تعددت ركائز الثالوث الفلسطيني لدى معظم المفكرين والباحثين الفلسطينيين، بل وحتى الأدباء والفنانين، وتراوحت بين الكوفية، والمفتاح، والبطيخ الأحمر، وحنظلة، والبرتقال، والزيتون.. فاتخذ كل منهم ثالوثاً من هذه الأيقونات والأعلام بنى عليه رؤاه الوطنية لتعميق مفهوم إثبات الحق الفلسطيني على تراب وطنه كشكل من أشكال التعبير الثقافي التي تمثل رمزاً ل فلسطين وثقافتها، ومنهم من تجاوز ذلك إلى الأبعد ليدخل في العمق الوجداني، فيراها مثلما يراها د. محمود الفطافطة ثالوثاً يضم "التاريخ، الكرامة، الحرية" ..
*التاريخ، كما يقول، مدين لفلسطين بأنها مزجته بوسطية الجغرافيا وملتقى الحضارات والقارات، ومنبع الرسالات النبوية.
*والحرية، يؤكد على أن فسطين بلد الحرية رغم ما يلاقيه أبناؤها من ظلم وقتل وتشريد وسواها، إلا أنهم يبدعون يوماً بعد آخر في فنون المواجهة والتحدي لمحتل فاشي مجرم .
*أما الكرامة، فيرى أنه لا كرامة لإنسان إلا في وطنه، ولا وطن لنا إلا فلسطين.
أما "سعيد زيداني"، فيراها فيما أسماه "الثالوث المشتهى": الأرض، الهوية، السيادة، وتراه "حنين زعبي" أنه على الفلسطيني إعلان انتهاء ثالوثهم القاتل "التنسيق، المفاوضات، التشرذم"، والإعلان عن المقاومة الشعبية بدل التنسيق، ومحاصرة إسرائيل بدل مفاوضتها، والوحدة بدل التشرذم .. وذلك في معرض ردها على ثالوث إسرائيل القاتل: "الحصار، الجدار، التنسيق الأمني" .
فيما اعتبر غيرهم أن فلسطين قضية ثالوث "حق فلسطيني، حق عربي، حق إنساني عالمي" .
وإنني إذ أستذكر ما أسميته ثالوث إسرائيل القاتل برؤيتي الشخصية تتمثل في "النكبة 1948، النكسة 1967، المقتلة 2.23" فإنه يتوجب عليّ لزاماً الإشارة إلى "زهرة الثالوث"، والتي تُعرف أيضاً بزهرة السعادة أو زهرة الفرح، وهي واحدة من أجمل الزهور التي تُزيّن الحدائق بجمالها وألوانها المتنوعة، وتُعتبر رمزاً للجمال والنقاء، وتُمثّل الأمل والحب.. استُخدمت في طقوس دينية، وارتبطت بالأساطير والروايات الشعبية التي تتحدث عن معاني السعادة والحب في العديد من الثقافات .
تُرى ألسنا الأجدر كفلسطينيين، قدّمنا ما قدّمناه من دماء وشهداء، أن نكون الأَولى من كل شعوب العالم بزراعة الثالوث في حدائق وجداننا وروحنا وثقافتنا وعقيدتنا؟
لقد تعددت أيقونات ورموز مواجهة الإلغاء الثقافي التي يفرضها علينا الاحتلال، ومجابهته، فتراوحت بين الكوفية، والمفتاح، والبطيخ الأحمر، والزيتون، والبرتقال، وحنظلة، وأنها الرموز التي تواجه الطمس الهوياتي لفلسطين، فاختار كل باحث ومفكر ثالوثه الذي يعتقد أن يُكرّس ويُؤطّر ويبني عليه مقاومته ونضاله ضد الاحتلال الصهيوني وبما يتلاءم مع رؤيته السياسية والفكرية: والعقائدية، فيقول "عدنان زقوري": "لم يعرف الفلسطينيون المقاومة بالسلاح وحده، لربما السلاح دفاعاً عن النفس، لكن للحفاظ على الهوية والتاريخ لا بد من الرموز التي تعيش، تُتوارث مع الأجيال، وتُبيّن بحق أن للأرض شعبها ، والرموز خير دليل على ذلك" .
