Menu

الرفيق مروان عبد العال: العدو لا يستهدف نزع السلاح بل نزع وجود الشعب الفلسطيني

بالصورلبنان: الجبهة الشعبيّة تؤبّن القائدَين أبو خليل وشاح ومفيد حسن

الهدف الإخبارية - بيروت

أبّنت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان الشهيدَين القائدين أبو خليل وشاح عضو اللجنة المركزية العامة، والقيادي الميداني مفيد حسن، واللذين استُشهدا بقصف صهيوني فجر الجمعة الماضي.

حضر الحفل أعضاء من المكتب السياسي، واللجنتين المركزية العامة والفرعية، وقيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، ومسؤولو المناطق، وحشد من الكادر والرفاق والرفيقات وأنصار الجبهة، إضافة إلى ممثلين عن فصائل المقاومة واللجان الشعبية الفلسطينية، والأحزاب والقوى الوطنية والإسلامية اللبنانية، وشخصيات وطنية واعتبارية فلسطينية ولبنانية، وممثلين عن المؤسسات الثقافية والتربوية، والمنظمات النسوية والطلابية والشبابية، وإعلاميين، وأطباء، ومهندسين، وجمهور غفير امتلأت به القاعة.

استُهل الحفل بكلمة لمسؤول المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، الرفيق أحمد مراد، رحّب خلالها بالحضور ناقلًا تحيات الجبهة وقيادتها، متحدثًا عن مزايا الشهيدين، موجّهًا الشكر للحضور، ثم دعا للوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء.


وألقى عضو المكتب السياسي للجبهة، الرفيق مروان عبد العال، كلمة الجبهة الشعبية، حيث استهلها بالقول: "أصدقائي وأحبائي، أهل الوفاء والكرامة، لا قيمة للرثاء في زمن وموسم الشهداء والمراثي ووداع الأحبة، وذاكرة الدم والمجازر التي تدق كل ساعة وبلا حدود، لكن مجلسنا مقام آخر هو لتكريم ووفاء للشهادة الجماعية في غزة وشهداء المقاومة الأبطال على ربوع فلسطين وفي الشتات والمخيمات والمناطق وفي لبنان تحية لشهدائها ولشهداء الجيش اللبناني، وأنيس الشهيد ورفاقه الذين تعرضوا لاغتيال مجرم، وهو اغتيال ليس للحاضر بل للمستقبل، كي تُكتب الجريمة ليس بلغة الضحية بل بلغة القاتل".

Z6yls.jpeg

وأضاف: "كالعادة أبو خليل القائد الشجاع والصديق المخلص، يغادرنا على عجل، وعلى سفر كما هو دائمًا في سفره، لكنه لا يطيل الغياب، يأتي إلى زيارتنا في اليوم التالي كالمعتاد ويقول بلكنته الغزاوية: "اشتقنالكم"، والمرة الأخيرة عاد على عجل، ليلقي نظرة وداع أخيرة على طرق أحبها وجبال عرفها ومخيمات زارها ورفاق أحبهم، وإلى بيروت التي عرف ناسها وأحبوه، وبهدوء ولطف، ليودع موسمًا من سنوات النضال بحلوها ومرها، لذلك سيظل أكبر من كل الكلمات".

وأشار إلى أن أبا خليل نذر عمره من أجل الفكرة التي آمن بها، وعمل فيها بدقة وحرفية وصمت وسرية وتفانٍ منقطع النظير، وحملها من مخيم البريج في قطاع غزة حيث وُلد على سيرة جيفارا محمد الأسود وقصص الفدائيين الأوائل، وقضى حياته أسيرًا ومحررًا ومبعدًا ومطاردًا ومناضلًا عبر القاهرة وبغداد وبيروت ودمشق، وعمل في فرع الداخل المحتل ودافع عن الثورة في محطات عدة في المخيمات والجبل والبقاع والجنوب وفي أماكن كثيرة.


وأوضح أن أبا خليل ومفيد كانا سطرين في كتاب واحد، وأن مفيد هو الظل الأمين لمعظم رفاق الجبهة من القادة ومنهم أبو أحمد فؤاد، وهو ابن الحولة في فلسطين ومواليد مخيم اليرموك، نزح منه سابقًا إلى مخيم البداوي ثم عاد ثانية إلى سوريا، وكانا رفيقين على درب الحقيقة التي لا تُشترى، عزيزين لأنهما حملا القلب خارج الجسد، وبطلين لأنهما جعلا من حياتهما جسرًا للآخرين.

