Menu

من صبرا إلى غزة الصورة تتحدث

مصعب عيسى

نشر في مجلة الهدف (75) (1549)

ايلول ذاك الموسم الاصفر يوقد في الذاكرة انينا جمعيا ..خريفا من دم ورماد ومقصلة للموت المتنقل لا يتوقف .تأخذ اذنا بالاعدام...فيصاب الجسد المطعون بدوار البحر القريب من كل مذبحة ومن كل جريمة...بحر من الحبر في فوهة الوقت يتجمد مداده الكحلي على رمل الشاطئ

في الجوار صليبنا الازلي يتربص برائحة البرتقال...وسط الساحة تتبعثر الكلمات في تلك النار الموقدة مذ...اضرم هسيسها الاول في تاريخ الارض باكملها...وصلت مفردة الحزن الى فم الاختناق فاصيبت بالخذلان...راحت حروف الالياذة تتشكل من طين وسراب تستجمع كل قوافي الشعر العربي لتنسج شطرا يفي بالمجزرة...لكن عبثا حاولت الكلمات ...

ثمة لغة مهزومة..مكتملة النقصان تدور حول الدمية الحشبية..حول جواري السلطان..لغة كاملة مخصية اصيبت بحمى التعدي والاعتداء فراحت كل الاسماء تحمل ضدها ..وحتى الافعال

بين عربا.واعراب

وعرض...واعرض

ومستوطن حل امتعته على الثرى...فاحل له المنطق الدولي احتلالنا واحلالنا ..وتحليل هويتنا..بماء النار

ثمة وطن اعرابي معتل بالضاد..وطن مضاد للامل ..ومصاب بالاضداد

ومازالت تستعر النار في الجسد المصلوب على دفتي التاريخ ..من أوقد هذي النيران منذ زمن هو ذاك الاسخريوطي الناقم على اليسوع الفلسطيني..تقنع بالاسفلت وبالفولاذ وتهادى رويدا رويدا في خطوته يتكأ على رقاع اتقن حرفتها وتحريفها واحتراف تيهها المزعوم...بين رمال الارض وسرابها الموهوم...من علاه فوق تراب الارض...من اعطاه هذا الوهم...حمل لغة الاعراب وطلاسم الاحبار ثم جاب الصخر بالواد...ونقش سفرا من وهم...اوهمهم انهم شعب الله المختار...فاصبحنا شعب الله المحتار مذ دخلت حروف التعدي والمعتدي ...الى ازقة تاريختا والكتاب

راحت النار تبتلع التاريخ اثرا تلو اثر...وشاهدا اثر شاهد اينما وطأ لهيبها...احالته الى رماد..(.ثمة معضلة ان تلتهم النار التاريخ...)

من يخسر تاريخه...يخسر الجغرافية..ومابينهما من سحاب.....اترانا نحرق تاريخنا بايدينا وايادي المحتلين

على شاشة التلفاز بث حي ومباشر...لحريق يضرم في مدينة بلغت ضربا عميقا في التاريخ يقدر بخمسة الاف عام قبل الميلاد على يد وهم عمره سبعة وسبعون عاما وقبائل مأجورة تصب النفط على النيران..!!!!

الايوجد في محاريبها قطر ة ماء ..لكربلاء العصر ..

ونبي صاح الليلة ملئ السماء..

في المدينة حي يسمى صبرا ..يتربع جنوب التاريخ الذي يشهد محرقة حية...صبرا شاهدة وشهيدة على الماساة المتسعة مذ حاك المحتل خيوط اللعبة..واصدر امر اعتقال بحق الفكرة فوأد الحرف المقاوم..وصادر الحبر السري .ولفق للعالم كذب الدولة المفتعلة...صبرا في غزة اليوم جريحة تعيد ذاكرة الدم النازف على أسلفت المخيم هناك شمال الفردوس العائم على جذر يبوس...وساق النكبة

تبكي غزة في صبرا ونبكي مجزرة تلو الاخرى..وذاكرة تولد دما..ورصاص.. بين مخيم صبرا وغزة برزخ من الذاكرة الملتهبة يبلغ ثلاثمائمة كيلو متر من الدم المسفوك على طول الطريق الواصلة...يلزمك نظريا ساعات بالحافلة وبضعة ايام سيرا على الاقدام. لكن في معادلات النكبة يلزمنا مثلث راسه في بيروت وقاعدته في غزة ونضرب وتد الارض بمعمقها ..نصل الى ناتج مفاده ان الطريق الواصل بينهما يوازي الطريق من مسقط الى طنجة...ومساحة للجغرافية المتآكلة...وتاريخ يتهالك ...لن يعلو ارتفاعه الا بالمقاومة

غزة تاريخ يتسائل عن شكل السفك القادم..ولون المقصلة التالية .ورائحة الجسد المتفسخ في الارض العارية الا من يدين احداها تخيط الصبر دعاء...وتناجي الله بترتيلة عشق كنعانية..

وصلاة استسقاء للفرح القادم..اتراه ياتي حقا !!

ويد اخرى تراكم الرماد التاريخي فوق اصابعها وابيضت من رمل المجزرة..تفرك اصبع بالاخر تولد دفئا باطن...تتزايد دورة الاصبعين فيمتد من الخنصر للسبابة..وتزيد حرارة الدم في اليد المدفونة..يواصل فعل الضغط بين الارض واليد...هناك لوحظ وهج من عمق الرماد يضيء...تستعر النار في الجسد البارد...يولد من رحم الرماد طائر..يحفظ للتاريخ وصاياه..يربت على كتف الارض الموجوعة...فتحمر وجنتاها ويطيب ثراها...وتقبل ثغر حبيبها .وهي تعد له وسادة من جذر ورصاص..وتقرا عليه نصا لدليلة...ودلال...وسناء

وسطرا من تاريخ بقاء...انت الارض الثكلى بالتاريخ..انت الجغرافيا..وانت السحاب..هذي وصية جدك الاول من يبوس...الى ايلياء...وتلك حمامات تحمل ارواحا تحوم على المجزرة..لا وقت للحزن..لاوقت للرثاء...انهض...وقاتل