مشعل

وبارودتك أمانة راح تظل . . .