واستشهد عبد العال بقول غسان كنفاني : "ليس المهم أن يموت الإنسان قبل أن يحقق فكرته النبيلة، بل المهم أن يجد لنفسه فكرة نبيلة قبل أن يموت"، موضحًا أن المهم أن يجد الإنسان في أعماق نفسه فكرة نبيلة تستحق أن يعيش من أجلها، وأن يزرعها في قلبه ويمنحها كل نبضة من حياته، فمن دون فكرة ترتفع فوق الذات يتحول الوجود إلى عبث، ويصبح الموت مجرد نهاية بلا أثر.

وأكد أن الفكرة النبيلة التي تتطلب مهمة نبيلة لطالما رددها وقرأها وكتبها كوصية من وصايا نضال عبد العال، والعدو يستهدف هذه الفكرة، فإن يقتل ثم يعلن عن لائحة الاتهام، هذا تبرير لجريمته. والذي غادرنا هي الأجساد، ومن بقي فينا هي الفكرة، والمقاومة فكرة، والفكرة لا تموت. لن تقتلوا الفكرة لأنها نحن.

وبيّن أن هذه الفكرة ترتكز على ثلاث نقاط:

أولًا: فكرة أن تعرف نفسك، تحدي الذات، أن تعرف من أنت ومن تمثل؟ هل أنت مجرد عابر في الحياة أم حامل لقضية من أشرف قضايا العصر، وتعبر عن معنى وجودك في هذا الكون؟ أن تكون فلسطينيًا لا يعني أن تحيا، بل أن تجسد القناعة والانتماء والالتزام، وأن تكون مستعدًا لدفع الثمن. هذا السؤال ليس مجرد تفصيل صغير هامشي في السيرة الذاتية، بل هو جوهر الكينونة وهدفها، وإلا لماذا نضحي بأنفسنا من أجل شعبنا؟ لذلك كانت القافلة الطويلة من الشهداء من سبق ومن لحق، وهذه مدرسة جورج ووديع وأبو علي و أحمد سعدات وغسان كنفاني.

ثانيًا: فكرة المقدرة على الرفض، على القول "لا"، وهذه ليست مجرد كلمة من حرفين، أو مجرد حب للرفض والتمايز، بل هو فعل سياسي بحد ذاته، يعبر عن موقف واعٍ ورغبة في عدم الانصياع لجبروت القوم ولطغيان الظلم ولظروف أو قرارات تُفرض من قوى خارجية أو داخلية. في السياق السياسي، "لا" تعني رفض الاستسلام والاحتلال، وهي بداية القدرة على "النطق"، وبداية التحرر، وهي مؤشر على استقلال القرار والسيادة الشخصية أو الوطنية. "لا" هذه، في زمن الانصياع والخضوع والتبعية، هي التي تعيد التوازن في علاقات القوة، إذ تعطي الطرف الضعيف هامش مقاومة، بداية لكل مقاومة حقيقية ضد الاحتلال، وتحويلها إلى فعل مستمر في مسار وطني تحرري، وليس موقفًا سلبيًا فقط.

ثالثًا: فكرة أن تظل واقفًا، تموت واقفًا، ومن خلال الإجابة الصحيحة عن سؤال "كيف يُقاس الزمن الفلسطيني؟" قد يبدو سؤالًا بسيطًا عند السماع الأول، فهو يوحي إلى قياس الزمن بالوحدات الكلاسيكية كالساعة واليوم والسنة، لكن في ظل تجربة فلسطينية مليئة، فالزمن الفلسطيني هو زمن موقف، لا زمن ساعة ودقائق، زمن يُكتب بالدم أكثر مما يُكتب بالحبر، بل من أعمار حين يقف المرء في وجه الدبابة والجرافة، ويُقصف بصاروخ، وتكون زهرة شبابه في الأسر وفي زنزانة انفرادية، وطفولة تكبر ألف مرة في طريق المدرسة تحت فوهة البندقية. الزمن بالنسبة لنا، لرفاقنا، لفلسطين، يُقاس بقدر أن يصبح زمنًا مرعبًا لهذا العدو، وأن الراية لم تسقط. في فلسطين، لا تسأل: كم عاش الإنسان؟ بل: كم ظل واقفًا.