لقد تجاوز الثالوث الفلسطيني حدود الجغرافيا الفلسطينية ليصبح عالمياً يُعبّر عن ثورات وحقوق شعوب العالم المضطهدة، وتتمثل برموز فلسطينية تاريخية وتراثية: الأقصى وخاصة قبة الصخرة، حنظلة، المفتاح الذي يطلق عليه المفتاح الرمزي تارة وتارة مفتاح العودة، النكبة، الكوفية، البطيخ الأحمر، وقد تمتد هذه الأيقونات لتشمل البرتقال والزيتون ..
من هذه الأيقونات استُمدّ ما سميّ بـ"الثالوث الفلسطيني" وركائزه الثلاثة وفق رؤية كل باحث ومفكر وما يمثله لديهم من انعكاس للواقع الفلسطيني بألمه وآماله، وانكساراته، وإرهاصاته، وتشظّيه، وأفق تطلعاته النضالية والصمود، والرمز واليقين في الحفاظ على الوجود والهوية الفلسطينية وتراثها وتصدّيها لكل أشكال العنف والإبادة والتهميش وتزوير التراث والتاريخ الفلسطيني، فتعددت التشخيصات الفلسطينية المستخدمة لتخليد القضية، فكان نشيد "فدائي" نشيداً وطنياً، ثم رمز الطيور الفلسطينية كطائر وطني محتمل لفلسطين المستقبل، ووُصف جواز سفر السلطة الفلسطينية بأنه "رمز حاسم للأمة" إضافةً إلى الطوابع البريدية رمزاً وطنياً لفلسطين أيضاً .
وبذلك تشمل قائمة الرموز التأسيسية للهوية الفلسطينية عدة أيقونات كانت الأقرب إليّ كرأي شخصي هو "حنظلة، الكوفية، المفتاح" فيما تبقى من رموز وأيقونات لا تزال تحمل دلالتها النضالية والتراثية والتاريخية دون انتقاص منها ومن قيمتها النضالية والمقاومة لمرارة الاحتلال ومجازره.
وإنني إذ أُركّز على الثالوث المقدس ذاك "حنظلة والكوفية والمفتاح" فذلك لأنني رأيتُ فيه خير تعبير عن مقولة مفادها "لقد أرادوا دفننا، لم يعرفوا أننا بذور" واختياري لهذا الثالوث كان هو البذور التي تنبت صلابةً ومقاومةً وتضامناً حقيقياً يتطلب فهماً أعمق وأدق للرموز المتأصلة في الثقافة والتاريخ الفلسطيني دون أن أبخس باقي الرموز والأيقونات إرثها التاريخي والتراثي.
وهنا أجدُ لزاماً عليّ استعراض دلالة كل أيقونة من هذا الثالوث وما تمثله لدى روح الفلسطيني ووجدانه ومشاعره.
حنظلة :
حنظلة أيقونة فلسطينية رسمها الفنان الشهيد ناجي العلي بدمه وقدّمها عام 1969 بجريدة "السياسة" الكويت ية..ابتكرها بعد سنتين من النكسة 1967 .. شخصية فلسطينية أسطورية خارقة وخارجة عن الطبيعي والمألوف.. صامت، أدار وجهه عن كل العالم، واختار الرثَّ والمرقّعَ من الثياب .. اختاره ناجي العلي رمزاً لمواقفه الوطنية، وتوقيعاً للوحاته ودلالاته الرمزية والمعنوية.
• الحنظل نبات معمّر تقصّه فيعود، يعيش في فلسطين، جذوره عميقة، يُضرب المثل بمرارته، ويُستعمل في الطب.
