الكلمات... كانت رفيقتي الوحيدة.
الآن، حتى هي تتضور جوعًا.
اليوم الأول... أو العاشر؟
فقد الزمن نبضه، وتحوّل إلى خفقة بطيئة في شراييني،
خائنة... تذكّرني بما تبقّى منّي.
كانت يدي ترتعش فوق الورقة الخاوية.
القلم ثقيل كصخرة.
والحبر... يتدفق بتردّد مريب، كأنّه يحتضر.
"يوميات جائع"
كتبتها بخط مائل كجثة ملتوية، ثم توقفت.
الكلمات تهرب.
تفرّ من رأسي كأسراب مذعورة،
تترك فراغًا صاخبًا...
صدى قهقهات لا أدري أهي مني، أم من الجدران التي بدأت تتنفس؟
النافذة...
شقّ ضيق في الجدار،
لا تكشف إلا عن لون رمادي باهت،
وشريط سماوي نحيل، لا يُرينا الشمس، بل يلمّح لها فقط.
بالأمس... أو الشهر الماضي، لا أدري
كنت أرى بستانًا، تفاحًا ناضجًا، عنبًا يتدلّى.
كنت أغمض عيني... أتذوقه.
لكنني حين أفتحها،
أجد الجدار يسخر من جوعي.
أصوات.
طقطقة...
ربما لأوراق تسقط خلف الجدار.
ربما ضحكات الأشجار التي شبعت.
أقسم أنني أسمعها.
جسدي... خريطة نَحْتَها العظم.
كل ضلع حكاية.
كل مفصل أنين.
أصابعي — التي كانت ترقص على لوحة المفاتيح —
أصبحت أغصانًا جافة،
تئن مع كل ارتعاشة.
الألم... لا ينام.
يتنقل من خلية لأخرى كمتسوّل يوقظ الأرصفة.
كتبت عن الجوع.
عن الفقر، عن المقهورين.
ظننت أنني كنت أكتب جيدًا.
يا للسخرية...
الآن الجوع يكتبني.
كل رعشة... فصل.
كل نبضة... عنوان فرعي.
كل هلوسة... مجاز جائع.
على الحائط، علامات محفورة بأظافري.
ليست أيامًا، بل كدمات زمن.
يومٌ قرعت فيه الريح النافذة كأنها رسالة.
يومٌ سقط فيه القلم على الأرض، ولم يرفع.
يومٌ حاولت أن أكتب: "خبز".
الخبز...
كلمة من خمسة أحرف، لكنني رأيتها كجبل.
رائحتها...
قشرتها...
دفؤها بين اليدين...
تخيلت طراوتها،
لكنني حين بلعت لعابي، وجدت فمي يابسًا كرماد.
رأيت على الأرض قطعة خبز.
كأنها حقيقة.
زحفت.
بقاياي تزحف...
وحين اقتربت،
تحوّلت الخبزة إلى حجر
سقط على صدري.
هلوسات؟
ربما.
وجوه،
امرأة تبتسم.
ضحكات أطفال...
ثم تتشوه الصور،
وتصبح كائنات تتهامس بلغات لا أفهمها.
طرق على الباب.
لا! ليس طرقًا...
إنه صوت مذياعٍ خافت من بعيد.
"... موجات برد تجتاح البلاد... ارتفاع في معدلات الفقد... تقارير عن كاتب مختفٍ منذ أيام..."
أدرت رأسي ببطء نحو الباب.
سقط القلم من يدي.
تدحرج كمن يهرب.
يرفض أن يوقّع على هذه النهاية.
ثم...
انفتح الباب على صرير ثقيل.
يد، لا وجه.
تحمل طبقًا من الخبز الطازج،
تتقدمه رائحة دافئة.
اقتربتُ — لا أدري كيف —
أمسكت الطبق بشراسة.
لكن اليد سحبته ببطء.
كأنها تختبر ذُلّي.
سقطت ورقة صغيرة.
بصعوبة، فتحتها.
كانت بخط أنيق، مرتب، بارد:
"شكرًا لك على هذه اليوميات.
لقد كانت مصدر إلهام رائع لروايتي الأخيرة.
أصبحتُ ثريًا بفضلك.
تفضل هذا الخبز...
مكافأة لك، على أنقاض روايتك."
الصمت عاد.
لكن الآن، لا يصرخ.
بل يضحك

