Menu

فضاءات سورية في (سيرة ذاتية لكحولي واضح) لباسم الصباغ

بسام سفر

نشر في مجلة الهدف العدد (75)(1549)

تتمتع نصوص السيرة الذاتية بطبيعة فنية حتى وإن طالبناها بموضوعية المؤرخ وحياديته, فهي تتعامل مع متغير شديد التحول يستعصي على التحديد والتأطير, وهو الإنسان, الذي يتعسر علينا التنبؤ بأفعاله التي ينشئها, أو ردود الأفعال التي يصدرها تجاه الأشياء والأحداث, ولأن جزءاً كبيراً من الصدق والخيال مرتهن بأشياء لا يمكن قياسها.

فمن يتحدث عن نفسه يمتلك حقيقة ما يتحدث عنه, ومن يمتلك الحقيقة يصبح أقدر على تسجيلها وعرضها ممن لا يملكها, فكانت السيرة أكثر إلماماً بدقائق حياته, وأشد إحساساُ بنبضات قلبه, وبدوافع حركاته ونوازع تفكيره ومواقفه من العالم المحيط به, وهو دون غيره أكثر وعياً بتطورها من ناحية ووحدتها من ناحية ثانية, أليس هو ذاته المؤلف والبطل والممثل في وقت واحد لمسرحية الحياة؟

ومن روايات السيرة الذاتية الصادرة في دمشق عن دار كنعان هذا العام "سيرة ذاتية لكحولي واضح" للفنان التشكيلي والروائي باسم صباغ.

فضاءات دمشقية:

تبدأ الفضاءات الدمشقية في الرواية من بيت نورس في حي ساروجا الدمشقي العتيق, الذي كان يقطنه أيام الاحتلال العثماني ضباط من جيش هذا الاحتلال على أنه الحي الدمشقي الجديد والأرقى, لكن في القرن الحادي والعشرين نجده "في شارع مائل كان نورس يقطن غرفة صغيرة في بناء قديم يئن من الرطوبة, في قلب ساروجا. تطل شبابيكها على حائط متداع, مغطى بأوراق الشجر اليابس والذكريات المبتلة".

ومن بيته في ساروجا إلى خان أسعد باشا في دمشق القديمة لنجد نورس أمام لوحته التي أصبحت غلاف لرواية "التيه", موقعة في العام باسم "ب. صباغ,1967".

والمكان الدمشقي الذي سوف يتكرر كثيراً في الرواية مع اسم صاحبه هو "خمارة أبو جورج" الكائنة في الشارع الطويل, قرب باب شرقي, وأبو جورج يصبح شخصية روائية "في زاوية نصف معتمة من خمارة أبو جورج, جلس نورس, لا يرسم, بل يستدعي, كما يقول لمن يسأله عما يفعله بالألوان".

تغرق شخصيات الرواية ما بين الخمارة وشارع باب شرقي كمكان يحمل دلالة التداخل مع ذوات الشخصيات الروائية في تعبير يجسد حالات الشخصيات الروائية, وفي الوضعية القائمة في دمشق من زاوية التميز في القول "ليل ثقيل في الشام. تمر السيارات بلا رغبة, وينكمش الناس في معاطفهم كأنهم يهربون من ذاكرة الجو".

وتتجلى العلاقات المعقدة للعديد من شخصيات الرواية, فهذه ميرنا تحاول مسح الصور من هاتفها بعد تلك الليلة في بساتين الرازي, لكن هاتفها لا يتخلى عن هذه الصور بعنوان ذاكرة مؤقتة وتستكمل صور سرد حكايتها عبر صورة شارع مهجور في المزة, لصورة ثانية, مرآة داخل مقهى مهجور في باب شرقي.

ويعيد الروائي باسم صباغ توظيف المكان في الفضاء الدمشقي من خلال "بيت صغير في الشعلان, جدرانه تقرأ العابرين, تجلس ميرنا على الأرض, ظهرها للحائط, عينها على الدفتر المفتوح, حيث رأت نفسها, لكن ليست هي بل كما رآها أحدهم, كما رسمت قبل أن تعرف أنها يمكن أن ترى هكذا الاستخدام للا معقولية والمنطقية جزء رئيس من البناء الروائي الذي يعتمد عليه الكاتب من أجل قول ما لا يستطيع قوله في السرد المنطقي الحقيقي, فكاتب السيرة هو من يقدم ذاته بأسلوبه الخاص به بعيداً عن المحيط وما مرت به دمشق.

