قُبيل اغتياله بيومين، كتب الشهيد النايف قصة قصيرة بعنوان "رغيف الخبز". سَرَد فيها واقعة أدّت لاعتقاله رغم صِغر سنه، والتحقيق معه لساعات وهو في عمر 10 سنوات. ولعلها تعتبر إحدى الحكايا التي احتفظ بها في ذاكرته ضمن أرشيفه الحافل بالكثير من تجارب نضاله ضد الإحتلال.
مما كتبه عمر "رن جرس المدرسة، انتهى الدوام وكان الجوع سيد الموقف، الكل يتراكض، وأنا سريع، تجمعنا أولاد الحارة وتراكضنا للبيوت وصلنا لحارة المراح وبالتالي كل إلى بيته"، ويضيف "قلت لوالدتي: يمه شو طابخه، ردت ولك يا عمر روح على الفرن، ما في خبز، طبعاً الجوع سيد الموقف، تمتمت وذهبت للفرن، وهناك انتظرت قليلا، وكان العجين الذي أرسلناه صباحاً للفرن صار خبزاً فلسطينياً، يشهي النفس، وأنا جوعان"، ويتابع عمر "حملت فرش العجين، وفي طريقي للبيت، رأيت جنديان إسرائيليان يحرسان مكتب العمل الذي يقع في حارتتنا، وعندما صرت بجانبهم، ناداني أحدهم، وقال لي تقدم يا صغير، نسيت أن أقول أنه كان عمري عشر سنين".
يروي عمر في قصته "طلب من الجندي التقدم وسألني ماذا تحمل؟" لم ارد عليه، قال الجندي "خبز الله، وكان يتكلم العربي، ويمكن أن يكون من الدروز، أما الآخر، فأجزم أنه أمريكي" ويضيف "بعدها، قال لي خد ومد يده على جيبه، وأخرج مصاري حديد من جيبه، وقال أعطيني رغيف، ومد يده واخذ رغيف خبز، كنت مذهولاً فهم يحرسون مكتب العمل الاسرائيلي، وهو سبب مشاكل لحارتنا، الجيش يتواجد فيه دائماً لحمايته من هجمات الثوار لأنه مؤسسة هدفها التنكيل بعمالنا واضطهادهم"، ويكمل "دون موافقتي، أخذ رغيف الخبز وأعطاني فلوس ورفضتها ولم أمد يدي وأسرعت للبيت، وعندما وصلت رميت الخبز أمام امي واخوتي، ألم أقل لك أنني سريع؟" ويتابع " دخلت الغرفة ورحت أبكي بحرقة، شعرت أنني كبرت عشرون عاماَ، شعرت أن حياتنا ليست ملكنا، وشعرت بحاجتي لأن أبكي بحضن أمي، ولكني لم أفعل، بكيت بصمت كالكبار، ولم أكل، الجوع راح، وأنا لم أفكر به، كأن شيء لم يكن"، ويستدرك "لم أحرك ساكناً، ارتميت على سريري ولا أعرف كيف رحت بالنوم، غفوت كالأطفال، ولكني مهموم والأطفال يجب ألا يشعرو بالهم، الهموم كما أعرفها هي للكبار، صحوت من النوم ورجعت أفكر برغيف الخبز، كيف أخذه الجندي".
وكمن يستعيد تفاصيل اللحظة، تابع عمر سرد حكايته التي أرسلها لرفيق دربه بالأسر والنضال والجبهة الشعبية "في تلك اللحظة، قررت أن لا أمر بالشارع مره ثانية، ولكن هذا شارعنا، شعرت بضيق لكني فكرت بشيء أراحني، ذهبت للمطبخ، ولم أرى أمي و إخوتي، وكان الأكل مكانه والخبز كان قد برد"، ويضيف "جلست لآكل، ولم أنس الموضوع، ولكني كنت جائع فأكلت بشهيه، بعد أيام كنت أنا وثلاثة أولاد نحمل حجارة وعصي طويلة ونزلنا في ساعة متأخرة من الليل إلى مكتب العمل "الإسرائيلي" وكسرناه بما نستطيع، تحررت من ألمي وحزني وتابعت حياتي".
