Menu

مروان عبد العال في ألوانه المعلقة: النوايا التعبيرية حاضرة

بقلم :الدكتور الفنان محمد شرف / في صحيفة المدن اللبنانية


يُمثل المعرض الذي أقيم في "ملتقى السفير، الحمرا" باكورة معارض الفنان الفلسطيني مروان عبد العال الفردية، علماً أنه كان شارك سابقاً في العديد من المعارض الجماعية. يضم المعرض 24 عملاً فنياً تحت عنوان: "ألوان معلّقة"، وهي تختصر في مجموعها  سرداً تعبيرياً عابقاً بالذكريات ومختلف الأفكار والصور. وتجدر الإشارة إلى أن عبد العال، إلى جانب كونه رساماً، هو روائي وعامل في حقلي الأدب والسياسة، وتتضمن سيرته الشخصية محطات نضالية كثيرة تلتصق في شكل مباشر بالقضية الفلسطينية.  

يذهب معرض "ألوان معلّقة" في اتجاهات عديدة، وما من شك في الإتجاه الرئيس يتمحور حول مسألة الإلتزام الفني، المتعلّق بالقضية التي يعمل الفنان من أجلها. وهو، في الوقت نفسه، وانسجاماً مع المنطلق المذكور، يتلافى كل ما يمت بصلة إلى العبثية، ما يعتبر أمراً طبيعياً في هذه الحالة. ولا بد من القول إن مسألة الصراع بين الإلتزام والعبثية قديمة نسبياً في الفن التشكيلي، علماً أن معالمها لم تظهر في شكل واضح سوى مع التيارات الفنية الحديثة والمعاصرة. 
 
على أن هذا الإلتزام نفسه ذو وجوه مختلفة، لكن من الواضح أنه لا يمكن نسب نتاج عبد العال إلى ذاك الإتجاه العبثي، الذي يبدو غريباً في الحالة الحاضرة. في الوقت نفسه، لم يلتزم عبد العال خطاً واقعياً في المعنى المتداول للعبارة لدى بعض المتلقين للعمل الفني، والذي لا يُفهم دائماً على نحو صحيح لدى الكثيرين. إلى ذلك، يمكن القول أن واقعية الفنان ليست ذات منطلق واحد، ولا يبدو أنها تسير ضمن نهج محدد، أي ما معناه أنه لا يتبع الأسلوب نفسه في أعماله كلّها. هذا الأمر قد يشير إلى أن الأعمال لم تُنفذ خلال فترة زمنية واحدة، بحيث أن اللوحات المعروضة كانت تلاحق الحدث، كما يبدو، وذلك في زمن تتالت الحوادث خلاله على نحو دراماتيكي، وقلّت فيه الأخبار الجيدة حتى كادت تختفي. 
 
أغنية للهنود الحمر

مفردات كثيرة كان من شأنها أن تعتمل في نفس الفنان. تاريخ بدأت فصوله منذ العام 1948 ، ذاك العام المشؤوم الذي من الصعب، بل من المستحيل، أن يُمحى من ذاكرة أي فلسطيني، وحتى أي عربي. أما الفصول التاريخية التي استتبعت الحدث الذي غيرّ حياة سكان فلسطين، ودفع أعداداً وافرة منهم على ترك أرضهم ووطنهم، ومن بينهم عائلة عبد العال نفسها التي ينتمي إليها الفنان، هذه الوقائع كان لها الأثر الأكبر لديه، وخصوصاً أن والده عبد الدايم عبد العال كان من ضمن صفوف هؤلاء. لكن الوالد لم يكن إنساناً عادياً، بل كان رساماً لم يحظَ بشهرة، ولم يعمل من أجلها. هذا، في حين ذاع صيت ابن عمه توفيق عبد العال، الفنان الفلسطيني المعروف على المستوى العربي، وحتى العالمي. 

الهدف واضح في ما ينتجه الفنان، كما أن النوايا التعبيرية حاضرة. وكما نعلم، أو بالأحرى كما تبين لنا التجارب الكثيرة في هذا المجال، إن للتعبير طرقاً قد تفترق في النهج، وتتناقض في بعض الأحيان، لكنها من الضروري أن تلتقي من أجل بلوغ الهدف. تنوّعت النواحي التعبيرية المذكورة، لدى عبد العال، بين تبيان أشكال النضال والصراع مع العدو المغتصب، والفعل المقاوم، مروراً بلحظات سيكولوجية ذات طابع ذاتي، وصولاً إلى جملة من البورتريهات، التي يستند بعضها إلى صور شخصيات حقيقية، وأتى بعضها الآخر ذا طابع مجازي أو متخيّل، ويمكن إسقاطه على رموز نسائية أكثر من سواها. بعض تلك الشخصيات كان ورد في إحدى روايات الفنان المسماة: "جفرا لغاية في السماء"، هذا، كما يصوّر، أيضاً، "أم سعد"، المرأة الفلسطينية التي كان ذكرها في إحدى رواياته غسان كنفاني ، أحد الذين سقطوا في سبيل القضية، ومن أبرزهم.

هكذا، يصبح المعرض الفردي الأول لمروان عبد العال فعلاً نضالياً في حد ذاته، وتنبع أهميتة من كونه قد أتى في لحظة حرجة من محطات الواقع الفلسطيني، بعدما تناساه "الأشقاء"، وتعاملت عليه حكومات ودول. لكن هذا الشعب، المتسلّح بروح عالية، وبصبر أسطوري، لم يتخلَ يوماً عن رسالته ومبادئه، كما أثبتته لنا الوقائع الحاضرة أمام أعيننا في الفترة الراهنة.