(حين يعقد في أوسلو حفل سنوي للسلام المفقود,يفقد الأمل في السلام)
ففي كل عام، وتحديدًا في العاشر من ديسمبر، تحتفي العاصمة النرويجية أوسلو بالإعلان عن أسماء الفائزين بـ جائزة نوبل للسلام، الجائزة التي أراد مؤسسها السويدي ألفريد نوبل أن تكون رمزًا للأمل، ودعوة إلى التآخي ونبذ الحروب.
غير أن بريق هذه الجائزة بدأ يخفت منذ عقود، بعدما تحولت – كما يرى كثيرون – إلى منبر سياسي تتحكم به المصالح الدولية، أكثر مما تُمليه قيم العدالة والإنسانية التي أوصى بها نوبل نفسه.
حين كتب ألفريد نوبل وصيته قبل وفاته عام 1896، نصّ بوضوح على أن تُمنح الجائزة لمن "قام بأكبر قدر أو أفضل عمل للتآخي بين الأمم ولإلغاء أو تخفيض الجيوش الدائمة".
لكن اللجنة النرويجية، المكلفة بمنح الجائزة منذ عام 1901، كثيرًا ما ابتعدت عن هذه المبادئ. فقد مُنحت الجائزة لأشخاصٍ تلطخت أيديهم بالدماء، من أبرزهم مناحيم بيغن، أحد قادة منظمة "الهاجاناه" المسؤولة عن مجزرة دير ياسين وكفر قاسم وغيرها في فلسطين المحتلة وهي مفارقة تكشف أن الجائزة التي وُلدت لتكريم دعاة السلام، صارت تُكرم من صاغوا الحروب وارتكبوا المجازر.
"فكيف يُكرَّم قاتل بجائزة للسلام؟ إنها فعلاً سخرية التاريخ وها قد صارت واقعاً مؤلماً."
فالاتهامات بهذا الشأن و الموجهة إلى لجنة نوبل ليست جديدة، إذ لاحقتها شبهات التحيز السياسي منذ عشرات السنين.
ففي عام 1939، قام أحد أعضاء البرلمان السويدي بترشيح أدولف هتلر للجائزة – على سبيل السخرية – احتجاجًا على ترشيح السياسي البريطاني نيفيل تشامبرلين، الذي اتُّهم حينها بالتورط في سياسات أودت بحياة الآلاف.
هذه السخرية، كما يرى مراقبون، تحولت إلى حقيقة متكررة في العقود اللاحقة، بعدما ذهبت الجائزة إلى قادةٍ ومسؤولين متورطين في العنف والاحتلال.
سلامٌ على مقاس السياسة
حولت الجائزة للأسف تدريجيًا إلى أداة سياسية في يد القوى الكبرى، خصوصًا الولايات المتحدة، فباتت تُمنح لمن يخدم مصالحها أو يعكس توجهاتها.
ولهذا فأن منح الجائزة مؤخرًا لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا ماتشادو – المعروفة بقربها من البيت الأبيض – جاء لاعتبارات سياسية بحتة، في حين تم تجاهل الناشطة السويدية غريتا، التي خاضت مغامرة بحرية لكسر الحصار عن غزة.
نعم إن "الجائزة لم تعد تكافئ الشجاعة الأخلاقية، بل الولاء السياسي." وما خفي أدهى وأمرّ.
وتبدو المفارقة أكثر مرارة حين نتذكر أن ألفريد نوبل نفسه هو مخترع الديناميت، أحد أكثر الأسلحة دمارًا في التاريخ.
والذي شعر بالذنب لاختراعه أداة الموت، أراد أن تُخلّد ذكراه عبر جائزةٍ تُكرّم دعاة السلام.وليس صناع الحروب لكن إرادته تحولت إلى رمز للخذلان، بعدما أفرغت اللجنة المعنى من الجائزة التي حملت اسمه.
ويبدو أنح حين منحهم نوبل أدوات الدمار، منحنا ورثته لاحقاً أدوات التجميل الأخلاقي الموت وللدمار
لذا نجد أنه لم تخلُ مسيرة الجائزة من محاولات لتجميل صورتها، إذ منحت اللجنة في بعض الأعوام الجائزة لشخصياتٍ ذات مواقف إنسانية حقيقية.
غير أن هذه الخطوات لم تمحُ ما علق بها من شبهات التسييس والانحياز. بل إن بعض الشخصيات التي فازت بها رفضت استلامها، معتبرة أن قبولها سيجعلها شريكًا في لعبةٍ لا تمت للسلام بصلة
ما دامت تُمنح وفق ميزان القوة لا ميزان العدالة، وتخضع لإرادة الدول لا ضمير الإنسانية.
وعليه فإنها ستبقى
سمًّا في دسم الجائزة، وشاهداً على موت الضمير العالمي.

