Menu

سباق - سيزيفي - على النهاية عن العربي الذي كان يشبه وردة البراري

عبد النور الهنداوي

نشر في مجلة الهدف العدد (75)(1549)

إنه الله العظيم الذي ساعدنا على عدم تحطيم الأزل !

ومن الضروري قتل العربي في كل مكان، وفي أي مكان، لكي يبقى الزمن؛ وبالتالي لكي تبقى البشرية على حالها ، وعدم العثور على دليل على موتها .

إنها جدلية الأقدام المغطسة بالدم التي تتعقّب العربي، ومطاردة الطين الذي يحيط به، على اعتبار أن الطين يمثّل التجليات المركزية للخليقة، حسب ما تؤكده التوراة، ولا أحد ينكر أنّ الكثير من كتاباتنا، والكثير من قادتنا وأنظمتهم الشمولية الباهتة، يمتلكون الصلاحيات الفذّة من الأفكار التي يعود بعضها، أو كلّها إلى عهد قابيل وهابيل، فيما ينتمي بعضها الآخر إلى أيام العبثية الكبرى، لأننا متهمون في كوننا أقل من أن نكون بشراً، وها هي أرواحنا وليست أقدامنا هي التي حملتنا إلى أرض الميعاد.. ما دام الله قال للحاخامات، إن الهيكل هو نهاية التيّه، وإن قتل العربي هو نهاية المفاوضات، وإن اللغة العربية الفخمة، مفخّخة، وعليها أن تظلّ هناك في أعماق الرعاة !

حاخام يهودي يقول: إن يوشع بن نون له عينان خاليتان كليّاً من البكاء، ليضيف حتى الحديث عن الملائكة يثير سخريتي، ولو حلّ الملائكة بيننا لقضى معظمهم في الأشياء التي تتحدّث بها قاذفات القنابل، نحن أبناء الازدواجية الهائلة، رِجل داخل هيكل سليمان، ورِجل في البيت الأبيض الذي هو الكنيس الأبيض؛ وها هم العرب بدؤوا يستعملون المزارع اليهودية - كقيلولة - عائمة .

العربي يقول: من المفترض أن يكون لي أكثر من وجه، حتى يبقى الزمن بعيداً عن ثيابي، أنا الآن أبحث عن مكان ينام فيه جسدي، ولا بأس أن يكون المكان مهجوراً، وشديد الحيّرة.. وإنه لشيء رائع أن تكون المنطقة العازلة بيني وبين المكان مسافة ملأى بالسكاكين.

يقول اليهودي: أنا لا أستسيغ الآخر الذي يتحوّل إلى صندوق للنفايات، إنني اليهودي الذي سيجعل العالم كلّه غرفة دافئة، لأن العالم بحاجة إلى إعادة بناء كي لا يؤدّي اهتزاز العرب إلى فضيحة، ولا بدّ من الحرب الأبدية ضدّهم، حتى لو اقتضى الأمر إبادتهم بالقنبلة النووية !

صديقنا العربي يرد: كنت فيما مضى أشبه وردة البراري، وكنت أستعمل أصابعي جيداً وهي تتجوّل في الوعي، ولم أكن أصدق أن أحداً يشبهني، لأنني كنت أشبه الزلزال، وكنت ازرع القوّة الغامضة في رأسي، رغم أن " الكثيرين " كتبوا عن شفافيتي، ولا أدري ماذا يعنون بكلمة شفافية، إذ كنت شديد الثقة بالتاريخ الغابر، وها أنا الآن شديد الاضطراب لأنني لا أعرف الطريقة التي نضع فيها رؤوسنا على أكتافنا؛ لكن قرع الطبول ظلّ في رأسي، وكان أشبه ما يكون بالنبوءة !

يهودي آخر يقول: لماذا يُفترض بالعالم كتابة التاريخ كما تكتب القردة، يجب أن يكون التاريخ - قويّ مثلنا - نحن الذين تركنا دموعنا على الأرصفة، وانتظرنا الكميات الهائلة من الجمر التي أعادت لنا صياغة أرواحنا، فلتحترق دموع العالم، لتغدو أكثر نقاء بحثاً عن الأشباح؛ اليهودي الآن صار لا نهائياً، وعلى أكتافنا أن ترتفع أكثر لكي يظلّ العالم كلّه فارغاً، لأننا أمّام أمّة تتقاطع كل لحظاتها مع الكارثة !

إن وقتنا اليهودي، ليس وقتاً للصراخ، ولا للمواقف الملتبسة أو المائعة في التعاطي مع العربي الذي يرسم خريطة للبلاء، بجب أن نحذّر انفسنا من الخطيئة النهائية والأخيرة كأمّة أصبحت أقل بكثير من الفتات الإستراتيجي .

صحيح أننا "العرب" لا نستطيع أن نحرّك ساكناً، وإننا نتعامل مع الأعداء بطريقة ذليلة، وإننا ما زلنا نبحث عن طريقة لافتة للتعاطي مع العالم، والشعور الضاغط أنّ هذا العالم قد انفلت من أيدينا وها هو الشيطان يجلس القرفصاء على الطاولة، وأصابعه تسوّر الهولوكست، وإن بعض الحكام العرب يبحثون

عن الهروب الخطأ، حتى ولو إلى خطأ آخر أشدّ هولاً من تدمير ما تبقّى لدينا من العواء !