العقاب "الإسرائيلي"
لم يدرك صديق عمر السر وراء كتابة القصة، لكنه روى أن الاحتلال تمكن من معرفة شخصية منفذ الهجوم على أحد أهم منشآته، فتعرض عمر للاعتقال والتحقيق وحوكم بغرامة مالية وأطلق سراحه، لكن من وجهة نظره، تلك الحكاية وما عايشه عمر من تجارب وصور بين ممارسات الاحتلال وقمعه لأبناء شعبه وما تجسده عائلته من نموذج للأسر الفلسطينية المناضلة شكلت بداية لاختياره طريق النضال، فقد عاش ونشأ وتربى في أسرة خرجت المناضلين وبينهم شقيقه كاشف الذي أفلت من قبضة الاحتلال بعد إكتشاف عضويته في خلية فدائية للجبهة الشعبية، وتمكن من التسلل خارج الوطن والالتحاق بصفوف الجبهة الشعبية في لبنان وسوريا، ويضيف صديق عمر "بعد تلك الحادثة، لم يعد عمر يتخلف عن مسيرة أو تظاهرة ضد الاحتلال، رغم صغر سنه، تفتحت مداركه مبكراً وبسرعة كسرعته في رشق الحجارة ومهاجمة المنشآت التابعة للاحتلال كمقر بنك لئومي وروابط القرى ودورياته وجنوده في جنين" ويكمل "على مقاعد الدراسة، تحول عمر لشعلة نشاط ووقود ثورة جعلته قادراً على الاستقطاب والتأثير على الشباب وجذبهم للفعاليات الوطنية، تمرد ولم يخشى الاحتلال وسجونه، وسرعان ما التحق بصفوف الجبهة الشعبية، وأصبح رمزاً لمقاومة الاحتلال الذي لم يتوقف عن استهدافه".
عُمر الأول
في سن 14 عاماً ، خاض عمر تجربة الاعتقال في سجون الاحتلال التي خرج منها كما يقول رفاقه "أكثر ثورية وصلابة وعنفواناً وإستعداداَ للتضحية والعطاء، فقرر مواصلة المشوار عبر الجبهة التي أمن بفكرها ودورها وخياراتها، وتعلم تجاربها وفنون مقاومتها، فكان الأول رغم صغره في الحصول على العضوية الحزبية، والأول في القدرة على توسيع القاعدة التنظيمية وتجنيد العناصر وتفعيلهم في ميادين جنين"، ويضيف "بسرعة، تحول عمر لطالب رمز رغم استهدافه من عيون الاحتلال التي لم تتوقف عن رصده، فكبر قبل أوانه، وحتى عندما انضم لوالده في العمل بمتجره في جنين، قسم حياته بين تأدية واجباته الحياتية والنضالية، يعمل نهاراً، ويتسلل ليلاً لمهاجمة مقرات الاحتلال تارة، وتوزيع منشورات وبيانات الجبهة تارة أخرى، وتحريض جيله على الثورة".
نشر الفكر الثوري
في ذلك الزمن الصعب، مارس الاحتلال كل صنوف القمع والبطش لمنع نشر الوعي الوطني والنضالي، لم يكن من السهل امتلاك وتوزيع ما يصدر عن الثورة والجبهة من كتب ومجلات ونشرات وحتى أغان وطنية، لكن عمر تطوع لتنفيذ تلك المهام الأصعب والأخطر، ويقول رفاقه "لجانب متجر والده، فتح محلاً لبيع الاشرطة، كانت الأشرطة الوطنية تهمة للاعتقال، لكن عمر، عمل بسرية ووزع الأغنيات الوطنية على الشباب، لم تعيقه تهديدات مداهمات الاحتلال لما تميز به من حنكة ووعي بأساليب الاحتلال، فيسجل لعمر أنه الأول في انجاز هذه القضية"، ويكمل رفاقه "عندما حظر الاحتلال توزيع مجلة الشراع وصحيفة الميثاق، لم يتردد عمر بالمخاطرة، فوزعها ونشرها، فكان الأحرص على التوعية وثتقيف رفاقه وأبناء شعبه، زوّدهم بمؤلفات غسان كنفاني ، وهمه الأول نشر الفكري الثوري والنضالي".
