Menu

أدب الشتات المقاوم

محمود أبوحامد

نشر في مجلة الهدف العدد (73) (1547)

أم سعد علمتنا كيف يجترح المنفى مفرداته

 

غسان كنفاني : أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.

 

محمود درويش: المسعى الأهم لكنفاني هو ذلك المتمثل في ترسيخ أسس ولادة الفلسطيني الجديد..

 

اكتملت رؤياك، ولن يكتمل جسدك. تبقى شظايا منه ضائعة في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق. ليست أشلاؤك قطعاً من اللحم المتطاير المحترق. هي عكا، وحيفا، و القدس ، وطبريا، ويافا. طوبى للجسد الذي يتناثر مدناً".. هكذا رثى الشاعر الراحل محمود درويش صديقه غسان كنفاني الذي تم اغتاله على أيدي الموساد في العاصمة اللبنانية بيروت.

 

أشلاء رجل في الـ36 من عمره، متناثرة على الأشجار، وجثة متفحمة لطفلة تبعد 20 متراً عن سيارة انفجرت للتو.. هذا كان المشهد الأخير من حياة الأديب والمناضل الفلسطيني غسان كنفاني، الذي اغتيل من قبل الموساد الإسرائيلي في 8 يوليو 1972 بانفجار سيارة مفخخة في العاصمة اللبنانية بيروت، وقد كانت برفقته ابنة أخته "لميس".

 

ورغم أن إسرائيل لم تقدم اعترافاً رسمياً بتنفيذ عملية الاغتيال تلك، فإن جميع أصابع الاتهام تتجه نحوها، وفي مكان الانفجار عثر المحققون على قصاصة ورق عليها شعار إسرائيل، نجمة داود السداسية، وكتب عليها ” مع تحيات سفارة إسرائيل في كوبنهاجن”، واذا كانت اسرائيل رسميا قد التزمت الصمت فيما احتفلت صحافتها بموت "إرهابي كبير " على حد تعبيرها، فإن شخصية القتيل ووقائع القتل لا تترك مجالاً للشك في هوية القتلة.

 

 

 

اغتيال وطن

 

مما قاله غسان كنفاني على لسان شخصية سعيد في رواية "عائد الى حيفا": أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله.

 

كيف يقنعنا الزمن، بكل عقوده وقرونه وسنواته التي قدّمها أدلة ووثائق ومستندات، بأن الوطن مات مرة بالاحتلال، وأخرى بالاغتيال، فصار علينا أن نصدّق أن صاحب "السرير رقم 12" قد مات فعلًا.

 

ولئن صدّقنا، فإن الصدمة ذات فصول أخرى؛ لأن علينا، بعد ذلك، أن نصدّق أن إسرائيل هي من اغتالت غسّان كنفاني عام 1972. وهنا علينا أن نتأنّى طويلًا قبل أن يحملنا الغباء على التصديق، وإلا فإن أول من سيهزأ بعقولنا هو غسّان ذاته، وقد نحتاج إلى أزيد من 1967 عامًا لكشف القاتل الحقيقي، إذا لم نتتبع دليل الإدانة الذي رسمه غسّان في مسارات قصصه ورواياته ومصائر أبطالها ليدلّنا عليه.

 

ربما أراده لغزًا من ألغازه التي لا يتقن الإجابة عنها سوى المفتونين ببرتقال حيفا على غراره، غير أن غسّان لم يترك محضر التحقيق مفتوحًا، عبثًا، في رواية "الشيء الآخر"، لأنه كان يريد منا أن نبحث عن ذلك "الشيء الآخر" المجهول، المتواري، لكن المحرّك فرق الاغتيال. ومن ثم إذا عرفنا من قتل ليلى الحايك في الرواية، سنعرف من قتل غسّان كنفاني على أرض الواقع.

