ليس غريباً أن نقرأ ونشاهد مفكراً أو مؤرخاً يهودياً يوجه، نقدا لدولة الاحتلال وعنفها، فقد عمل بعض المؤرخين، مثل، إيلان بابيه، على إعادة النظر في السرديات المؤسِسة لهذه الدولة، الدينية منها والقانونية والحقوقية. بينما صدرت أبرز الانتقادات من قبل الفيلسوفة جوديت بتلر.
جوديت بتلر، هي فيلسوفة يهودية أميركية، ذات أصول مجرية - روسية. فقدت جزءاً من عائلتها في المحرقة النازية، إذ أبيدت عائلة جدتها في قرية صغيرة جنوب بودابست.
ترفض، بتلر، العنف تحت أي مبرر، وترى أنها كانت دوماً "ميّالة إلى الفعل السياسي اللاعنفي". وهي تنقد عنف الاحتلال، وتنقد مصادرته للاراضي وقصفه العنيف للسكّان المحاصرين، فأمنيتها هي: "أن ينتهي الاحتلال، ويتوقف العنف بكل أشكاله".
برز صوت، جوديت بتلر، بعد عملية طوفان الأقصى، في السابع من أكتوبر، كأحد الأصوات الفلسفية الناقدة لكل من وصف العملية بأنها عملية "إرهابية" ورفضها واعتبرها ليست مقاومة، إذ أوضحت في أكثر من مكان: "قد يكون لدينا وجهات نظر مختلفة حول حماس كحزب سياسي، ويمكن أن تكون لدينا وجهات نظر مختلفة حول المقاومة المسلحة، لكنني أعتقد أنه من الأصح والأكثر دقة القول إن انتفاضة ٧ أكتوبر، كانت انتفاضة نابعة من حالة القهر، لقد كانت عملاً من أعمال المقاومة المسلحة، إنها ليست هجوما إرهابياً، وليست هجوماً معاديا للسامية".
وصرحت في عام ٢٠٢٤، في "جامعة لندن للاقتصاد"، أن ما يقوم به جيش الاحتلال هو إبادة جماعية. وأشارت إلى أن عنف الاحتلال يمكن تفسيره بأكثر من طريقة، واقترحت العنف على الطريقة "الفاشية" حينها، ليس، فقط، لأن المستوطنين يتم تسليمهم أسلحة ويصرح لهم التصرف كجماعات خارجة عن القانون، بل لأنهم يكسرون كل القوانين سعياً لنشوة القتل.
وفي محاضرة لها بعنوان "الحياة الهشة"، تتناول، بتلر، كتاب "آيخمان في القدس " للمفكرة، حنة آرندت، الصارد في ستينيات القرن الماضي، الذي يروي مجريات محاكمة الضابط النازي "آدولف آيخمان"، أحد المسؤولين عن المحرقة، وتقول: "بحسب أرندت، لقد اعتقد آيخمان بأنه يحق له أن يختار أي الشعوب يحق لها أن تحيا أو تموت، بهذا المعنى، اعتقدَ أنه بإمكانه اختيار مع من سيتعايش على الأرض". وعلى هذا الأساس، قام بإبادة اليهود والغجر والشيوعيين والمرضى وذوي الاحتياجات الخاصة. لذلك، أي اختيار لمن يمكنه أن يعيش ومن لا يمكنه أن يعيش، يحمل مسبقاً حركة إبادية.
وإذا ما قاربنا ذلك الوضع مع ما يجري في فلسطين، وتحديدا في غزة، فكم من ضابط في جيش الاحتلال، اتخذ قراراً مشابهاً لقرار آيخمان، في قصفه وقتله لآلاف الغزيين، على اعتبار أنهم "حيوانات" ولا يستحقون العيش، كما نادت بذلك أصوات المستوطنين بعد السابع من أكتوبر.
وفي قراءة لنقد الفيلسوفة جوديت بتلر للاحتلال وعنفه في ظل صمت مفكرين وفلاسفة آخرين لهم وزنهم مثل، هابرماس، ومعارضتهم للمقاومة، يرى الفيلسوف التونسي، فتحي المسكيني، أن: "ما قالته بتلر يضع كل تردّدات الفلاسفة أكانوا يهوداً أم مسيحيين تحت ضوء جديد: كلّهم كانوا يخاتلون "معاداة السامية" ويتعاملون مع "المسألة اليهودية" بقفّازات "الانتهازية " الأخلاقية. إنّ قصة اليهودي الناجي من المحرقة قد وضعت سدّا حاجباً على جرائم الدولة الإسرائيلية ضد السكّان الأصليين في فلسطين. ولذلك كلّ ما قيل تحت توقيع "فلاسفة" عن الدولة الصهيونية إنّما كان يتحدّث عن "اليهودي الناجي من المحرقة" وليس عن "الإسرائيلي" المحتّل أو عن الفلسطيني المهجَّر. الصهيونية هي بذلك حجاب سردي يحمي عنف الدولة الإسرائيلية بغطاء قصة اليهودي الناجي من المحرقة. لم يكن الفيلسوف الأوروبي طيلة القرن العشرين، أكان يمينيّاً أم يساريّاً، يستفيد من أيّ مسافة نقدية بين القصّتين: قصة اليهودي الناجي من المحرقة وقصة الفلسطيني المهجَّر".

