افتتاحية ملف خاص بذكرى غسان كنفاني على موقع ma5tv
بالرغم من مرور ثلاثة وخمسين عاما على استشهاد غسان كنفاني إلا أن ذكراه ما تزال حاضرة وفاعلة في كل ثنايا الوجود الفلسطيني وتفاصيله، غسان الشاب الشهيد بقي استثنائيا في هذا الحضور الذي تميز به خلال سنوات حياته القصيرة و التي جسدها بين المثقف المنتمي وبين المناضل الذي يحمل الثوابت .
وعبر نافذة ما كتب وأبدع أصبحت فلسطين جزءا لا يتجزأ من التراث الإنساني الحضاري وكل من يريد التعرف على فلسطين من جميع الملل والنحل يكفيه فقط أن يدرك مأساة الفلسطيني الضحية والثائر في آن معا من خلال مقالاته و شخصيات رواياته التي أكدت بأن الثقافة لا تفعل فعلا سياسيا إلا إذا خرجت من رحم الممارسة الكفاحية ومعبرة عنها بالأفكار التي لا تموت ضمن منطقه القائل “تموت الأجساد لا الفكرة”، ليؤسس بذلك مفهوم أدب المقاومة في مواجهة “الأدب الصهيوني” الذي يريد محو السردية الفلسطينية، ويقينه كان دائما بأن النصر قادم لا محال لذلك قرن العقلانية بالثورية لاستيعاب التاريخ وليس القطع معه وفق رؤية نقدية جادة كما في دراسته التحليلية لثورة 1936، حاسما الالتباس القائم بين الاستراتيجية والتكتيك محذرا أن التكتيك لا ينتهك الاستراتيجيا ، وأعاد الصياغة بينهما كما أوضح ذلك في كتابه المعنون “في معضلات المقاومة” الصادر في العام 1970.
لسنا هنا لتحليل الأسلوب والطرح الكتابي الذي ابتكره ولا الهدف المنشود من نتاجاته بقدر ما كانت كتاباته وكل منطوقه ينتمي إلى عالم الواقع في التراجيديا الفلسطينية. صحيح أن تجربته مبتورة بفعل الاستشهاد إلا أنها رسمت معالم الوعي الفلسطيني ورسمت الإجابة الحتمية على كل التحديات التي طرحتها النكبة الفلسطينية .
توزعت أعمال غسان كنفاني بين القصة القصيرة والرواية والعمل المسرحي من خلال 18 مؤلفا بالإضافة إلى مئات المقالات والدراسات التي سلطت الضوء على معاناة الفلسطيني في الشتات ليؤكد أن لا حل لعودة الفلسطينيين إلا بالعمل الجماعي. وكان حريصا بأعماله على دمج الثقافة بالسياسة و اعتبارها مكونا أصيلا من أصول السياسة، مؤكدا بأن ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي، وأثبت من خلال أعماله أن الصهيونية الأدبية كانت سابقة ومؤسسة للصهيونية السياسية.
لقد ظل غسان حتى هذا اليوم حاضرا في كل أزقة وحارات وشوارع المدن والمخيمات والقرى الفلسطينية وربما كاد السابع من أكتوبر2023، هو الجواب الفلسطيني الفعلي لدق جدران الخزان . والمتابع لكل مجريات الأحداث التي وقعت بعد هذا التاريخ يدرك الآن أن فلسطين كانت ولا تزال نقطة الإرتكاز الأولى لبناء عالم أكثر إنسانية في مواجهة هذا التوحش الإجرامي الصهيوني المنفلت .
مضى غسان في هذه الدرب وهو يدرك مثل جميع أقرانه من الفلسطينيين أن الحياة لا بد أن تعاش وفق الوعي الإنساني المتحرر من كل قيود الظلم . لذلك نجد في كل بيت فلسطيني غسان صغير يكبر ويعيد إلى الحكاية سيرتها الأولى عبر التحرر من كل إفرازات النكبة وما تلاها من تحديات ولأن غسان اختار هذا الدرب وانتمى بعمق إلى شعبه ما تزال لغته “الندية” تسمع صداها في كل مكان بأن ” لا تمت قبل أن تكون ندا”.
غسان لم يتوقف يوما عن التفاعل مع قضايا الوطن إلا أنه ومن خلال مهاراته علّم الجميع كيف ينبغي للإنسان الفلسطيني والعربي أن ينتصر على عدوه وعلى الحزن والمرض من أجل الآخرين، وأن يظل في خضم ذلك صامدا محتفظا بهويته وحلمه.