 

صحيحٌ أن أضلاع مسدس الاغتيال لا تكتمل بغير ضلع "الموساد"؛ لأننا نعرف أن إسرائيل التي تسبقنا بخطوةٍ دائمًا، درجت على تبنّي نهج "الأمن الوقائي" ليبقى ميزانها العسكريّ متفوقًا على "جيرانها" كما تسميهم. ولكن ما لم نكن نعرفه أن دائرة "الأمن الوقائي" الإسرائيلية كانت تشمل المثقفين، أيضًا، فجاء غسان فاتحة أولى، ثم تلته أسماء أخرى، وصولًا إلى ناجي العلي . فما الذي جمع بين هؤلاء وخشيته إسرائيل؟ علمًا أن الإجابة هي الخيط الذي يقود إلى "الشيء الآخر"، أو القاتل "الآخر" إن شئنا الدقة، كما شاءها غسّان.

 

النهايات المفتوحة

 

ربّ قائل إن غسّان كنفاني مولعٌ بالنهايات المفتوحة. ولذا لن يفلح محقق، مهما بلغ ذكاؤه، في كشف القاتل. وهي وجهة نظر لافتة، غير أن من يقرأه كاملًا غير مجزوء، سيعرف أن خواتيمه متحرّكة من عمل إلى آخر، في صعودٍ دراميّ مثير، فرجال الشمس الذين لم يطرقوا جدران الخزّان طرقوه فعلًا بعد ذلك، والحلم الذي لم يكتمل بوصولهم إلى الكويت ، أو "بلد الثروات" الذي كان في أذهانهم، وصل إليه حفيدهم سعد الدين، حين سافر إلى "بلد اللؤلؤ"، غير أن الحلم تضاءل ثانيةً ليصبح رهانًا على لؤلؤةٍ في جوف محارةٍ على رصيفٍ مبلول، وليموت صاحب الحلم في جوف المحارة، كما مات أسلافه في جوف صهريج .. وفي الحالين، كان الميّت الحقيقي هو حلم الفلسطيني خارج وطنه، وأيّ عيش سواه لن يكون إلا بمصادفةٍ تشبه الصّدَفة.

 

ذلك هو الشطر الأول من ركني الجريمة: "الميّت الحقيقي". كان غسّان يريد أن يقول إن موت الفلسطيني لا يكون إلا بموت حلمه، وبأن أي حلم لا يلامس فضاء الوطن هو محض محارة أو صهريج.

 

أما الشطر الثاني أو "القاتل الحقيقي"، فهو كل من يتواطأ على هذا الحلم، وفي مقدّمتهم فلسطينيون فقدوا فحولتهم الوطنية، كأبي الخيزران وغيره، وعرب شاركوا بقيادة الصهريج (التابوت) وسمعوا قرع الخزّان ولم يستجيبوا، وطاردوا الحالم بالعصيّ والهراوات والسجون والحصار والحدود، وعقدوا تحالفا عضويًّا مع "الجار الجديد"، لأنهم رأوا في هذا الحالم "ألوية فكرية مسلحة"، على غرار ما رأته غولدا مائير في غسّان. كان تحالفًا مشتركًا ضدّ حلم عظيم حمله شعب مهجّر إلى أبعد محارات الأرض، وفي القتل تبادل أدوار؛ لأن المصلحة مشتركة، ولا فرق بين الموساد وأجهزة اغتيال عربية، وما تخشاه إسرائيل هو عين ما تخشاه أنظمة عربية.

 

هل بعد كل هذه الأدلة الدامغة، ما زلنا نصدّق أن إسرائيل هي من اغتالت غسّان كنفاني، أم علينا بدء تحرّياتنا الفعليّة عن القاتل الحقيقي أو ذاك "الشيء الآخر"؟ وقبل هذا وذاك: أتُرانا صدّقنا أن غسّان كنفاني قد مات؟.. ما أكذب الزمن!