العمل التطوعي
أمام حرب الاحتلال الشرسة ضد كل مقومات الحياة الفلسطينية، نادت الجبهة الشعبية بفلسفة العمل التطوعي كأحد أشكال التلاحم والتواصل الاجتماعي، ولنشر الوعي الوطني وتجنيد الشباب لخدمة شعبهم والوقوف لجانب الفئات الفقيرة والمهمشة، ويقول رفاق عمر " كان من الأوائل الذين مارسوا العمل التطوعي وتشكيل لجانه التي أصبحت رأس حربة في مقاومة الاحتلال، ومثلما قاد جيل الشباب في التظاهرات بالمناسبات الوطنية تقدم الصفوف بتنظيف الشوارع وقطف الزيتون وحصاد الحقول" ويضيف رفاقه "لم يهتم عمر بهجمة الاحتلال وملاحقة لجان العمل التطوعي واستهداف نشاطائها، وبرزت بصماته من خلال مشاركاته من جنين حتى القدس ، ومن الناصرة حتى الجولان المحتل".
بين الاعتقال والصمود
أمام هذا التاريخ الحافل ، بين النضال والعطاء ، ومشاركات عمر الفاعلة في عروض الجبهة العسكرية ، واحياء المناسبات الوطنية من يوم الارض وذكرى الانطلاقة التي كانت تتحول لمواجهات تكررت إعتقالات عمر الذي كان من الاوائل في تجسيد فلسفة المواجهة خلف القضبان ، ويقول رفاقه " تعرض لكل صنوف التحقيق لكنه لم يدلي يوماً باعتراف ، فلم يتوقف الاحتلال عن اعتقاله احترازيا وإدارياً في كل مناسبة ، ويعود منتصرا بصور صمود جعلته قدوة بين الاسرى ورفاقه ، ففي كل سجن ، جسد لوحات بطولة جعلته مستهدفاً بالانتقام من الاحتلال الذي لم يكسر له ارادة ولم ينال من عزيمته يوماً".
أعاد الاعتبار للجبهة
في بيت عزاء الشهيد عمر، تكثر الحكايا التي يسردها رفاقه حول المحطات التي شكل فيها "عمر الأول" كما يصفونها، فعندما استهدف الاحتلال ومخابراته الجبهة الشعبية بضربته الكبيرة في أواسط الثمانينات، سارع عمر مع شقيقه المُبعد حمزة ورفيقهم الأسير سامر محروم، لإعادة الاعتبار للجبهة بعمليته التي نفذها في القدس في 15-11-1986، ويقول رفاقه "تلك المرحلة، شكلت حقبة سوداء في تاريخ الجبهة ومعركتها مع الاحتلال، فضحى عمر وحمزة وسامر بحياتهم وتخلوا عن كل شيء لإعادة الاعتبار للجبهة من خلال تلك العملية التي أثارت غضب الاحتلال، فعقدت لها أسرع محكمة في تاريخ الاحتلال، وصدر الحكم بحق ثلاثتهم بالسجن مدى الحياة "، ويضيف رفاقه "لم ينل الحكم من معنويات عمر، وعندما نقل للسجن كانت فرحته كبيرة عندما حقق الهدف وشكلت عمليته علامة فارقة في تاريخ الجبهة".
خلف القضبان
بروح الثائر المتمرد، والجبهاوي العنيد، قضى عمر لحظات إعتقاله الاخير، ويقول رفاقه "تأقلم مع واقع الاعتقال، ولم يتاثر بالحكم، وكانت له بصمات نضالية في صفوف الأسرى في سجن جنيد، وهناك تعرض لاستفزاز من مسؤول الأمن، وفي احدى الأيام لم يحتمل عمر الصمت، ورغم ضخامة جسم السجان وأسلحته، هاجمه عمر وتمكن منه وانقض عليه وضربه حتى تجمع السجانين عليه وضربوه بشكل مبرح"، ويضيف رفاقه "قررت إدارة السجون عقابه بالعزل الانفرادي رغم انهيار وضعه الصحي ، وفي إحدى الايام، عندما أحضر له السجان الطعام، قدمه لعمر، فرفض وأعاده له وقال له لن أكل من طعام تلمسه يديك، وبتحريض من الإدارة ، كرر السجن العملية التي أغضبت عمر الذي ما زال معزولاً ومعاقباً، فهاجم السجان وضربه بقوة".
