لم يعش غسان كنفاني سوى ستٍ وثلاثين سنة ومع هذا فإنه كاتب يعدل مؤسسة ثقافية بأكملها، وإذا نظرنا إلى كتاباته الأدبية وغير الأدبية نحسب أننا أمام كتيبة من المؤلفين وليس كاتباً فرداً، ترك لنا صورة كاتب واظب على الكتابة طوال حياته التي كان يستشعر ربما بأنها ستكون قصيرة، لابد من أنّ هذا الرجل تخلّى عن النوم والعطلات والسفر واللهو ووهب حياته كلها للكتابة وحدها، ولا يُصدَّق أنّ هذا الكاتب لديه وقت آخر ليكتب رواية وقصة ومسرحية ومقالة ودراسة وقصة أطفال ونقداً أدبياً ويرسم لوحة ويقرأ بالعربية والإنجليزية، يقرأ حوالي ستمئة صفحة يومياً!!. كيف يمكن أن نصدق عدد كتبه (ثمانية عشر كتاباً على مدار عقد من الزمن لا غير) وعدد من الأسماء المستعارة التي كتب بها (أبو العز- فارس فارس)!! لابد أنه وجد وصفة سرية لمضاعفة سنوات عمره دون أن يغيّر عددها ليتمكن من إنجاز ما أنجز.
نكتشف لدى قراءة غسان اليوم، أولاً ودائماً، أنه أدرك مبكراً بوعي متقدّم أنّ الثقافة أصل من عدّة أصول للسياسة، وأنه ما من مشروع سياسي دون مشروع ثقافي، وهو الذي أثبت بالبحث والدراسة أنّ الصهيونية الأدبية كانت سابقة ومؤسسة للصهيونية السياسية، وذلك في كتابه الفريد من نوعه "في الأدب الصهيوني"، إذ كان أول مّن تتّبع الأدب العبري المكتوب قبل إنشاء الدولة الصهيونية وناقشه وقارنه بالمكتوب بعد تأسيسها لإيضاح الأساليب المختلفة التي يستخدمها الصهاينة لخدمة أغراضهم، بالحرب والقتل تارة وبالأدب والرواية تارة أخرى، إذ يقول: "ربما كانت تجربة الأدب الصهيوني هي التجربة الأولى من نوعها في التاريخ حيث يستخدم الفن في جميع أشكاله ومستوياته للقيام بأكبر وأوسع عملية تضليل وتزوير تتأتى عنها نتائج في منتهى الخطورة". هذا الجهد الكبير المبذول في هذا الكتاب وغيره بهدف فضح الصهيونية التي لا توفّر شيئاً دون أن توظّفه أداة في إيصال أفكارها، كان كافياً وحده ليقوم الموساد الصهيوني باغتياله في بيروت؛ وكانت سنواته الستّ والثلاثون كافية أيضاً لتجعل العدو والصديق عاجزاً عن إطلاق صفة أو اثنتين قبل اسمه للتعريف بوجوده الضروري والمتعدد في الحياة الفلسطينية.
الموضوعة الكبرى التي تدور عليها السردية الكنفانية هي أنّ موت الفلسطيني لا يكون إلا بموت حلمه، وأنّ أيّ حلم لا يلامس فضاء الوطن هو محض خزّان/ صهريج (تابوت)، أما القاتل الحقيقي فهو كل من يتواطأ على قتل هذا الحلم، وفي مقدمتهم فلسطينيون فقدوا فحولتهم الوطنية، وعرب شاركوا بقيادة الصهريج وسمعوا قرع الخزان ولم يستجيبوا وطاردوا الحلم بالسجون والحصار والحدود، وعقدوا تحالفاً عضوياً مع (الجار الجديد) لأنهم رأوا في هذا الحالم "لواء فكرياً مسلحاً" غلى غرار ما رأت "غولدا مائير" في غسان. ويمكن الحديث بإيجاز عن أبرز مظاهر هذه السردية المضادة التي أسّس لها غسان في أدبه، ومنها: الشتات؛ لأنّ الأدب الفلسطيني بدأ يتلمس إشكالية الشتات منذ اللحظة الأولى التي اصطدم فيها وعي الإنسان الفلسطيني بالنكبة التي تطلبت منه اختيار فعل الارتحال الذي كان في طابعه جمعياً، فجاءت رواية الكتابة الأولى للأسلاف أو آباء الرواية الفلسطينية معبرة عن لحظة الشتات بتكوينه الخام، إذ لم يتكون الإدراك بأنّ هذه التجربة قد تمتد في الزمان والمكان، إنما كان يُنظر إليها على أنها مؤقتة أو طارئة يمكن أن تنتهي في يوم عبر الفعل والإرادة، أي أنه ثمة أمل ما بأنّ هذا الحدث لن يكون جزءاً من قدر محتوم، علماً بأنه حين وقعت النكبة سادت فترة صمت سردي في زمن كانت فيه الرواية العربية في طور التكوين، وفي حين كان الشعر أكثر حضوراً أو اتصالاً بالأزمة، ومع ذلك فإنّ الرواية سرعان ما برزت كي تمارس وظيفتها في حراسة الذاكرة الفلسطينية، ولعلّ هذا يظهر من خلال الاشتغال النصي الذي كان بعيداً عن فعل التأمل للأثر على المستوى البعيد، ولا سيما من حيث إشكالياته على مستوى الهوية واللغة والتنازع الوجودي.
