(افتتاحية اليوم الثاني من ملف ناجي العلي (المحور عالم الكاريكاتير) على موقع ma5tv الثقافية في المغرب)
كانت الريشةُ هي الأحبّ إلى قلبه والأقدر تعبيراً عن مكنون وجدانه الثوريّ، فرسم أكثر مما تحدث، ولا يعرف الناس عنه سوى حقيقتين: رسوماته، واستشهاده، أما ناجي العلي الإنسان البسيط اللاجئ والمبدع فلم يعرفه سوى قلّة، ومنهم حنظلة الذي كان لسان حاله حول الأحداث المختلفة، فأصبح العلي بشخصية حنظلة ضمير الشعب، متمثلاً أديب الثورة الفلسطينية الشهيد غسان كنفاني في رؤيته لما سيكون عليه المستقبل المحفوف بالمصاعب والمخاطر في كل أحياء وأزقّة المخيمات الفلسطينية وفي كل مكان تواجد فيه الفلسطينيون، حيث رسم مشهدية اللاجئين بكل صدق ووضوح، وشدَّد على معاناتهم في مخيمات الشتات، فكانت أيقونات كاريكاتيرية شاهدة على زمن الظلم والاحتلال الذي ليس له حل حسب تعبيراته إلا المقاومة المسلحة وقد ترجمت أولى لوحاته هذا التعبير، حيث رسم خيمة على شكل هرم تخرج منها يدٌ قابضة على شعلة نارية كأنها راية تطالب بالثأر والتصميم على النصر والتي نُشِرت في مجلة “الحرية” (أيلول/١٩٦١) وهو ما جعل غسان كنفاني يكتب عنها: “صديقنا الفنان ناجي العلي لا يجد خيراً من الكاريكاتير ليعبّر عما يرتجف في نفسه، وقد لا يعلم أن الحدة التي تتسم بها خطوطه وأن قسوة اللون الراعبة وأن الانصباب في موضوع معين يدلل على كل ما يجيش في صدره بشكل أكثر من كافٍ وهو يحمل إلينا قصة فلسطين لا ما حدث منها ولكن ما يجب أن يحدث لكي يعود الذين شُرّدوا من ديارهم إلى خير الأرض والوطن”.
تفرَّد ناجي العلي بإبداعه شكلاً مستجداً ومستحدثاً مع كل نتاج بشكل يختلف عن سابقه، حيث كان شكل كل لوحة ومضمونها يختلف عن غيرها بحسب ما يفترضه الموضوع والمعالجة من إبداع يتناسب وروح الواقع، فتختلط الخطوط المرسومة مع المفردات والمعاني مما يشكل حساً عميقاً ومنسجماً يؤثر بشكل مباشر في مستوى التفاعل التبادلي، حيث يربط خطوطه السرية بين المبدع والمتلقي، وكان هذا التفاعل المحسوس واللامرئي هو سرّ حضوره الدائم رغم الغياب وسر انشغال الدارسين ومتذوقي الفن والباحثين بنتاجه مما جعله أيقونة فريدة في نيل إعجاب البسطاء من الناس والنخب من أهل الفن والأدب والثقافة والنقاد، حيث خطَّ لوحة ركائزية في معادلة الفن العربي الثوري (فن الكاريكاتير) وجمع بين أصالة عميقة وشكل حداثوي ومضمون ثوريّ وعمق فني، وبما أن ناجي العلي قد فهم فحوى تداخلات كل ذلك وانصهارها في فهمه النقدي فقد شكَّل ذلك فرادة ليس فقط على اللوحة المنجزة إبداعياً وإنما على احتفائه بالمضمون ورؤيته للمستقبل مما أفرز رؤية فلسفية استشرافية عميقة لم يلحظها الكثيرون من معاصريه، لذلك لم تكن رسوماته خطابات سياسية بقدر ما كانت رسائل فريدة وربما غريبة كما في إحدى لوحاته، حيث تنظر فاطمة بعيون دامعة لزوجها الذي يقرأ الصحيفة التي تتحدث عن اقتتال الأخوة ودور النفط في المعركة: “حاجة تقولي الدم ما بيصير مية.. صار زفت” وفي لوحة أخرى حيث يتنازع طرفان على قطعة من قماش، أحدهما يتمثله بعض الرجال العرب المطبّعين الذين يريدون أن يصنعوا منها علماً أبيض للاستسلام، والطرف المقابل امرأة فلسطينية وحيدة تنازعهم القطعة القماشية لتصنع منها كفناً لأخيها الشهيد، وهذا ما يتجلى حالياً في حرب الإبادة الصهيونية في غزة والتي تتزامن والذكرى 38 لاستشهاد ناجي العلي.
رأى ناجي العلي المراحل القادمة كما هي، وأدرك أن الرفض يشكّل مقدمة لتجاوز المرفوض، وعلى الرغم من تمسكه بعروبته وفلسطينيته إلا أنه كان مختلفاً مع أغلب الأطر السياسية لا لكونه فناناً له خصوصية الرؤية وإنما رفضه للمراوغة والركون والخطاب الانبطاحي والخشبي اللفظي، ومن هنا كانت أعماله مميزة بأشكالها وتعبيراتها دون أن يكون متطرفاً يوماً بقصد الشتيمة لأحد دون الآخر وإنما تقديراته وما استشعره من خطورة الحالة الفلسطينية والعربية جعلتْه يلعنها ويشتمها، وقد كانت الموهبة الاستشرافية لديه بمثابة المدماك في البناء الذهني الذي انعكس فنياً وثورياً على نتاجه، وقد عاش تجربة غنية بهذا الشأن.
نجح العدو في اغتياله ولكن هل نجح في تغييبه؟
منذ رسوماته الأولى وحتى اللحظة الراهنة نشأت أجيال فلسطينية متعاقبة في مدرسة ناجي العلي شاهدوا وعاشوا تجربته المميزة وتشرّبوا روحه النضالية العالية ورددوا معه مقولته “الطريق إلى فلسطين ليست بعيدة ولا قريبة.. إنها مسافة الثورة”.