بعد تلك الحادثة، استهدفت إدارة السجون عمر، ويقول رفاقه "مارسوا بحقه كل صنوف القمع والعقاب والتعذيب، أبقوه مقيد اليدين والقدمين، ونقلوه للسجون مع الأسرى الجنائيين "الاسرائيليين" وحرضوهم عليه، فتعرض للضرب الوحشي بشكل دائم حتى أصبح يعاني من نوبات ألم شديدة وفقد القدرة على الوقوف على قدميه، ويتابع رفاقه "بعد شهرين من العذاب ورفض وقف عقاب القمع والتنكيل بحقه، خاض عمر إضراباً عن الطعام ورفض التعاطي مع مصلحة السجون، ولزم الصمت ورفض تناول الدواء".
الأول في التحدي
استمر إضراب عمر عن الطعام 40 يوماً، ورفض فكه وأغلق عينيه وكتم صوته رغم انهيار حالته الصحية، ويقول رفاقه "في تلك الفترة، قرر لوحده وبشكل سري إنهاء ملفه الاعتقالي وكما يبدو خطط للهرب من خلال مواصلة إضرابه رغم ضغوط ومحاولات الاحتلال ومخابراته كسر إرادته عندما استمروا باحتجازه مع الجنائيين الذين لم يتوقفوا عن تعذيبه"، ويضيف رفاقه "بحكنته وصلابته وقدراته، تمكن عمر من تضليل كبار الضباط في مخابرات الاحتلال وادارة السجون والاطباء التابعين لهم، ورغم محاولاتهم الحثيثة، تمكن من إقناعهم بانهياره النفسي والجسدي وعندما وصل الأطباء لإقناعه أنه أصبح على وشك الموت قرروا التخلص منه حتى لا يتحملوا المسؤولية".
اول الهاربين
في ساعات الليل، وصلت دورية عسكرية "إسرائيلية" لمدخل مستشفى الأمراض العقلية في بيت لحم، وألقت عمر الذي وصل وزنه ل40 كيلو، ولاذت بالفرار، ولحسن حظه، تعرف عليه بعض الموجودين، فأنقذوا حياته، ويقول رفاقه "الحالة التي ترك فيها عمر كانت صعبة وتؤكد أنه في النزع الأخير من حياته، لذلك لم تتردد إدارة السجون في الخلاص منه، لكن عمر خضع للعلاج وبعكس كل التوقعات بدأ يتشافى، وخلال ذلك، تدخلت الجبهة الشعبية وتمكنت من تهريبه من المستشفى، وعندما إكتشف الاحتلال ذلك، بدأت حملة ملاحقته، ويضيف رفاقه "تخفى عمر لمدة ثلاث سنوات في الوطن، ونجح في خداع وتضليل جهاز المخابرات حتى تمكن من الهرب لخارج الوطن، ومن لبنان وسوريا استقر في بلغاريا، لكن عمليته تعتبر الأولى وسابقة في صراع الأسرى مع الاحتلال والهرب من سجونه".
