حنظله، هذا المخلوق الذي ابتدعته، لن ينتهي من بعدي بالتأكيد، وربما لا أبالغ إذا قلت إني استمر به بعد موتي». ناجي العلي .
كلمات نتذكرها في ذكرى رحيل الفنان المبدع ورسام الكاريكاتير العربي الفلسطيني «ناجي العلي» ففي التاسع والعشرين من آب عام ۱۹۸۷، أسلم ناجي العلي الروح في إحدى مشافي لندن بعد أن عاش يصارع آثار محاولة اغتياله التي جرت في ٢٢ تموز من نفس العام.
وباغتيال ناجي العلي صمتت الريشة، وتيبست الخطوط، التي كانت تجسد إرادة الشعب الفلسطيني وأمتنا العربية بالمقاومة ورفض شروط المهانة والاستسلام، لم يكن القتلة هذه المرة مجهولين، لقد كانت أوامر القتل رسمية لما كان لناجي العلي ورسوماته التي أقضت مضاجع الذين تورطوا في اغتياله. لأنهم كانوا يرون في رسوماته إدانات فاضحة لهم ولسياساتهم الانهزامية، وهم وجدوا في ناجي العلي بأنه قد تجاوز الخطوط الحمر، وقد آن الأوان لإسكات ذلك الصوت، وكسر الريشة وبعثرت الأوراق، وفعلاً كان لهم ما عزموا عليه.........
نعم لقد اغتالوا الجسد، ولكن حنظلة بقي يطاردهم وما زال ورسومات العلي كانت ولم تزل إلى يومنا هذا تشير وتؤشر إلى القتلة وتفضح السماسرة وكل المتورطين في بيع دماء الشهداء والمتاجرة بقضية الشعب الفلسطيني وحقوقه في أسواق النخاسة وعلى طاولات المفاوضات العلنية والسرية.
وفي عام ۱۹۹۰، انبرى المخرج الراحل عاطف الطيب لتقديم فيلم سينمائي حمل عنوان اسم الشهيد نفسه، قام ببطولته الراحل أيضاً الفنان العربي المبدع نور الشريف. الذي جسد بتألق شخصية ناجي العلي.
يبدأ الفيلم بتصوير محاولة اغتيال ناجي العلي في أحد شوارع لندن أثناء توجهه إلى مقر جريدة القبس الدولية التي كان يعمل فيها حيث كان يتأبط بعض الرسومات التي أنجزها في الليلة السابقة.
تلك الرصاصات الغادرة التي أطلقت على ناجي العلي في نهار ذلك اليوم جعلته يصارع الموت في غرفة الإنعاش أسابيع عدة. ومن تلك الغرفة ينطلق فيلم المخرج عاطف الطيب، في رحلة إلى الزمن الماضي «فلاش باك» ويستعرض أعمال العصابات الصهيونية ضد الفلسطينيين، وما يتبعه من تشريد وطرد أهالي المدن والقرى الفلسطينية، إلى أن يأتي إعلان قيام دولة الكيان الغاصب، وصور الفيلم نزوح عائلة ناجي العلي من قرية الشجرة في الجليل الفلسطيني إلى لبنان، وقد تطرق الفيلم إلى حياة ناجي ومراحل تفتح وعيه السياسي والفكري، مروراً بمرحلة بيروت وحصارها وخروج المقاومة الفلسطينية منها، ومن ثم سفر ناجي إلى الكويت للعمل في جريدة القبس واضطراره بعدها للسفر إلى لندن في ظل التهديدات التي كان يتلقاها نتيجة مواقفه التي كانت تظهر في رسوماته التي تؤكد على إدانته ورفضه لمشاريع الاستسلام الانهزامية وللتخاذل الفلسطيني والعربي اتجاه قضية فلسطين.
لقد قدّم الفيلم ناجي العلي كما كان هو يقدم نفسه شارحاً مفهومه للحياة التي لا تكتمل إلا بعودته إلى وطنه الذي أرغم على النزوح منه، والعيش في قرية الشجرة مسقط رأسه التي لا تزال تفاصيلها مغروسة بذاكرته.
وبعيداً عن التوثيقية وبرؤية إخراجية عالية المستوى وكثيرة، التفاصيل صاغ المخرج عاطف الطيب بلغة سينمائية شفافة فيلمه عن ناجي العلي، وحمله بدلالات فكرية في إطار فني ملتزم بعيداً عن الافتعال والتصنع ومقولات السينما الهابطة.
ومن خلال إشارات لا تحمل التأويل أو الالتباس من جهة، ورسالة حب لمواقف ناجي العلي المتلازم والرافض لكل المواقف السياسية الانهزامية والتي عمل العلي على فضحها، كذلك تناول الفيلم في نفس الوقت عبقري الكاريكاتير الأول في الوطن العربي، وأحد أهم أبرز رسامي هذا الفن على مستوى العالم.