ماذا يعني وجود العربي الذي أتقن تحطيم الزمن، ومزج الفلسفة بالصقيع اليهودي، وهو لا يستطيع أن يفرّق بين ظهر الذباب وظهر الخيال؟

بالتأكيد ليس لدى العربي نصوص مقدسة تشبه الطيف، لكن من المفترض أن يستعمل دمه الساخن الذي يعني الأمل، أو يبحث عن مكان فيه كمية وافرة من الحجارة الجائعة .

ما يعنيه اليهودي، أن مهنتنا جميلة وشاقة. وهي المثابرة على صناعة الرجاء.

ألا يكفي أننا انفصلنا عن جاذبية العالم، ودخلنا في الهزائم المطلقة، وبالكاد تكون لنا وجوه، وبالكاد تكون لنا أرواح، مع أننا ولدنا في أماكن ممتلئة بالأطلال، والآن نمتلك مؤسسات عمودية لتنظيم وإدارة مواكب الموتى .

نعم حكام عرب من المتاحف، وآخرون من الكهوف، وها نحن نكفكف دموعنا التي لم تجد مكاناً حتى على وجوهنا !

جثة وراء جثة، والرؤيا لم تكتمل، ويهوذا يعربد باحثاً عن اللحظة التي تولد فيها الخليقة الأخرى !

الآن بإمكاننا أن نكون ذلك النوع الجديد من اليهود، والمعجزة الإلهية أننا نندفع في كل الاتجاهات، لأن أبواب الكراهية مفتوحة في وجوه الآخرين، وسنطفئ كل الأنوار التي يمكن أن تكون بقاياها في أرواحهم / أي أرواحنا .

الحاكم العربي، مصمّم على قتل التاريخ الذي فينا، فيما لا أثر لتلك البقة المثقّفة التي تعتبر أن ثمّة تقنية معينة ومختلفة تماماً، لإعادة تصنيع العربي الذي مات في البعيد، كي تغطيّه الشمس القادمة من البعيد !

إنهم ينتظروننا على بوابة العالم الآخر، لاعتقادهم أن الفلسفة العربية قد سقطت بين دفتي "التلمود" وأن التعاليم الإلهية قد تخطّت خيالات العالم، كي لا يتم استيعاب الفضيحة !

غبار، وضياع، ودموع، والهيكل القادم أصابه الجنون، لكي يغطّي إستراتيجيته المجنونة، فيما العربي، يولد فجأة في الفراغ، لكنّه يذهب فجأة إلى حيث لا يدري، وعلينا أن نقلّد الذي يذهب إلى حيث لا يدري !

بماذا نحاور اليهودي الذي زرع كل هذه الدماء في نصوص التوراة؟ وأرغمها على انتعال الأحذية الثقيلة، وربط كل هذا بعربة النار، وإن الحوار مع أمريكا كما اليهود يكون بقاذفات القنابل؛ والعرب الأقحاح يتحاورون بالأسنان، أو بمنطق الحثالة، أقصد حثالة القومية العربية، وحثالة الثقافة العربية، مع سبق سيزيفي على النهاية، كوننا أبناء الأيديولوجيا العارية التي تدعو إلى متلازمة القتيل العربي، يقتل القتيل العربي، وإن يوم القيامة " سيتأجّل " قليلاً لإعادة ترتيب الأمة العربية الخالدة مع ملاحظة أننا ورثة الدم !

يا لهذه الأمة التي توقفت عند جاذبية البكاء، ووضعت

أفواهنا جانباً لإطلاق الزغاريد، ونطلب من أمهاتنا

واخواتنا ارتداء ثياب الزفاف، كي لا تظل يد الحاكم العربي ترتجف من قوّة وعبقرية الخطيئة التي نجحت في تخريب البقية الباقية من هذه الأمة، لإضفاء وجه إنساني على هذا الخراب !

لقد أصبح الطحين العربي يقول الشعر مع إشارة ساخرة ومرّة إلى اللعنة اللغوية والفلسفية لدى مثقفي هذه الأمة، كي نقدّم الخبز مطرّزاً بالقبلات لحكام كلّهم على الأقل جاؤوا من التوراة، ونحن باقون في الثلاجة إلى حين إعادة تشكيل هؤلاء الحكام في مستودع النيران، وتسليط الأضواء على أحاديثهم البعيدة المدى، وكيفية الاستمتاع بانحناءتهم البائسة، وقد ذهب كل شيء في سبيل البحث عن الأمكنة التي خزّقت أرواحهم .

يبدو أن قيمة الانسان العربي، "أصبحت " قيمة بلهاء، وأن الجاهلية العربية ارتبطت مباشرة بامرئ القيس والشنفرى، وطرفة بن العبد، وسقط العربي في دهشته ولم ولن يرتفع في دهشته، إلى أن اكتشف ذلك البكاء السخيّ حين "غادرنا" الأندلس، وأن الدهشة لا تذرف الدموع أمام الذكريات التي تشبه الذكريات !

وبعيداً عن التخمين في صحة هذا الكلام أو عدمه، يقال: إن ثمّة فضائح تحت جلود الحكام العرب لن يُكشف عنها إلّا إذا تحطمت العبقرية الملازمة لهذه الفضائح، ولابدّ عندها من استعمال التعاويذ لردّ كلّ هذه اللعنات التي ستأتيهم من عند الله !

الحاكم العربي

حجر

في جدار الهيكل

ويضحك

كما يضحك الدم !