كما قال عبد العال إنه يوجه ثلاث رسائل في معركة الحقيقة:

الأولى: الوجود أو السلاح؟ خديعة كبرى، وهي جزء من الحرب. لن تتوقف الحرب على غزة إلا بنزع السلاح، وكان سبب الحرب هو السلاح. هذا تبييض لصفحة الاحتلال، ومن يروجها هو من يزود إسرائيل بالسلاح، بل الهدف الأساسي، في البعد والحقيقة، هو نزع الوجود الفلسطيني. الحرب القائمة ليست مجرد صراع على السلاح، بل هي صراع على الحق، والكرامة، والوجود. خديعة نتنياهو ليست إلا محاولة لإطالة عمر الاحتلال تحت قناع السلام الزائف. نهاية الحرب الحقيقية هي بتحرير الأرض واستعادة الحقوق الوطنية، وليس بالتخلي عن السلاح الذي هو أداة الكرامة والحرية. نعم، نكرر: العدو لا يستهدف نزع السلاح بل نزع وجود الشعب الفلسطيني.

الثانية: إن معركة المصطلحات ليست هامشًا في معركة التحرر، بل هي قلبها. عند القول إن هدف الحرب الآن، كدليل للفشل، هو السيطرة على غزة؟ وليس الاحتلال، وهناك من يستورد هذه التسمية ويستخدمها. تسمية الاحتلال باسمه هي الخطوة الأولى نحو عزله ومحاسبته، ولهذا، على الصحافة الحرة وصناع القرار والمجتمع الدولي أن يرفضوا التورط في لعبة الألفاظ هذه: هذا عدوان وحشي وإبادة مستمرة، وإسرائيل قوة احتلال، والواجب هو إنهاء هذا الوضع، لا تغليفه بمفردات مراوغة.

الثالثة: أمام دولة تمارس الهستيريا كونها فقدت روايتها، وحين لا تقبل بوقف إطلاق النار بل تختلق على ذلك، وترفض وقف الحرب، وتدعو لتبرير استمرارها، وكذلك ترفض فتح المعابر والانسحاب، وقبل إقامة الدولة وحق العودة وحق تقرير المصير وحتى مجرد وقف القتل، فإنها ترسل رسالة واضحة: الحل بالنسبة لهذا الكيان المجرم ليس السلام. فأين أنتم يا دعاة "السلام هو الحل"؟ ليس العيش مع الفلسطينيين، بل العيش من دونهم — أي الإبادة هي الحل! وهذا ما يُعرف بمفهوم "الحل الصفري" في الصراعات الوجودية.


وفي ختام كلمته، قال عبد العال: "أتوجه إليكم جميعًا من أعماق قلبي بأسمى آيات الشكر والعرفان على حضوركم الكريم ومواساتكم الصادقة. وجودكم هنا اليوم ليس فقط تعبيرًا عن الاحترام والتقدير لشهدائنا الأبرار، بل هو أيضًا رسالة تضامن وصمود، رسالة تقول إن ذكراهم باقية فينا، وأن دماءهم لم تذهب سدى. نؤكد لكم أن انتصار فلسطين هو انتصار للحرية والعدالة في العالم أجمع، وإن انتصارنا لا يمكن أن يكون إلا بنضالنا المشترك بمقاومة شاملة وبصمودنا المستمر. لقد هُزمت قوى الاستعمار والعبودية سابقًا، وهُزمت النازية والفاشية، واليوم علينا أن نُسقط المشروع الاستعماري الجديد والنازية الجديدة قدمًا حتى نحقق النصر، وحتى نحفظ كرامتنا وحقوقنا. في النهاية، لن نتذكر كلمات أعدائنا، بل صمت أصدقائنا، ونحن لن ننسى من ساندنا وقدم الغالي والرخيص في سبيل قضيتنا. فالروح فينا لا تموت، والنضال فينا لا ينتهي، والغاية النبيلة هي عهدنا الأبدي".

WxfvM.jpeg