 

 

 

إشكالية الشتات

 

يمكن القول بأن الأدب الفلسطيني بدأ يتلمس إشكالية الشّتات منذ اللحظة التي اصطدم فيها وعي الإنسان الفلسطيني بالنكبة، التي تطلبت منه اختبار فعل الارتحال الذي كان في طابعه جمعيا، فجاءت روايات الكتابة الأولى للأسلاف أو آباء الرواية الفلسطينية، معبرة عن لحظة الشّتات بتكوينه الخام والمبدئي، إذ لم يتكون الإدراك بأن هذه التجربة قد تمتد في الزمان والمكان، إنما كان ينظر لها على أنها مؤقتة، أو طارئة يمكن أن تجهض، وأن تنتهي في يوم ما عبر الفعل والإرادة، أي أنه ثمة أمل ما بأن هذا الحدث لن يكون جزءاً من قدر محتوم.

 

ولعل هذا يظهر من خلال الاشتغال النصي الذي كان بعيدا عن فعل التأمل للأثر على المستوى البعيد، ولا سيما من حيث إشكالياته في السياقات ما بعد الكولونياليّة ضمن مستوى الهوية، واللغة، والتنازع الوجودي، باستثناء فقط تقديم مبدأ المقاومة على غير ذلك من المستويات، وإن امتثلت تلك الأعمال لبعض القضايا الأقل جوهرية، غير أن هذا لا يمنعنا من التسليم بأن التكوين الخطابي السردي بدا متنافرا مع الأعمال اللاحقة التي نتجت بعد سنوات أو عقود من تحقق النكبة، وتتمثل بتولد قناعات بأن العودة باتت صعبة، ولا سيما في ظل تراجع المشروع التحرري الوطني القائم على المقاومة، واستبداله بنهج السلام الذي أتاح عودة قطاعات محدودة من القيادات، في حين أن معظم الشعب الفلسطيني ما زال قابعا في المخيمات يراقب تفكك الثوابت الوطنية القائمة على حق العودة، والقدس نتيجة مغامرة اتفاقية أوسلو.

 

 

 

الأمكنة البديلة

 

لاشك في أن هذه السياقات شرعت تلقي ظلالها على الإنشاء السردي، والأيديولوجي للرواية الفلسطينية المعاصرة، وبالتحديد من حيث البدء في قراءة العلاقة بين الإنسان المشتت والأمكنة البديلة، غير أن الكتابات الأولى، ولا سيما روايات غسان كنفاني تمحورت حول الخروج بما ينطوي عليه من ألم ومأساة، فغسان كنفاني بوصفه كاتباً مهجّراً، وقع على بعض تلك الملامح لأزمة الارتحال، بوصفها حالة تنمّ عن الاقتلاع المفاجئ واليائس، فاستطاع أن يقيم وضعية مضادة للشتات عبر محاولة خلق تمثيلات إنشائية معاكسة تتصل برفض هذا الناتج، مع الاستناد إلى خطابات المقاومة التي تعلي من شأن النضال، على عكس الكتابات التي نشأت بعد أوسلو، ومن أهم ما يميزهاعلى مستوى الثيمات والتوجهات- هذا الشروع نحو البحث عن قيم الاندماج والتكيف، في حين أن روايات غسان كنفاني تناقض هذا النهج، ومن ذلك رواية « أم سعد»، ولاسيّما عبر شخصية «أم سعد» التي تتخذ من المخيم فضاء لرؤية الشتات، حيث نرى من خلالها معاني اللجوء مجسدة. ففي مفتتح الرّواية تحضر أم سعد معها «عرق دالية» كي تزرعه في المخيم. هذا النهج السّردي الرمزي يحيل إلى تقويض إشكالية الاقتلاع، إذ تبقى قيمة العودة للوطن حاضرة، بوصفها أملا قريب التحقق، فأمل العودة يبدو معقولا، أو أنه ما زال قائما في الوعي القريب، وهكذا نجد أن عين الروائي تبقى موجهة نحو المقاومة، والاحتفاء بها، ويتجلى هذا في توصيف الأفراد الذين يرتدون الكاكي المدججين بالسلاح، ما يعد نوعا من نفي الإهانة، والفقر نتيجة الخروج من فلسطين. ولعل عبارة «أبي سعد» تختزل هذا المنظور حيث يقول: «البارودة مثل الحصبة، تعدي»، في حين أن خيمة الفدائي تختلف عن خيمة اللاجئ، والمستسلم، وهنا

...