بات من غير الممكن بل من المستحيل التفكير بمحمود درويش دون التفكير مباشرةً في فلسطين، وفي المأساة الرهيبة التي حلَّت بشعبها المظلوم، ومن ضمنهم الشاعر، وإنَّ الاتِّساق عينه ينطبق على الكتابات عنه، إذ لا يمكن الفصل بين الشاعر ووطنه. فقد صاغ درويش قصائد مختلفة تتبنَّى رؤية عالميَّة متميَّزة عبر استخدام صور تجريديَّة تلامس كل إنسان مهمّش ومقهور في أي بقعة من العالم؛ لأنه كرّس علاقة حميمية مع الأرض، علاقة تتعدّى مفهوم الملكية إلى نوع من الإيمان الصوفي، حيث تصبح الأرض كائناً هشّاً يجب حمايته.. "كأنّي أَخافُ على عِشْبةٍ مِن يديّ".
- الأرض الأنثى:
تتخذ الأرض صورة الأنثى، في كثير من نصوصه، فهي الأم، والعشيقة، والمرأة التي يُقاتَل من أجلها. وقد استخدم هذه الصورة لتأكيد فكرة الانتماء الحميمي والعاطفي للأرض، وإضفاء طابع مقدّس عليها. "أحبك أكثر... من امرأةٍ، ومن أرضٍ، ومن نجمةٍ".. وهنا تختلط الأرض بالحبيبة، ويصبح العشق لها فعلاً مزدوجاً: عشق امرأة وعشق وطن.
وفي الرموز الدرويشية تظهر الأرض بوصفها الخصوبة والجمال، لكنها في الوقت نفسه، ضحية للنهب والانتهاك، مثلما تُنتهك حقوق المرأة. وهذا التوازي يعطي النصوص بُعداً مزدوجاً، وطنياً وإنسانياً. "على هذهِ الأرضِ ما يستحقّ الحياة، تردّد إبريل: رائحة الخبزِ في الفجر....، آراء امرأة في الرجال، كتابات أسخيليوس...".
- الأرض الأسطورة:
يوظّف درويش الأسطورة، والصورة الشعريّة في عبارة "رَائِحَةُ الخُبْزِ فِي الفجْرِ". هذه الصورة تعرض أمامنا عالماً كاملاً، بعضنا ما زال يذكره، ولكنّ أجيالنا الشابّة تفتقده. الخبز هو الحياة، والفجر هو البداية، ولا بدّ أن تكون للبداية نكهتها الجميلة المستفِزّة. تضعنا الصورة أمام الحياة وجمال بداياتها، وتضعنا أيضاً أمام الذاكرة. فبما أنّ المشهد قديم وغير موجود اليوم، إذن في عرضه الكثير من التحريض على الحفاظ على ذاكرتنا كشرط للحفاظ على حياتنا وبداياتها التي يجب أن تكون مشرقة كالفجر، وكلّنا نتوق إلى بداية مختلفة. ويخلط درويش التاريخ بالجغرافيا، والشعر بالنثر، والموسيقى بالفوتوغرافيا، ثم يكتفي بالشعر ملاذاً أخيراً وهو يستعيد صورة من صور الحنين للأرض.
- عالمية الرؤية:
صاغ درويش قصائد عديدة متنوعة تتبنَّى رؤية عالميَّة متميَّزة عبر استخدام صور تجريديَّة. يقول في قصديته الإنسانية المؤثرة (مقعد في قطار):
مناديلُ ليست لنا / عاشقاتُ الثواني الأخيرةِ / ضوءُ المحطة /
لكننا لا نحبّ القطارات حين تكون المحطات منفى جديداً /
كُلّ أهلِ القطارِ يعودون للأهلِ، لكننا لا نعودُ إلى أي بيتٍ/
وفي قصيدته الإنسانية (فكّر بغيرك) التي تعني كل المشردين والمظلومين في العالم، يقول:
وأَنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّرْ بغيركَ... لا تَنْسَ قُوتَ الحمامْ
وأَنتَ تخوضُ حروبكَ، فكِّر بغيركَ... لا تَنْسَ مَنْ يطلبون السلامْ
وأَنتَ تُسدِّدُ فاتورةَ الماء، فكِّر بغيركَ... مَنْ يرضَعُون الغمامْ
وأَنتَ تعودُ إلى البيت، بيِتكَ، فكِّرْ بغيركَ... لا تنس شعبَ الخيامْ
وأَنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّرْ بغيركَ... ثَمَّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأَنتَ تحرِّرُ نفسك بالاستعارات، فكِّرْ بغيركَ... مَنْ فَقَدُوا حَقَّهم في الكلامْ
وأَنتَ تفكِّر بالآخرين البعيدين، فكِّرْ بنفسك... قُلْ: ليتني شمعةٌ في الظلامْ
- تشكيل الزمن الفلسطيني:
تضعنا نصوص درويش إزاء ظاهرة جوهرية، عنوانها الأساسي (التشكيل الزمني) أو إعادة كتابة الزمن الفلسطيني، لأن الزمن إحدى الرسائل الرئيسية التي لعبت دوراً رئيساً في صناعة عالم القصيدة الدرويشية وتشكيله في مواجهة عالم الواقع... إحساسٌ عالٍ بالزمن دون البكاء على الماضي بل رفض اللحظة الراهنة وتطلع إلى المستقبل بشغف، وقصائده تسقي بذور التحول والرفض وتجنح نحو المستقبل مقابل عوامل العجز والضيق التي تفرضها اللحظة الراهنة (تضيق بنا الأرض/ تحشرنا في الممر الأخير/ فنخلع أعضاءنا كي نمر) والزمن الحاضر رمز للضعف والعجز، وما يفعله درويش ليس الانكفاء نحو الماضي بل عند لحظة الانطلاق لاستشراف الآتي الذي يحمل بقية من أمل في استرجاع كل ما فُقد، وفي المقاومة وفي استعادة الهوية التي يجب أن تعود.
