Menu

الفلسطيني وفلسطين في رواية (عن أفياء والعهن) لأيمن الحسن

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

نادراً ما تخلو روايات وقصص الروائي والقاص السوري أيمن الحسن من فلسطين والفلسطينيين, لكن شكل وكيفية الحضور هو الذي يختلف ما بين رواية وأخرى, وما بين مجموعة قصصية، وأخرى، فالفدائي الفلسطيني في زمن المقاومة في لبنان, والاجتياحات الصهيونية, يختلف حضوره وحضورها عن زمن التسوية السياسية، والحضور الإنساني الفلسطيني لبعض الشخصيات أو شخصية أخرى, في الرواية الجديدة "عن أفياء والعهن حي المشتل2003", الصادرة في العام الجاري عن دار بعل.

تتحدث الرواية عن مجموعة من الأصدقاء يعيشون في دمشق خلال فترة الإعداد للاحتلال الأمريكي للعاصمة العراقية بغداد أي منذ العام2003, بوجود العراقية, ونهلة, وأكرم, وقصي, والمهندس رامز, وهم زملاء في حب القراءة وتعاطي الأدب.

في إحدى اللقاءات يخرج أكرم قصاصة ورق من جيبه يقرأ منها:( يا أصدقائي: لن تضيع ينابيعي وسط جفافكم, لأنني أبحث عنها في داخلي, ليطمئن إليها قلبي المتكسر على شطآن بحاركم المتصارعة من حولي على الدوام, أيها العرب, (على هذه الأرض, سيدة الأرض, ما يستحق الحياة" كما يقول شاعرنا محمود درويش.)

 

حضور فلسطيني:

يتخذ الحضور الفلسطيني شكلاً جديداً في التعبير عن التراث الفلسطيني, ويبدأ ذلك من خلال سؤال أكرم للمجموعة - هل تعرفون معنى كلمة ببيلا؟, ثم ينظر إلينا واحداً واحداً, ويقول: ببيلا تعني باب إيلا, أي باب القدس . يا أخوان,-فلسطين ليست قطعة من الجنة, مثلما يصورها الحالمون. أو أرضاً مقدسة, كما في الديانات كلها. ولكنها أرضنا التي هي وطننا. أيا كانت, ولا نرضى فصلها عن الواقع المصنوع من حياة بشر, عاشوا على أرضها منذ آلاف السنين. ومازالوا يعيشون حتى الآن, فلئن كانت الممارسة النضالية أوصلتنا إلى قول الشاعر نزار قباني:" إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة البندقية", فلقد تناسينا جوانب النضال الأخرى, إذ نخطئ حين نقول: إن صورة بلادنا ترسمها فحسب البندقية والرشاش والمدفع, وحتى الطائرة أي باختصار السلاح. وإلا فأين الجذر الإنساني لهذا الصراع؟, من خلال الدفاع عن التفصيلات الصغيرة في فلسطيننا الغالية كالحب, والطفولة, والفرح, والورد, مقابل ما يقوم به عدونا من كراهية, وقتل للأطفال, وفرض الحزن علينا حين يلزمنا بتهديم بيوتنا بأيدينا إذا خرج منها مقاومة؟!.

إذن على المقاومة الفلسطينية أن تسير على رجلين: واحدة بالسلاح, والأخرى بالجمال الإبداعي, فالقصة, والشعر, والمسرح, والرواية, واللوحة التشكيلية, والأغنية, وغيرها من الفنون كلها أسلحة أيضاً.

فنحن بالأخلاق الرفيعة نتأبى استهداف الأطفال والمدنيين مقابل مجازر يقوم بها عدونا. الذي يمارس أخلاقاً عدوانية وعنصرية ضدنا, فمعركتنا معه متنوعة, ولا أقل من أن ننتصر عليه في معارك الأخلاق الإنسانية النبيلة.

لأننا أبناء حضارة كنعانية, تمتاز بأخلاق أبنائها الرفيعة مقابل وحشية, وعنصرية عدونا. باختصار صراعنا مع "اليهود" ليس على المكان فحسب. لأن لديهم عشقاً لهذا المكان أيضاً. بل هو صراع على الأرض, والجمال, والقيم الإنسانية, ونحن- أقصد أبناء البلد- إذ نقاوم فإننا نطالب بحكم ذاتي ثقافي على أرضنا. يا إخوان.

