Menu

قصة أغنية يا يما في دقة ع بابنا والمغني الشعبي "أبو عرب"

موسى مراغة

نشر في مجلة الهدف العدد (72) (1546)

هناك الكثير من الأغاني والأناشيد والأهازيج الشعبية التي سمعناها وحفظناها ورسخت في الوجدان، وأصبحت جزءً أصيلاً من ذاكرتنا، وشكلت بكلماتها وألحانها ذكرى جميلة، فتحملنا إلى الماضي والزمن الجميل.

وفي تراثنا الشعبي الفلسطيني الكثير من الأغاني التي كان لها الحضور الجميل، يرددها الناس في المناسبات الوطنية وفي الأعراس والأفراح العامة.

ولكل أغنية حكاية تؤرخ الحدث وقصة ترتبط بظروف مسوغات لتداولها .لا سيما ان تلك الأغاني ارتبطت بأحداث ومناسبات وشخصيات في تاريخنا الماضي والمعاصر على حد سواء، وأصبحت جزء من التراث الشعبي وإضافة إلى دورها الملتزم بالخط الوطني والكفاحي...

من تلك الأغاني الشعبية الفلسطينية أغنية "يا يما في دقة ع بابنا" والتي كان يغنيها المطرب الشعبي الفلسطيني "أبو عرب" وهي من تأليفه وألحانه.

وقد غدت هذه الأغنية أيقونة الأغاني عند المطرب( أبو عرب) لما تحمله كلماتها من معاني البطولة والتضحية للفدائي المقاتل، وما تثيره من شجن في حب الأرض والوطن والأمل في العودة والنصر والتحرير.

ولهذه الأغنية الذائعة الصيت قصة وحكاية كان دوماً يرويها المطرب أبو عرب حتى انتشرت هذه القصة بين الناس. وكان لي شرف سماع تفاصيلها من الشخص نفسه الذي أوحى للمغني( ابو عرب ) بنظم كلماتها. كما كان لي شرف حضور أكثر من حفل لمطربنا الشعبي عندما كان يروي قصة تلك الأغنية وبعدها كان يصدح صوته بمفرداتها "يا يما في دقة ع بابنا"..

تقول الحكاية : إن دورية من المقاتلين الفلسطينيين دخلت الأرض المحتلة لتنفيذ عمليات فدائية ضد العدو الصهيوني، وكان ذلك في منتصف سبعينيات القرن الماضي.

وكان هدف هذه الدورية المكوث لوقت طويل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولذلك ادخلت معها كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات والصواريخ التي تكفي لتنفيذ الكثير من المهام العسكرية ضد قوات العدو الصهيوني وجنوده ومستوطنيه. كما أدخلت المجموعة معها كميات من المواد الغذائية ، لتكون زادا لهؤلاء المقاتلين في مهمتهم النضالية.

استمرت تلك الدورية الفدائية لمدة سنتين، وكان نطاق عملها في مدن القدس وبيت لحم والخليل. وقد نفذت تلك المجموعة عديدا من العمليات العسكرية من أشهرها قصف مقر (الكنيست )الصهيوني، وقصف العديد من المستعمرات الصهيونية. إضافة إلى اشتباكات ومواجهات مع دوريات جنود العدو الصهيوني. حيث كانت المجموعة الفدائية تقوم بنصب الكمائن والإغارة على المعسكرات والمراكز والتجمعات العسكرية.

وقد اتخذت تلك الدورية الكهوف والمغاور المنتشرة في جبال الخليل مكاناً للتواري والاختباء نهاراً، ومع حلول الظلام كانت تقوم بأعمالها الموكلة إليها في الاشتباك مع العدو.

ومع مرور الوقت بدأ الطعام ينفد من المجموعة، وكان لا بد من حل لهذه المعضلة، كان بين أعضاء تلك الدورية مقاتل فدائي اسمه (بلال) ولحسن الحظ أن أفراد الدورية كانوا يمكثون في أحد الكهوف القريبة من قرية ذلك الشاب المقاتل. فعزم على الذهاب إلى بيت أهله هناك وإحضار ما يحتاج من طعام وماء. فتسلل ليلاً إلى القرية، وعندما وصل باب منزلهم قرعه، فجاءه صوت والدته من وراء الباب: من الطارق؟

فرد عليها ابنها: أنا ولدك، افتحي يا أمي. ولكن الأم لم تصدق هذا المقال، لشكها أن الطارق يمكن أن يكون جاسوساً متعاملاً مع العدو ليعرف منها حقاً أن ابنها في المقاومة الفلسطينية، فقالت للطارق: إن ابني توفي منذ زمن في لبنان.

مع ذلك حاول ذلك الشاب الفدائي وبشتى الوسائل أن يقنع والدته بأنه هو ابنها، ولكنه لم يفلح، وحتى لا يفتضح أمره إذا تم اكتشاف وجوده في القرية، فلم يجد بداً من الرحيل خائباً. ولكنه وفي طريق عودته، ذهب إلى إحدى الناشطات في العمل الوطني والفدائي من أهل قريته والتي كانت على علم بأمر هذه الدورية الفدائية. وطلب منها بأن تذهب إلى والدته في صباح اليوم التالي وتخبرها بالحقيقة زائر الليل الذي لم يكن سوى ابنها ، وأنه سيعود في الليلة القادمة، وطلب منها أن تبقي هذا الأمر سراً.

وعندما علمت الأم بهذه الحقيقة دخلت في بكاء ونحيب مريرين حزناً على عدم استقبالها لابنها في تلك الليلة، وطلبت من تلك الفتاة وألحت عليها بأن ترسل خبراً من أجل أن يحضر ابنها في الليلة القادمة. وفعلاً تم تحديد ساعة متأخرة من الليل موعدا للقاء.

وتحت جنح الظلام، ذهب ذلك الفدائي ومعه زميلان اخران من أفراد الدورية المقاتلة. وعندما طرق الفدائي الباب وكان بكامل عتاده العسكري حاملا بندقيته بيده،.. فتحت الوالدة الباب وبدل أن تأخذ ابنها بالأحضان، أخذت بندقيته وقبلتها وبعدها ضمت ابنها وباقي أعضاء الدورية الذين قضوا وقتاً قصيرأً في المنزل وأخذوا حاجتهم من الماء والطعام وسعدوا باللقاء مع تلك السيدة التي كانت بمثابة الأم لهم جميعا.

وبعد مدة انتهت مهمة تلك المجموعة الفدائية داخل فلسطين المحتلة وعادت إلى قواعدها في لبنان.

وفي إحدى المناسبات، كان ذلك الشاب الفدائي حاضراً وكان المطرب الشعبي أبو عرب موجوداً أيضا .

وسمع قصة ذلك الفدائي، الذي كان منخرطا في صفوف تلك الدورية العسكرية..وكيف تسلل ليلا إلى منزله وكيف كان استقبال والدته له.

وبعد أن أتم الفدائي سرد تلك الحكاية للمطرب( أبو عرب) ثارت قريحته وألهمته كلمات تلك الاغنية ، التي شاعت وذاعت وأصبحت على كل شفة ولسان.

وتقول بعض كلمات تلك الأغنية:

يا يما في دقة ع بابنا

يا يما هاي دقة أحبابنا

يا يما هاي دقة قوية

يا يما دقة فدائية

يا يما عشاق الحرية

بدقوا ع بوابنا

يا يما هذول النشامى

يا يما طلاب الكرامة

يا يما هذول الغوالي

يا يما طلاب المعالي

يا يما بيسهروا الليالي

يا يما تا يحرروا ترابنا..