ومن الطبيعي أن يوظّف هذا التشكيل الزمني كل البنى الاستفهامية التي تطرح تساؤلات وجودية تستحق التفكّر، وجديرة بالتأمل، ولعل طرائق توظيف الاستفهام في شعره تعد من أهم ملامح الخصوصية لديه، فاللحظة الراهنة المرتبطة بفكرة الفقد والخوف من الواقع الراهن جعلته يعبّر عن عدم منطقية ما يحدث له ولشعبه مستخدماً صيغ الاستفهام التي لا يريد من خلالها أن يعرف الأسباب قدر ما يريد أن يستنكر محاولات وأد القصيدة والشاعر، وفي هذا الاستفهام تعبير عن الصراع بين الفلسطيني والعالم، بل محاولة احتجاج هادئ حيناً وصاخب غاضب أحياناً على غياب منطقية التاريخ، لأن هذه المفارقة التناقضية لا تتضح إلا بالسؤال، ذلك السؤال الذي لا يثار رغبة بالمعرفة وحسب، قدر ما يكون تشكيلاً لهذه المفارقات وبسطاً لها بين يدي المتلقي إذ ينقلب كل شيء إلى نقيضه في حركة غير معللة لا يعبّر عن مفارقتها سوى بالاستفهام، وفي تتابع وحدات الاستفهام يتشكل نوع من الرغبة في الاستقرار في مقابل الإحساس بالضياع، ضياع الإنسان والبيت والبيئة وكل جزئيات الحياة من حيوان وطبيعة:
- "لماذا تركت الحصان وحيداً يا أبي؟"
- "يا أبي هل غابة الزيتون تحمينا إذا جاء المطر؟"
- "وهل الأشجار تغنينا عن النار؟"
- "هل تنبت الأشجار في ظل الصليب؟"
- "من أنا بعد ليل الغريبة؟"
- "من أنا بعد هذا الرحيل الجماعي؟"
- "أين الطريق إلى أي شيء؟"
إن تداعي مثل هذه الأسئلة وغيرها كثير، يتجاوز حدود الإجابات السهلة والقديمة ويعكس كيف تفارق الفطرةُ كلّ ما يقوم به هؤلاء الغرباء؟
من نافل القول التأكيد على أنّ الإحاطة والإلمام بمفاصل العوالم الشعرية الدرويشية التي امتدت على أكثر من نصف قرن تبدو مهمة عسيرة بل عصية، لأننا أمام شاعر مليء ملأ الدنيا وشغل الناس ابتداء من صرخة التحدي "سجّل أنا عربي" وليس انتهاء بـ "فكّر بغيرك"...
لقد استطاع درويش أن يشكّل بوجدانه ومشاعره وقدراته التعبيرية ظاهرة شعرية عالمية تزداد مع الأيام ألقاً وبريقاً وتقع في الضمير الإنساني موقع المأساة في قصائد شعرية عالمية، وخاصة تلك التي توظّف الأساطير فتبني قصائد ملحمية لها شكلها الخاص. فممارسة الحق الإنساني في أبسط صوره أصبحت ضرباً من الجنون في مواجهة فجور هذا الغريب. إلا أن التمسك بالحق مع قليل أو كثير من الأمل الذي اشتغل عليه درويش طوال حياته الشعرية سيمنح القوة اللازمة للمقاومة، وتبصر الطريق الذي يجب أن يسلكه الفلسطيني ليعلن عن وجوده وحقه وكينونته ليبقى الوطن، ويبقى للغريب أن يأخذ ما يشاء من حصته من دمنا وينصرف.