ويوسع أكرم من الحضور الفلسطيني الثقافي في الحديث عن الشاعر خالد حسين المعروف ب"خالد أبو خالد", إذ يقول كان أبي يحبه, ويجلسني في حضنه, وهو يشاهد برنامجه عبر التلفزيون السوري. وقد عرفني إليه:"- هذا شاعر من فلسطين. أبوه الشاعر القسامي محمد صالح الحمد, وكان الناس يلقبونه( أبو مصطفى الشامي) لكثرة مجيئه إلى الشام. وقد استشهد في ثورة1936, يا أكرم".

ويودع الشاعر جمهوره من خلال الشاشة الصغيرة ملوحاً ببندقية الكلاشينكوف عالياً:-أنا ذاهب إلى حيث يجب أن أكون, إلى الأغوار حيث النهر المقدس لأكون مقاتلاً مع رفاقي الذين سبقوني من أجل استعادة البلاد الحبيبة فلسطين. ومن أجل أن أنال شرف الشهادة.

ويسرد أكرم حكاية أبيه مع الشاعر " كانت كلمات الشاعر تتدفق من فمه شلال نار. وقد ذهب فعلاً إلى الأغوار في الأردن, ومضى بعده أبي الذي كان يعشقه حد العبادة, ثم جاءنا خبر استشهاده في عملية فدائية جريئة, وبقى جسده هناك في الأرض المحتلة".

ويعمق الروائي سيرة أكرم من خلال توضيحها" نزح أكرم من مدينة القنيطرة التي لجأ إليها من إحدى قرى الجليل الأعلى مع أمه وأبيه. وجاء بعد هزيمة حزيران ليسكن في بنايات مساكن برزة التي كانت على العظم تلك الأيام. ولم تسمح القيادة لأحد من أصحاب هذه البنايات بإلزام ساكنيها الإخلاء بالقوة. كما جرت العادة سابقاً, وما زالت هذه المساكن تسمى بنايات النازحين حتى الآن".

ويقص أكرم حكاية جده الذي بقي في الأرض المحتلة فلسطين وهو يبعث له الرسائل عبر الأردن إلى صندوق بريده في جامعة دمشق, كلية التربية. وأنه يردد دائماً "نحن بخير طمنونا عنكم". وأن الجد يشبه المرأة بالأرض" جاء من جاء,المهم يبسطها".

ويدير أكرم إحدى جلسات منتدى أفياء عن فلسطين وحل الدولتين, إذ يؤكد أن الأرض المختلة هي أراضي 1967 يا أخوان وعلينا أن نخلص إسرائيل من عنصريتها كي نصل إلى دولة ديمقراطية. يتساوى فيها مواطنوها, أياً كانت قومياتهم الدينية, كما حصل في جنوب أفريقيا, بينما كان يصر قصي أن صراعنا مع اليهود صراع وجود لا صراع حدود, موضحاً باختصار:-وجودنا أو وجودهم. لا خيار آخر.

 

 

 

حضور فني:

يوظف الروائي أيمن الحسن الأغاني في الرواية, إذ نجد أغاني لطفي بوشناق, وصباح فخري, وفيروز وغيرها, لكنه يفرد مكاناً واسعاً للأغاني الفيروزية التي لحنها الأخوان رحباني, ويربطها بزيارة فيروز للضفة الغربية في العام1964, إذ يصفها أكرم : " إن نسيت لا أنسى زيارتها إلى الضفة الفلسطينية في العام1964 حين أهداها الأهل( في القدس) هناك مزهرية, وغنت لهم:

مريت بالشوارع شوارع القدس العتيقة

قدام الدكاكين

البقيت من فلسطين

حكينا سوى الخبرية

عطيوني مزهرية

قالوا لي هيدي هدية

من الناس الناطرين".

ويندمج الجميع في حالة الغناء ويكملون بصوت واحد :" كان في بيوت وكان في إيدين عم بتعمر

كان في ولاد وبأيديهن في كتاب

وبليل كلو ليل

سال الحزن بفية البيوت

والإيدين السودا خلعت البواب

وصارت البيوت بلا صحاب

بينن وبين بيوتن صار في الشوك والنار

والإيدين السودا".

ويترافق مع هذا الاندماج الإنساني, رد فعل واضح : " فإذا عيوننا تدمع", ويستكمل النقاش حول الغناء والكلمات والألحان" ضي القناديل" التي كتبها الأخوان رحباني في العام1962, كي يلحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب, وهي الأغنية الوحيدة التي جمعت بين الأخوين رحباني, والفنان المحبوب عبد الحليم حافظ, والجدير بالذكر أن السيدة فيروز رفضت تسجيلها بصوتها لأنها في حال غنتها ستبدو فتاة ليل, تقف وحيدة على قارعة شارع طويل, يملؤه الضباب. مؤكدة: هذه الأغنية تصلح لرجل لا امرأة.

