Menu

السينما العربية: من وجع الأسئلة إلى استسهال الإجابات بين وهج الماضي وركود الحاضر

تماضر سعيد عودة

نشر في مجلة الهدف العدد (74) (1548)

هل السينما مرآة المجتمع؟"

سؤالٌ طُرح كثيرًا، غير أن السينما العربية – في طورها الذهبي – لم تكن مجرد مرآة، بل كانت مطرقة؛ تهدم أوهام السلطة، وتعيد تشكيل الوعي. أما اليوم، فقد تحوّلت إلى سطحٍ لامع يخفي تحت بريقه خواءً روحيًا وفكريًا. بين ما قبل التسعينيات واليوم، ضاع المشروع، وسقط السؤال، وانسحب العقل من خلف الكاميرا.

 

السينما القديمة: الفكرة أولًا... والمغامرة أخيرًا

قبل التسعينيات، لم تكن السينما العربية ترفًا، بل ضرورة. كانت جزءًا من معركة الهوية والحرية والوعي. ولم يكن غريبًا أن تنطلق هذه السينما من قلب الألم العربي، لتنتج أعمالاً خالدة فكريًا وجماليًا.

 

مصر: الواقعية والإنسان

في مصر، شكّل جيل المخرجين الكبار ملامح سينما ذات مشروع اجتماعي. صلاح أبو سيف، أحد رواد الواقعية، قدّم شباب امرأة (1956)، والزوجة الثانية (1967)، حيث تتجلى المواجهة بين السلطة الذكورية والأنثى الريفية الصلبة، في قراءة دقيقة للمجتمع المصري.

أما الكرنك (1975) لعلي بدرخان – عن قصة نجيب محفوظ – فقد صوّر بجرأة قمع الحقبة الناصرية، مقدمًا سينما سياسية حقيقية، حتى وهو محاط برقابة أمنية خانقة. والعصفور (1972) ليوسف شاهين كان وثيقة صادمة عن الهزيمة والانكسار بعد نكسة 67، حيث يربط الفيلم بين فساد الداخل وهزيمة الخارج.

 

سوريا: الحزن النبيل

في سوريا، كانت السينما تتنفس رغم اختناق السياسة. قدّم محمد ملص فيلمه أحلام المدينة (1984)، وبه خلّد الطفولة في مواجهة القمع العائلي والاجتماعي والسياسي، مستخدمًا الكاميرا كأداة للبوح لا للتزييف. في فيلمه الآخر الليل (1992)، حوّل الحرب إلى سرد داخلي مؤلم، متكئًا على الذاكرة لا على الأرشيف.

عبد اللطيف عبد الحميد في رسائل شفهية (1991) صوّر الريف السوري بلغة مليئة بالحياة والتفاصيل، دون تنظير أو بهرجة.

 

الجزائر: سينما الثورة والهوية

الجزائر، التي خرجت من الاستعمار الفرنسي بجرح مفتوح، جعلت من السينما منبرًا لكتابة التاريخ. وقائع سنين الجمر (1975) للمخرج لخضر حمينة، الحائز على السعفة الذهبية، قدّم ملحمة بصرية عن معاناة الجزائريين في حقبة الاستعمار.

وأتى فيلم ريح الأوراس (1966) لمحمد لخضر حمينة أيضًا، ليُظهر المرأة الجزائرية في مشهد لا يُنسى، وهي ترفض الطعام حتى إطلاق سراح ابنها. كانت السينما حينها لغة مقاومة وصراخًا بصريًا.

 

السينما اليوم: موت الفكرة تحت ركام السوق

اليوم، تراجعت السينما العربية من حيث كونها مشروعًا فكريًا إلى كونها منتجًا تجاريًا. نشهد أفلامًا تلهث وراء "الترند"، وتحتفي بالتكرار الممل لقوالب ميتة: كوميديا بذيئة، دراما سطحية، قصص حب مصنوعة بالكليشيهات.

 

أين المشكلة؟

غياب النص العميق: نادرًا ما نجد اليوم أفلامًا عربية تسعى لتفكيك المجتمع أو مساءلة التاريخ أو حتى الاقتراب من وجدان المتفرّج بأسئلة جادّة.

تسليع المرأة: معظم الأفلام المصرية المعاصرة تقدم صورة نمطية للمرأة كجسد أو كأداة إغواء، بلا أي عمق نفسي أو اجتماعي.

هيمنة المنصات: أصبحت المنصات الإلكترونية تفرض منطق السرعة، مما قتل التأمل الفني.

 إنتاج بلا مشروع: المنتجون اليوم يبحثون عن الربح لا عن الخلود. السيناريست مُستبدل، والمخرج مُقيَّد، والممثل مجرد أداة شهرة.

 

استثناءات تحاول النجاة

رغم الرداءة السائدة، هناك من يسبح عكس التيار. السينما الفلسطينية الحديثة، مثل يد إلهية (2002) لإيليا سليمان، وعمر (2013) لهاني أبو أسعد، تُقدّم سردًا مختلفًا للمقاومة والمعاناة، خارج الشعارات.

وفي لبنان، قدّمت نادين لبكي كفرناحوم (2018) كمرآة دامغة لطبقات المهمشين، بواقعية مؤلمة. كذلك فيلم بيك نعيش (2019) للمخرج التونسي مهدي برصاوي، كان جريئًا في تعرية السلطة والصمت.

لكن هذه الأفلام ما تزال محاصرة: إنتاجيًا، رقابيًا، وتوزيعيًا. وهي تشبه – في واقع الأمر – رسائل في زجاجات تُرمى في بحرٍ من الضجيج واللاجدوى.

 

وأخيرا أيّ سينما نريد؟

في النهاية، لا يمكن الحديث عن سينما جيدة دون مشروع ثقافي. السينما ليست شاشة فقط، بل موقف. ما ينقصنا اليوم ليس كاميرات أو تقنيات، بل موقف جاد من الواقع، وجرأة في الطرح، واحترام لعقل المتلقي. السينما التي لا تجرؤ على الحلم ولا تخجل من تفاهتها، ليست فنًا، بل سلعة عابرة.

لقد أنتجت السينما العربية ماضيًا أفلامًا تُناقَش في الجامعات حتى اليوم، بينما تنتج حاضرًا أفلامًا تُنسى قبل أن تُشاهد.

والسؤال: هل نملك شجاعة العودة إلى السينما كفكرة لا كمنتج؟ كأداة مقاومة، لا وسيلة ترف؟ كصرخة، لا نكتة؟