في المنفى
عام 1995، تزوج عمر، وتمكن من بناء أسرة، رُزق بأربعة أبناء وتوفي أحدهم بسبب المرض، لكن روحه العاشقة للحرية جعلته يكسر الحواجز ويظهر في العاصمة صوفيا بعدما حصل على الاقامة ليعيش حياته كرب ـسرة وعمل مع شقيقه في التجارة، وكناشط ومناضل سياسي شارك في كافة الفعاليات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وخلال زمن قياسي، أصبح من أبرز وقادة الجالية الفلسطينية، وحظي بمكانة مرموقة لما تمتع به من روح وطنية وأخلاق عالية وتفاني بالبذل والعطاء من أجل شعبه، ويقول ـبناء الجالية "منذ وصوله لبلغاريا كانت شهامته وطيبته وأخلاقه وكرمه عنوان لحياته وسلوكه الذي جعله مقرباً من الجميع حتى أبناء الجاليات الأخرى، فعمر تميز كفلسطيني حتى في تعزيز النسيج الاجتماعي والتلاحم بين ابناء الشعب الواحد"، ويضيف من عاصروه في صوفيا "لم يرد عمر أحداً قصده يوماً، لم يغلق بابه أمام أحد، ولم يقصِّر مع الجالية في الدعم والمساندة والمؤازرة، تميز بالحكمة والتواضع والإيثار والبذل، وكان ناشطاً في الفعاليات التي تتعلق بفلسطين وخاصة الأسرى والمناسبات الوطنية".
ويروي أحد الفلسطينين الذين لاذوا من مخيم اليرموك "أن عمر وقف ببطولة ورجولة في استقبال ودعم العائلات الفلسطينية التي نجت من مخيم اليرموك، عندما كنا نجمع لها مساعدات وتبرعات، عمر يقدم بسخاء وأكثر من الجميع، لم يتردد لحظة في رعاية ودعم أبناء شعبه، ودوماً كان يقول أي شيء ينقص أنا جاهز لتوفيره، ويوفره فوراً".
ويقول أصدقاء عمر في بلغاريا "تمتع بروح الفكاهة وخفة الدم، لم تكن الابتسامة تفارق محياه، لكن هموم الوطن وأبناء شعبه كانت شغله الشاغل، فتح متجره لتقديم الدعم لكل محتاج، وجعل بيته ملتقى للانتماء والتواصل مع الوطن وأبناء شعبه، وكرس عمره ليبقى صوت فلسطين مدوياً، يزرع فينا الأمل ويطمئننا دوماً بأن حلم العودة سيتحقق يوماً".
لماذا إغتالوا عمر ؟
لهذه الأسباب جميعها، اغتال الموساد عمر، كما ترى عائلته ورفاقه ومن عاشروه في بلغاريا، كما الجبهة الشعبية التي قاد فعالياتها في ساحة صوفيا دون خوف أو وجل، ويقول شقيقه أحمد "لأنه صاحب كل البطولات، ولما جسده من مواقف نضالية وبطولية، وبعد تغير النظام الحاكم في بلغاريا الذي أصبح أكثر قرباً وتعاوناً مع إسرائيل أعادوا فتح ملفه رغم مرور كل هذه السنوات"، ويضيف "واضح أن إسرائيل لم تغلق ملف الحساب مع عمر صاحب أول واكبر سابقة في تاريخ الصراع مع مصلحة السجون الاسرائيلية، فبعقليته الثورية وروح الجبهاوي الثائر خدعهم وأقنعهم أنه فقد عقله وتمكن من الهرب من السجن، والتسلل لخارج الوطن وتأسيس حياة في بلغاريا حيث تزوج ورزق بثلاثة أبناء وكرس حياته لشعبه وقضيته"، ويضيف "أن اغتيال الموساد لشقيقي عمر، محاولة اسرائيلية لاستباق اي خطوة أو قرار بعدما توجهت العائلة والجبهة ومنظمات قانونية وحقوقية للمحكمة الأوروبية لحقوق الانسان، لمنع الحكومة البلغارية من تسليمه" وتابع "عندما شعروا أن عمر الذي هزمهم خلال سجنه ومطاردته بهروبه ونجاته من الحكم بالسجن مدى الحياة، سيهزمهم مرة أخرى، قتلوه خوفاً وحقداً وانتقاماً، ففاتورة الانتقام اسرائيلية لم تنتهي، ومسلسل المطاردة والاستهداف لم يتوقف منذ انتزع عمر حريته رغما عنهم".
داخل السفارة ..