• اسم قليل الوجود، غير متداول رغم وجود شخصيات تاريخية عربية تحمل ذات الاسم، لها أثرها في التاريخ، مثل :
• حنظلة بن عمرو شيباني، الذي قُتل في كربلاء، وكان من معسكر الحُسين بن علي.
• حنظلة بن صفوان الكلبي، قائد كبير من قادة الدولة الأموية في حرب الخوارج.
• حنظلة بن ثعلبة، حنظلة بن سيار بن سعد العجلي، سيّد بني عَجْل يوم ذي قار، وصاحب "قبّة حنظلة" التي ضربها يوم ذي قار.
• حنظلة بن الربيع بن صيفي، صحابي من كتبة وحي القرآن.
• حنظلة بن أبي عامر، صحابي من الأنصار، من الأمس، قُتلَ في "أُحد" وهو "جُنب" فقال عنه رسول الله أن الملائكة غسّلته، فسُميَ "غِسِّل الملائكة" .
• حنظلة بن أبي سفيان الجمحي، من أئمة الحديث بمكة .
• وقد يجتمع كل ذلك في سبب اختيار ناجي العلي "حنظلة" رمزاً وتوقيعاً باسمه.
ومن المهم الإشارة إلى أن الفنان الشهيد ناجي العلي كان لديه شخصيات أخرى رئيسية أوجدها في رسوماته الكاريكاتيرية :
• فاطمة، شخصية المرأة الفلسطينية التي لا تهادن ولا تسكت على ضيم أو تخاذل، بعكس شخصية زوجها المنكسر أحياناً، فهي ترد عليه بغضب: "الله لا يسامحك على هالعملة" حين قال لها باكياً شاكياً: "سامحني يا رب، بدّي بيع حالي لأي نظام عشان طعمي ولادي"..
كما يتجلّى موقفها من الشعارات الفارهة أيضاً بظهورها في كاريكاتير تحمل مقصاً وتخيط ملابس أولادها وتقول لزوجها: "شفت يافطة مكتوب عليها عاشت الطبقة العاملة بأول الشارع، روح جيبها بدّي خيّط أواعي للولاد" ..
فاطمة التي شاركت زوجها حياته البائسة لكنها كانت في الوقت ذاته حريصة كل الحرص على مظهرها الجميل، فتكحّل عينيها بعلم فلسطين، وتضع سلسلة على صدرها إشارة لمفتاح العودة، وقرطاً على أذنيها رمزاً للقنبلة اليدوية، وتلف وشاحاً حول عنقها أو كتفها دلالة الكوفية، وترتدي الثوب الفلسطيني بألوانه الزاهية، فكانت بذلك بندقية ناجي العلي: فاطمة التي لا تهادن، وحنظلة الذي لا يساوم .
• شخصية زوج فاطمة الكادح والمناضل النحيل ذي الشارب، وكبير القدمين واليدين دليلاً على خشونة عمله.
• شخصية السمين ذي المؤخرة العارية والذي لا أقدام له سوى مؤخرته ممثلاً به القيادات الفلسطينية والعربية والخونة الانتهازيين .
• شخصية الجندي الإسرائيلي طويل الأنف، المرتبك أمام حجارة الأطفال، وخبيثاً شريراً أمام القيادات الانتهازية.
"حنظلة" انتُزعَ من أرضه وهو في العاشرة من عمره كشجرة اقتُلعت من تربتها ولم تستطع أن تنغرس في أي تربة أخرى كما قال عنه أحد النقاد واصفاً خروج ناجي العلي من أرضه في قرية "الشجرة" .
وعن حنظلة يقول ناجي العلي :
"ولدفي العاشرة من عمره وسيظل دائماً في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين"، ومن الواضح هنا أنه يتحدث عن نفسه، وحين يعود إلى فلسطين سيكون لا زال في العاشرة ثم يبدأ بالكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء" .
