كان رامي إسماعيل (30 عاماً) مولعاً باقتناء الكتب الورقية منذ عُمر المراهقة، إذ لم تكن أسعار الكتب مرتفعة، مقارنة مع ثمنها في الوقت الحالي.
يقيم إسماعيل في المحافظة الوسطى لقطاع غزة، قال خلال حديثه لـ"بوابة الهدف "إنّ معظم الكتب التي استهوته، كانت تتواجد على رفوف المكتبات في غزة المدينة، ولم تكن هناك حاجة لأن توصي بجلبها من الخارج عن طريق أحد المسافرين من القطاع، أو العائدين إليه".
استذكر اسماعيل أيام "الغنى الثقافي"، كما أسماه، واصفاً إياها بالأيام الجميلة، وقال "ما كان يُميز مكتبات غزة الثقافية، العامة والتجارية، هو التنوّع في محتوى الكتب، والعمق الملموس فيها"، مضيفاً "ما هو شائع الآن في المكتبات، لا يتلاءم إلا مع احتياجات مُحبي الروايات ذات المحتوى الأدبي الرومانسي".
"الحصار الإسرائيلي" أول المتهمين في جريمة إفقار الأسواق الغزية من الكتب، إذ ساهم إغلاق المعابر التجارية في ترك آثارٍ سلبية كبيرة على مختلف مجالات الحياة في قطاع غزة، سيما الكتب التي تأثرت بشدة من هذا الإغلاق.
"منتصف عام 2007، أصاب القطاع حالة من الركود الاقتصادي، كانت تُباع الكتب حينذاك بأسعار مُخفضة جداً، وهذا ما مكّنني من شراء عدد كبير منها"، قال اسماعيل، وزاد "وبعدها أغلقت بعض المكتبات الشهيرة أبوابها في وجه قراء غزة، بفعل تضرّرها من إغلاق المعابر التجارية، علاوةً على الضرائب المتراكمة على حركة التوريد.
وبعد عدوله عن فكرة تأسيس مكتبة ثقافية نخبويّة في القطاع تكون في الوقت ذاته مصدر رزق له، باع إسماعيل بأسعارٍ زهيدة أكثر من 5 آلاف عنواناً لكتبٍ كانت بحوزته، إلى مكتبات تجارية في المدينة، متراجعاً عن فكرة انشاء مكتبة ثقافية تلبّي احتياجات القراء النهمين بالعلوم والمعارف الفلسفية والسياسية والفكرية.
أسباب التراجع عن فكرة تأسيس المكتبة كما فسّر إسماعيل، تعود إلى ارتفاع الضرائب والجمارك المفروضة على الكتب المستوردة من الخارج والتي تضاعف بدورها ثمن الكتاب حين وصوله إلى يد القاريء، علاوة على الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون في القطاع التي تحرمهم من توفير حاجاتهم الأساسية قبل التطلع إلى اقتناء الكتب الثقافية.
"بوابة الهدف" توجّهت إلى المدير العام للمعارض والمكتبات في وزارة الثقافة بغزة، محمد الشريف، الذي أفاد بأن الوزارة تنوي تنشيط حركة القراءة والتعلّم في القطاع، من خلال إقامة معرض محلي للكتب، مطلع مارس المقبل.
الشريف قال بأن "الوزارة ترعى فقط المكتبات العامة التابعة لها، ولا يسمح الوضع المالي المتردّي، بشراء الكتب وإهدائها للمكتبات الخاصة"، و توجد في القطاع ثلاث عشرة مكتبة عامة، موزعة على المحافظات، بحسب الشريف.
وعن المعرض المقبل، أوضح الشريف أنه سيُقام في قاعة المعارض في منطقة السرايا، وسط مدينة غزة، وسيتواصل لخمسة أيام، تبدأ بتاريخ 6 مارس المقبل.
المعرض لم يُبلّغ به بعد عددٌ من دور النشر والتوزيع في القطاع، حسبما قال وكيل دار أبو غوش، عاطف الدّرة الذي أفاد بأن الوزارة لم تطلعه -حتى وقت إعداد التقرير- على ترتيبات المعرض وموعده.
وقال الدرة لبوابة الهدف "نحن بحاجة إلى حدث ثقافي دوري يطلع الناس في غزة على جديد الكتب الثقافية في مختلف العلوم".
معدودة على أصابعِ اليد دور النشر والتوزيع في قطاع غزة، حسب الدرة الذي قال "كنا نتوقع سوقاً أقل تراجعاً، بل تدهوراً، من الوضع الحالي للسوق، حيث واجهنا منذ افتتاح فرع المكتبة في غزة عام 2011 قلة اقبال وتردد على المكتبة، إلا من بعض المثقفين والأكاديميين، وهذا ما يمنع وجود الأجواء التنافسية بين القائمين على بيع الكتب".
وقال الدرة "تسهيلاً لنشر ثقافة القراءة في غزة؛ طلبنا من الحكومة سابقاً أن ترفع الضريبة المفروضة على الكتب المستوردة عبر معبر كرم أبو سالم، سيما تلك الكتب التي شاركت بها دار أبو غوش في معرض الكتاب الدولي عام 2012 في غزة".
وحول نوعية الكتب المسموح تداولها في معارض وزارة الثقافة للكتاب، يقول الدرة "الندرة في أعداد وأنواع المؤلفين والقائمين على النشر والتأليف في قطاع غزة لا تقابلها حركة توريد مواكبة لجديد الكتب والمنشوارت العربية والمترجمة" لافتاً إلى تغير سياسات وزارة الثقافة في حظر بيع بعض الكتب في مكتبات القطاع بعد أحداث يونيو 2007، بالتزامن مع سماحها ببيع كتب أخرى كانت محظورة قبل هذا التاريخ.
على النقيض من ذلك يؤكد الشريف أن وزارة الثقافة في غزة لم تمنع كتباً بعينها إلا بعد مراجعة الكتب وتدقيقها، كما أننا لم نصدر لائحة خاصة بالكتب الممنوعة".
وكيل دار أبو غوش للنشر لفت إلى أن حظر الوزارة بعض الكتب أتى بنتائج عكسية في وجه الرقابة، إذ كثرت الطلبات على الكتب الممنوعة دون غيرها، فكل ما هو ممنوع مرغوب بالنسبة لهواة القراءة في غزة.
إلى جانب القيود التي تضعها وزارة الثقافة أمام حرية الاطّلاع والقراءة، تصادر سلطات الاحتلال الإسرائيلي بين الحين والآخر كتباً وهي في طريقها إلى القطاع، إذ صادرت مؤخراً
مائة نسخة من كتاب "الأسرى الفلسطينيون .. آلام وآمال" للمؤلف عبد الناصر فروانة والصادر عن جامعة الدول العربية بحسب الشريف.