ومن خلال مواقف ناجي ورؤيته الفكرية والوطنية، قام المخرج برصد مرحلة من تاريخ القضية الفلسطينية التي سيطرت عليها بنى مأزومة ومؤسسات مهترئة، وقيادات بدأت تهرول باتجاه عقد صفقات الاستسلام مع العدو، وكانت الإرهاصات قد بدأت بلقاءات مع قوى وأحزاب وشخصيات صهيونية كانت تتم تحت جنح الظلام أحياناً وبعضها في العلن وتحت مسميات مثل قوى اليسار والسلام "الإسرائيلية".
لذلك ابتعد الفيلم عن التوثيقية لحياة ناجي العلي، في محاولة لقراءة بصرية ومشهديه لناجي وأعماله ومواقفه ورؤيته الفكرية. وحاول الفيلم فك أسرار رسوماته كما تنطق بها، وبما تخفيه بوصفها الضمير الحي لجموع أبناء الشعب الفلسطيني، وقدّم الفيلم حنظله طفل ناجي وصوته المدوي الذي كان يدير ظهره بنقاء روحي قل نظيره لإيصال المواقف والصورة التي كان يتبناها ناجي العلي نفسه.
وفي مفصل هام من الفيلم السينمائي تم فضح تلك الشخصيات الانتهازية التي كانت تتاجر بنضالات الشعب الفلسطيني، وتبني أمجادها وثرواتها الشخصية تحت شعارات النضال في فلسطين، تلك الشخصيات كانت ممثلة بأبي الفوارس التي قدمها الفيلم كمثال لكل الذين ارتضوا لأنفسهم الخروج عن القيم والمعايير الوطنية فارتبطوا بكل شيء عدا الوطن والتضحية من أجله، فظهرت تلك الشخصيات منخورة بالسوس والعفونة عاكساً شريحة مارست الخداع والتزييف حتى داخل بيوتها وتجسد بمحاولة إقامة بيارة برتقال في شقة فاخرة في الطابق العاشر. وفي احتفال يعلن أبو الفوارس عن مشروعه المجنون ذاك، هذا المشهد يستفز ناجي العلي حتى النخاع، فيقوم بالتبول على أول شجرة من بيارة أبو الفوارس، ويغادر مكان الاحتفال تاركاً الجميع غارقين في ذهولهم.
وقد رصد الفيلم فترة عمل ناجي العلي في جريدة السفير والتي كانت من أهم مراحل حياته، وفيها عبر عن بديهيات حقه عن التعبير والديمقراطية، وكانت الصحفية العاملة معه في الجريدة صدى صوته التي تؤكد رؤية ناجي العلي اتجاه الواقع ومفهومه لمعنى الوطن وللديمقراطية، ولعل من أهم الشخصيات التي كانت لها المفاصل المؤثرة في حياة ناجي العلي من شخصية «أحمد» رفيق طفولته وصديقه حتى لحظة استشهاده، إنها شخصية الفدائي المضحي المقاوم والمعادل للنقاء الثوري.
كما كانت شخصية «المتشرد» من أبرز شخصيات الفيلم، والتي مثلت الضمير العربي بتساؤلاتها المتكررة وهي تعيش الثمالة : "أين هي الجيوش العربية ؟ ولماذا لم تصل؟ وهل تحارب في مكان آخر؟".
وكان الفيلم متميزاً على المستوى الفني والحرفي عمل فيه نخبة متميزة من الفنانين والفنيين من مصر وسوريا ولبنان وتحت أشراف مخرج بصير متمكن عاطف الطيب أدار فيه ممثلين محترفين على رأسهم نور الشريف وأحمد الزين ومحمود الجندي، وكتب له السيناريو بشير الديك.
لقد كان فيلم «ناجي العلي» محاولة مهمة في سياق السينما الواقعية وتصدى لهذه المهمة مخرج قدير بأسلوبه الملفت السينمائية المدهشة، وهو بهذا يدخل نفسه في قضايا شائكة كان هو مستعد لخوضها حتى ينتج سينما واقعية تثير الأسئلة، وتحرض الفكر، بعيداً عن سينما التسطيح والأشكال السينمائية الجاهزة، ليؤكد المخرج خلال عمله هذا على أهمية ودور الفن السابع في نقل وتصوير الأحداث والشخصيات المؤثرة في مسيرة النضال الفلسطيني، مؤكداً على دور الفن الملتزم في معركة التحرير إلى جانب البندقية ليحقق النصر على أعداء الأمة والإنسانية.