وإن كان "حنظلة" قد أدار ظهره للعالم ويداه خلف ظهره، فهو غير مهادن ولا يخشى أحداً، بل مراقباً لكل ما يحصل ومستشرفاً آفاق المستقبل، يحتج على ما يحصل من مساومات وخذلان، ويعبر عن ذلك بإيماءة من جسده يرصدها ناجي العلي بدقة الفنان وأصالة المقاوم ليرسخ معنى الصمود والنقاء السياسي .
أمّا عن سبب تكتيف يديه، يقول ناجي العلي :
"كَتفتُهُ بعد حرب 1973 لأن المنطقة كلها كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبّع" .
وعندما سُئل عن موعد رؤية وجه حنظلة، أجاب :
"عندما تصبح الكرامة العربية غير مهدورة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته".. وإننا نراه أيضاً يقول: "لا أريد رؤية الوجوه المنكسرة.. لا أريد رؤية معالم الإرهاصات والألم محفورة على الوجوه، فقد لا أتمالك دمعتي حزناً وألماً، ولست أريدها كذلك، بل أريدها فرحاً استعدنا به حقنا في العودة، وحينذاك سأُريكم وجهي".. هكذا قال لنا "حنظلة في مشهد تخيّلي لذهننا القابع تحت الخذلان والترهل، وإننا نستشعر الشهيد ناجي العلي يمثل لنا الوفاء بومضة عين سددها لـ"حنظلة" وكأنه يُؤيد ما قاله" .
"حنظلة"، كان مؤرخاً، راصداً لمجريات الأحداث، يبثّ الأمل والتفاؤل والعنفوان والإصرار على نيل حقوقه المغتصبة.. "حنظلة"، أيقونة الثالوث الفلسطيني المقدس، حَقّ له أن يكون ثالثة الأثافي في هذا الثالوث، فها هو يقدّم نفسه :
"أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا، اسمي حنظلة،
اسم أبي "مش ضروري"،
أمي اسمها "نكبة"، أختي الصغيرة "فاطمة"
نمرة رجلي "ما بعرف لأني دايماً حافي"
تاريخ الولادة 5 حزيران 1967، جنسيتي، أنا مش فلسطيني، مش أردني، مش كويتي.. مش حدا
باختصار "معيش هوية"، ولا ناوي أتجنس، محسوبك إنسان عربي وبس"
• عام 1973، كَتّف ناجي العلي يدي "حنظلة" وأدار ظهره للعالم رافضاً السياسة الأمريكية لتسوية بعد حرب 1973 .
• عام 1982، نشر ناجي العلي لوحته الشهيرة "صباح الخير يا بيروت" إبّان الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ظهر فيها حنظلة وهو يقدّم وردة لبيروت التي جسدها فتاة جميلة، حزينة، تُطلّ من فجوة جدار محطّم .
• عام 1987، ظهر حنظلة وهو يرمي الحجارة مع أطفال فلسطين وكاتباً على الحائط .
فهو ليس شخصية سطحية ولا نمطاً مغلقاً للإنسانية.. هو الفلسطيني بماضيه وأبعاده النفسية وحاضره الساخر المقاوم، النابذ للتخاذل والرضوخ، المتعالي فوق الجراح.. يرتدي الألم درعاً للأمل وتأجيج الإصرار على حقوقه المغتصبة..
هو ذا حنظلة، الرمز الفلسطيني المُعذّب والقوي، الذي جعلنا نستشف حضوره ضوءاً يفضح المستور المتهاون المهادن، وينير روح المقاوم بعزيمة منحتها لنا إدارة ظهره للمطبعين ومن لفّ لفّهم.. فهو من أكثر الشخصيات المؤثرة في الوعي العربي..
هو الشاهد على صدق الأحداث، ولا يخشى أحداً..
يهابه المتخاذل قبل العدو..
يكتبُ الـ "لا" بصمته القاتل..
يقذفُ حمم المفردات حجارة للانتفاضة..
ويفيضُ أملاً بالعودة..
فحقّ له أن يكون أيقونةً، وحقّ أن يكون عموداً من أعمدة الثالوث الفلسطيني المقدس .(يتبع)

