Menu

عن الكلمات وتحول الوعي في أرض البرتقال الحزين

حاتم استانبولي

أكاديمية دار الثقافة

هي مجموعة قصصية مكثفة تتناول مرحلة ما بعد جريمة الإبادة الاولى التي سميت بالنكبة والتي يشرح في قصتها الأولى( أبعد من الحدود ) بشكل سلس، شرحا يحمل عمقا فلسفيا يصف فيه مراحل تحول وعي الإنسان الفلسطيني من وضع الفرد إلى الحالة إلى الظاهرة في حوار عميق رمزي بين أداة القمع والإنسان.

 

هذا الحوار الذي غابت فيه الأسماء والألقاب ولكن ظهرت ملامحها من خلال وصف دقيق للمكان والزمان الذي دار فيه الحوار بين المرئي الملموس اداة القمع وبين الطيف الذي حملت الريح صوته القادم من شباك الحمام في رمزية إلى الفلسطيني الغير مرئي.

 

قصة استخدم فيها الأديب المبدع القائد الشهيد غسان الكلمات ليشرح الحالة الفلسطينية من خلال خطاب ألقاه وحي الهارب الغير مرئي أمام ممثل أداة نظام القمع.

 

الخطاب الذي أعطى بعدا لأسباب تغير وتطور الظروف التي حولت الإنسان من الغير مرئي في الزمان والمكان إلى حالة مرئية تضج راحة اداة النظام القمعي وتكشف دوره ووظيفته.

 

تناولها في وصف تفصيلي لحالته الغير مرئية في الزمان والمكان عبر كلمات مثل الشقي والخنزير أو اللص أو الخائن أو أحسن الأحوال يكون مادة تجارية يستخدمها نظام القمع الرسمي في توطيد مشروعيته واستمرار بقائه عبر الزمان والمكان .

 

وفي تفاصيل لدوره الوظيفي أبرزها عبر عبارة: إذا ما أغلق عليه المزلاج فلا أحد يستطيع إخراجه لا انت او الاكبر منك. وفي سياق وصف انتقاله إلى الحالة المرتجفة التي تصطك فيها الأسنان التي يشبه صوتها اصطكاك السلاح في سياق تطمين ممثل اداة القمع الرسمي ان هذا الصوت لا يشكل أي خوف له لأنه ببساطة هو مجرد صوت في الفراغ لا يوجد له أي ملموسية.

 

وفي سياق شرح تطور الحالة إلى ظاهرة عامة التي أعطاها مدلولا ملموسا هي عبر أول تسمية للمجموع الفلسطيني في سياق وصف طرف التناقض الذي أصبح واضحا بين ممثل أداء النظام الرسمي القمعي والفلسطيني في انتقال فلسفي عميق بين جدلية المقولات الفلسفية الوحيد والخاص والعام وإبراز واضح لتحديد صورة التناقض الأبرز من حيث المكان والزمان.

 

الظاهرة العامة التي بدأت السؤال (ماذا بعد) الذي أعطى الإجابة عليه أن الموت أفضل مما نحن فيه وبما أن الموت لا يحبذ من مجموع الفلسطينيين فإنهم سيبحثون عن شيئ آخر في استقراء مبكر لانطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار زمان نشر القصة عام ١٩٦٢.

 

 

أما من جانب آخر فقد كثف المبدع غسان شرح دور النظام الرسمي (لسايكس بيكو ) الذي كانت وظيفته اذابة الشخصية والهوية الفلسطينية كما يذوب السكر في الشاي. وكيف اصبح الانسان الفلسطيني بين ثلاثية الشفقة الدولية والاستخدام المزدوج للنظام الرسمي كمستفيد من هذه الحالة داخليا وخارجيا وبين مقاومة الاذابة التي وضحها عبر شرح مكثف : ان مهما جرى للإنسان الفلسطيني لا يوجد إطار قانوني او سياسي أو اخلاقي يدافع عنه فهو ليس له دولة تدافع عنه او اي اطار قانوني حقوقي مدني يبرز هويته السياسية ويحميه في استقراء لضرورة الإطار السياسي والقانوني والحقوقي المدني.

 

الانسان الفلسطيني ما بين جريمة الإبادة الأولى عام ١٩٤٨ التي أطلق عليها النكبة كان يعيش على هامش التاريخ وبين فواصل الزمان وله ممر واحد للخروج هو قبول حالة الإذابة كما يذاب السكر في الشاي أو مقاومة جمعية فلسطينية لِنظام القمع الرسمي الذي أوكلت له دور وظيفي يغذي شرعيته ما دام يقوم بإذابة الهوية والشخصية الفلسطينية.

 

القصة المكثفة توضح مراحل انتقال تحول الغضب الفردي الذي غذاه النظام القمعي الرسمي الى حالة رافضة لهذا الإلغاء والالحاق والإذابة إلى الظاهرة العامة التي تتطلب إطار قانوني يحميها ويخرجها من محاولات الاذابة كما يذوب السكر في الشاي.

 

القصة تعبر بوضوح عن عبقرية غسان الفلسفية والادبية في اتقان استخدام الكلمات ومعانيها وابراز تداخلها ودور الريح التي لا يمكن معرفة اتجاهاته في حَملِه للجمل والكلمات التي احتواها خِطابَ الانسان الغير مرئي الشجاع امام ممثل اداة القمع للنظام الرسمي.