وهو ما ذهبت إليه الجبهة الشعبية، التي لم تكتفي باتهام الموساد "الاسرائيلي"، بل حملت أطرافاً اخرى بما فيها فلسطينية المسؤولية عن الجريمة التي أكدت أنها لن تمر دون عقاب، ويقول أحمد النايف "عندما طالبت بلغاريا عمر بتسليم نفسه بناء على طلب الاحتلال، احتمى بالسفارة الفلسطينية، لكنهم قصروا معه ولم يوفروا له الحماية، وللأسف تعرض لضغوطات لمغادرتها، لكنه تمسك بالإقامة بها لقناعته أنها أرض فلسطينية لن تفرط به يوماً"، ويضيف "كعادته في كُل يوم بإحضار الطعام لوالده، حضر محمد ابن شقيقي عمر للسفارة في ساعة مبكرة، لكنه وجده ممداً لا حراك فيه على كنبه في غرفة ينام فيها داخل السفارة وهو غارق بالدم، استمر بالصراخ حتى حضر موظفين بالسفارة رغم انه لم يشاهدهم عندما وصل إليها"، ويتابع "روايات أصدقاء عمر الذين وصلوا فوراً للسفارة، أكدت عدم وجود آثار لرصاص في جسده، وأن المؤشرات تؤكد انه خاض عراكاً و تعرض لضرب إحترافي ادى لمقتله، وظهرت آثار ضرب على وجهه و جبهته ومنطقة العينين والجبين".
في المقابل، عبرت الجبهة الشعبية عن غضبها ودعت لعدم الصمت تجاه هذه الجريمة والمطالبة بالكشف عن تفاصيلها مع اتهام السلطات البغارية بالتآمر مع الاحتلال، كما حملت السلطة الوطنية الفلسطينية ووزارة الخارجية والسفير الفلسطيني وأركان السفارة المسؤولية والتقصير، بينما دعا الأمين العام للجبهة الأسير أحمد سعدات، "لتشكيل محاكمة شعبية للقيادات الفلسطينية التي تواطئت في هذه الجريمة وضرورة إنزال أشد العقوبات الثورية بحقهم"، معرباً عن ثقته الكاملة بأن الجبهة سترد هذه الجريمة التي "لن تمر من دون عقاب رادع ومحاسبة كل من تورط فيها".
السيناريو الأخير
ووسط تناقض الروايات، ومعيقات بلغاريا أمام التحركات الفلسطينية للتحقيق والتشريح، وتضارب التصريحات، فإن الاعتداء "الاحترافي"، كما يسميه أحمد النايف الذي أودى بحياة عمر يرى فيه بعض قادة الجبهة الشعبية جزء من محاولة الثأر والانتقام الاسرائيلي التي إنتهت بعكس توقعاتهم دون إستبعاد الهدف الاخر القتل والخلاص من الوصمة التي ألحقها عمر بمخابرات الاحتلال التي تباهت دوماً بقدراتها وإمكانياتها التي انتصر عليها، فهم يروون أن السيناريو الذي طبخته دوائر الاستخبارات "الاسرائيلية" كان يقضي بمهاجمة وضرب عمر بشكل مبرح لنقله للمستشفى، وهناك، يكمل فريق متخصص من الموساد بالتآمر مع السلطات البلغارية المهمة لاختطاف عمر من المستشفى وإعادته للسجن، فهم ما زالوا يتألمون لخديعت لهم، ولم ينسوا بعد كل هذه السنوات أنه هرب من المستشفى، لكن روح عمر المتمرد والعاشق للحرية جعلته يقاوم ويتصدى ويختار الشهادة حتى يفوت الفرصة عليهم، لتبقى قضية هروبه التي لم حملها معه بالمنافي ثم لمثواه الأخير بعيداً عن وطنه، اللغز الذي يملك تفاصيله عمر الذي أثبت بشهادته أنه الحارس الأمين على قضية شعبه وأسرار جبهته التي علمته أن الاعتراف خيانة، فأضاف إليها أن التسليم والاستكانة هي خيانة، فصان الأمانة وبقي عمر النايف المناضل الذي لن يخذلهم ابداً.