ولاشك أنّ هذه السياقات شرعت تلقي بظلالها على الإنشاء السردي والإيديولوجي للرواية الفلسطينية المعاصرة، وبالتحديد من حيث البدء في قراءة العلاقة بين الإنسان المشتت والأمكنة البديلة، غير أنّ الكتابات الأولى ولاسيما روايات كنفاني تمحورت حول الخروج وإدانته، بما ينطوي عليه من ألم ومأساة، فرواية "عائد إلى حيفا 1965" تُعنى بمعالجة أثر النكبة ومعنى الالتزام بقضيةٍ، مع سرد مختزل لواقعة التهجير، ومن ثم الانتقال للعودة التي تحتمل شكلاً من قيم الوعي بالقضية، فيما تُعنى رواية "رجال في الشمس 1963" الأسبق زمنياً بمقولة ثورية تجاه الخروج، ولعل هذا النمط من التشكيل السردي الذي دشنه كنفاني يمثل علامة من علامات تمثيل النكبة في الرواية الفلسطينية. فغسان بوصفه كاتباً مهجّراً وقع على بعض تلك الملامح لأزمة الخروج والارتحال كونها حالة تنمّ عن الاقتلاع المفاجئ أو البائس، فاستطاع أن يقيم سردية مضادة للشتات عبر محاولة خلق تمثيلات إنشائية معاكسة تتصل برفض هذا الناتج، مع الاستناد إلى خطابات المقاومة التي تُعلي من شأن الكفاح. وهذا النهج السردي الرمزي يحيل إلى تقويض إشكالية الاقتلاع، وبقاء قيمة العودة حاضرة بوصفها أملاً قريب التحقق، وهكذا نجد أن عين غسان تبقى موجهة نحو المقاومة والاحتفاء بها، ولعل عبارة "أبو سعد" تختزل هذا المنظور حين قال: البارودة مثل الحصبة تُعدي". في حين أن خيمة الفدائي تختلف عن خيمة اللاجئ المستسلم لنكبته.
أمّا منظور كنفاني للمخيم فهو مختلف؛ لأنّ المخيم ولاسيما في رواية "أم سعد" لا شيء سوى "حبس كبير" وكل شيء خارج فلسطين يغدو سجناً كبيراً يعني الاستسلام، ولم يكن الشتات سوى تجسيدٍ متحققٍ لفقدان الحرية والتسليم بالهزيمة، وهنا نكتنه مفهوماً معقداً لمعنى الشتات، فالكثير من المشتتين سوف يشعرون هذا الإحساس الذي التقطه كنفاني ولكن دون البحث في تداعيات الشتات على الشخصية الفلسطينية في سياقها المعاصر الذي غدا أكثر تعقيداً وتحديداً بعد مرور أكثر من سبعة عقود، لقد طرأ تحوّل على هذا المفهوم حيث شرع النهج الواقعي في إدراك أنّ ثمة حاجة للنظر إلى التصالح مع الأوطان الجديدة مع التأكيد في الأدبيات الفلسطينية على عدم التنازل عن حق العودة. والمنفى يعيد تشكيل اللغة ووعينا بمعنى أن نكون الطارئ ونتوق إلى العودة، ولا ريب أن "أم سعد" مازالت ترفض المخيم واللجوء وترغب في العودة إلى حيث ذهب ابنها، وترغب في التخلص من هذا الوحل الذي علقت فيه، وهي دلالة واضحة تنهض على تجسيد حياة الفلسطيني في الشتات. كما يتضح عبر قراءة أسلوبية مركزية تنهض على قوة الأمل بالعودة التي تتكرر في أكثر من موضع من روايات غسان، وهذا يحضر بموازاة الرغبة في التدوين وكتابة المعاناة وتجسيدها لتكون مروية، وفي السياق نفسه نتلمس ذلك الإحساس الجمعي بالمعاناة والتعاطف، وهو أحد أبرز مميزات خطاب الشتات وملامحه سردياً.