ولا ينقطع نقاش الحب في الرواية إذ تعبر عنه نهلة في قولها" عشقت مي زيادة جبران خليل جبران، ما يقارب عشرين سنة من دون أن يجتمعا تحت سقف واحد, فلما مات دخلت مستشفى الأمراض العقلية, ثم توفيت بعد مدة قصيرة, ومع تقلب أهواء غادة السمان تجاه غسان كنفاني , وعلى الرغم من زواجها وزواجه إلا أنه قال لها: "أعود إليك مثلما يعود اليتيم إلى ملجئه الوحيد".

 

خلاص فردي:

رغم كل هذا الفعل الجماعي في منتدى" أفياء", ينسحب أكرم من المنتدى ويعتكف في عمله بحراسة معهد الصم والبكم ويشرب القهوة (سادة) لأن المثقف يشربها هكذا, ويحدث ذاته عن أفعال الرئيس الراحل ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية, ورئيس السلطة الفلسطينية حيث يقول:" النكران في لبنان. ثم في العراق لمناصرة صدام حسين (زمن عربي رمادي, فمن يرأب صدع النكبة, ثم الهزيمة, وصولاً إلى احتلال الكويت, لأن طريق القدس يمر منها؟!).

ومن سوء حالته التي يعيشها في دمشق يحرق كتبه وسط أرض خربة قريباً من بساتين الحي. وفي ظل الظلام الدامس الذي عاشته المنطقة منذ احتلال بغداد في 9/4/2003, تصل إلى أكرم رسالة من جده بداخلها صورة فوتوغرافية لقبر كتب على شاهدته:" يارب هيئ لهذا الشهيد مكاناً في الجنة". تحتها رسالة من جده" أكرم أبو ضو" الذي يعمل حارساً في إحدى المستوطنات, يخبره أنه قد أمن له الوثائق اللازمة لدخول الأرض المحتلة. وهو يدعوه للمجيء إليه في أسرع وقت ممكن. وقد دون أكرم بخط يده (رداً على جده):" كان على هاملت أن يعدل سؤاله بحيث يصبح : القضية أن نكون أو نكون, إذ لا خيار إلا أن نكون على أرضنا هناك".

 

نقاش:

على هامش خطوط الرواية المتعددة التي كتبها الروائي أيمن الحسن يوظف الحضور الفلسطيني والقضية الفلسطينية في متن روائي جاء من نسيج الرواية والبناء الدرامي للشخصيات خصيصاً شخصية أكرم التي تعيش واقعها السوري غير متناسية واقعها الفلسطيني والقضية الفلسطينية, وموقفه السياسي الفلسطيني حيث يظهر في نقاش حل الدولتين, والإقرار بالقرارات الدولية التي تعد الضفة الفلسطينية( الغربية) مع غزة هي مكان الدولة الفلسطينية الوليدة من خلال الحل السياسي, ويكمل هذا الخط المفاهمي الخاص بالقضية الفلسطينية إذ يعد أنه يجب تخليص( إسرائيل من عنصريتها كي يصل إلى دولة ديمقراطية, يتساوى فيها مواطنوها, أياً كانت قومياتهم, ومعتقداتهم الدينية كما حصل في جنوب أفريقيا). وبهذا يتخذ مسار الحل السياسي الذي يرغب به أكرم في دولة فلسطينية في الضفة وغزة, ودولة ديمقراطية( يهودية, عربية) في مناطق الاحتلال في أراضي1948, وبذلك تكون القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني على سكة الحل السياسي في المنطقة العربية.

لكن مع تعثر السياسة والحلول السياسية في المنطقة, واحتلال بغداد في العام2003, وتعنت اليمين الصهيوني في حكم (إسرائيل) وعدم قبوله في حل الدولتين, والإصرار على الحل العسكري الأمني بعيداً عن المفاوضات السياسية لتسوية القضية الفلسطينية يجد ذاته مجبراً على العودة إلى فلسطين, لكي يجرب نقيض المقولة الشكسبيرية على لسان شخصية هاملت في أن"نكون أو لا نكون" لتصبح على لسان أكرم"نكون أو نكون".

وأخيراً إن رواية عن أفياء والعهن, (حي المشتل-2003م) للروائي أيمن الحسن تستحق أكثر من قراءة لما تتمتع به من حضور درامي- روائي سواء فلسطيني، عراقي، سوري.