إنّ مصائر شخصيات كنفاني في الشتات يحكمها منظور كئيب مرفوض، بل إن الطريق إلى الشتات محكوم بالموت، وأي محاولة للبحث عن نموذج حياتي بديل لا يحتكم لوجهة فلسطين فإنّ مصيره سيكون الفناء، وهنا نقع على قيمة إيديولوجية عميقة في التكوينات المؤسسة للمروية الشتاتية من منظور غسان وهي تصلح لأن تعيد فهم خطاب الشتات وتحوله في الرواية الفلسطينية المعاصرة التي بدت واقعة في مجال بيني قوامها تلك النزعة للرفض والمقاومة والتشبث بحق العودة بالإضافة إلى كتابة تتسم بواقعية السياقات التي وجد الفلسطينيون أنفسهم فيها.
خلاصة القول، إنّ مكانة كنفاني تتميز في كونه السارد الفلسطيني لمرحلة التهجير واللجوء والشتات، وتشكُّل سؤال المقاومة الذي تجاوز خطاب التفجع والبكاء وانتظار إغاثة. فأبرز في كلّ ما كتب تماهي ذاتية المثقف مع التجربة الجمعية، هذا المثقف الذي يعي أسباب نكبته ويعرف أكثر ماهية الصهيوني الذي يواجهه "اعرف عدوك" وهذه المهمة لا تستطيع أن تقوم بها إلا ثقافة في مفهومها النقدي المتجاوز لما هو سائد تقطع الصلة مع القيم البالية دون أن تحترق أجنحة الفن في كتاباته.
وربما ما يقوم به أحفاد غسان الآن في الطوفان هو تصحيح الخطأ، فلم يدقوا جدران الخزان فحسب بل فجروه ولم ينتظروا أن يسمعهم أحد أو يستجيب لهم أيٍّ من أبي الخيزرانات المنتشرين في فلسطين والوطن العربي؛ لأن نكبة 1948 ما تزال مستمرة وفصولها ما زالت مفتوحة بلا أي تغيير وبلا أي هوادة، فكيف يدرك الذين يدينون المقاومة أن هذا الاحتلال الإحلالي غير مسالم، ولم يمرّ يوم منذ عام 1948 لم يُقتل فيه فلسطيني إلا بسبب فلسطينيته، وكل الروايات والقصص والأشعار التي كُتبت وستُكتب ستحرم العدو من أن يمارس محوه للذاكرة الفلسطينية.
لقد تصدّى كنفاني بقوة إلى لغة "الندب" والبكاء والتشكّي والعويل الذي اتصف به بعض كتابات النكبة والشتات، ودعا إلى التوقف عن الكتابة بهذه اللغة؛ لأنّ فلسطين لا تعرف إلا شيئاً واحداً فقط هو المقاومة، وكل الإجرام الصهيوني لا يمكنه أن يقتل هوية الإنسان الفلسطيني المقاوم، هذه الهوية التي تحتاج إلى مَن يثبّتها باستمرار إزاء محاولات تذويبها، وهو ما انعكس بشكل سلبي على حضور فلسطين في الكتابات الأدبية منذ أمد ليس بالقصير، فالأدب المقاوم الذي كرّسه كنفاني فعلاً وتنظيراً في كل ما كتب، انزوى بعيداً عن أعين محبي أدب الكتابة الذاتية والنصوص المائعة الماسخة المراوغة. وصار الأدب المقاوم شيئاً من الماضي تماماً مثلما ينظر البعض إلى القضية الفلسطينية كشيء قديم انتهى مع عصر التطبيع الإبراهيمي والسماوات المفتوحة والمواطن العالمي.
إنّ أحفاد الذين يكتبون الآن من مسافة صفر أعادوا للأدب المقاوم وهجه، وأزاحوا ما أصابه من تهميش وإقصاء إثر عمليات التطبيع، واتخذوا من الركام الذي يطرحه هذا الواقع الكارثي منبراً عاصفاً للتحدي، ليس فقط لأنهم أدركوا المعايير الفنية والجمالية التي تحكم الأدب، بل لأنهم أيضاً كما قال نايف صالح سليم أحد شعراء المقاومة في الأرض المحتلة الذين عرّفنا إليهم غسان كنفاني منذ زمن بعيد: ليس ما تنزفه يا قلمي بعضَ حبر... إنما بعضُ دمي. وكل كتابات أدباء غزة الذين استشهدوا في حرب الإبادة الثقافية الراهنة يؤكدون أنّ الدم والحبر وحدهما عنوان الثقافة الأصيلة المشتبكة وما عداها زيف وتدليس.