ويعمق الروائي المكان السوري في الاستخدام عبر شخصيتي هبة ونورس بالقول: "ليست مدينة واحدة, بل شظايا مدن, كما لو أن الزلزال بعد أن هز الزمان, نثر أحياءً من حلب فوق بساتين الشام, وحارة من حمص في جوف دير الزور".

فمن الفضاء الدمشقي إلى الفضاء السوري في تجاور مكاني يعيد تشكيل فضاءات الحرب السورية عبر أجزاء المدن المدمرة.

وتعود لوسيا إلى الفضاء الدمشقي من خلال نورس وذاكرته "رآها.. هي, تمشي في سوق الحميدية قلادة فضية, وجه غرب مألوف, لكن الظلال خلفها كانت أكثر حضوراً منها".

بينما نورس يعمق المكان دخل زقاقاً جانبياً قرب كلية الفنون الجميلة, يبحث عن عنوان لم يكن متأكداً من وجوده, الطابق الأول, الباب الخشبي, وعليه لوحة صغيرة مكتوب عليها "دار كنعان للطباعة والنشر"، دفع الباب ودخل إلى غابة من الكتب والورق والغبار العطر".

وهذا فضاء دمشقي لا يتوقف عند حدود المكان، وإنما يتجاوزه نحو حدود فضاءات الكتاب الدمشقي في مرحلة تاريخية محددة تتعلق بأشكال الحضور وتنوعه من المكان إلى توظيف عالم الكتب والطباعة كجزء من الحياة الدمشقية الثرية "خزان سري لذاكرة دمشق".

وتبقى نهاية الفضاءات الدمشقية عند باسم صباغ في الرواية "أغلق نورس اللابتوب, خرج من غرفته بساروجا باتجاه شارع الثورة, صعد إلى سطح بناء يلبغا, وقف على الحافة, فتح ذراعيه, رمى نفسه ليصطدم بالإسفلت".

في انتحار شخصية نورس من سطح بناء يلبغا الدمشقي في شارع الثورة بعد دلالي عميق أن الثورة السورية رغم امتدادها الزمني الذي يشابه إتمام بناء يلبغا الذي استمر عقوداً جاء لكي يساهم في انتحار إنسان, وليس بفائدة عميقة للإنسان السوري رغم الأسماء الكبيرة المستخدمة مثال (شارع الثورة) بعيداً عن الأسماء التقليدية ( ساروجا, يلبغا).

الحرب:

فرضت الحرب السورية ذاتها على كل إنسان يعيش في سوريا بغض النظر عن أسبابها ودوافعها, إلا أن جاءت كأمر واقع جديد زمن خرج من يد السوريين جميعاً ودخل في زمن الحفاظ على حكم البلاد بقوة العسكر والبوط العسكري "صوت يشبه الماء, لكنه يحترق! ثم تأتي صورة, ثم لا شيء, رائحة حذاء عسكري محترق". ويتوسع الصباغ في رسم ملامح الحرب "البيت الذي قصف, ثم عاد في المنام.

- أمي.. ليش رأسك بلا وجه؟

- لأني ما كنت هون لما نزل الصاروخ.

-بس كنتي هون.

- كنت جسد بدون توقيت".

وأثناء الحرب تنشأ علاقة بين الإنسان والأدوات المدمرة المستخدمة لقتل الحياة وحرقها" كانت الحارة كلها تطلع تركض لما تجي الطيارة. بس أنا ركضت لجوا. مش لبرا. كنت بدي شوف كيف يموت الوقت", ويرسم الروائي لحظات القصف حين يقول "- قلتلك لا ترجع عالبيت, نورس, القذائف بتتذكر الوجوه.

-ما كنت متذكر وجهي, كنت بدي رجعو.

-بس وجهك ضاع تحت الركام".

وتظهر السخرية في اللا معقول عبر أسئلة تطرحها الشخصية في شروط الحرب "- وهل عدت من القصف؟

-لم أعد, بقيت هناك, فقط رجع عقلي. يسألني شخص لا فم له, فقط نظرات تحضر".

ويستمر اللا معقول في الرواية "خديجة شو عم تعملي تحت الركام؟ فكي ضفيرتك, إيديك مشبوكتين بالطين. تتحول الخمارة تبتل الجدران, تمتلئ الكؤوس بالتراب, ويصير الضوء أصفر باهتاً, كأنه خارج من مصباح مهجر", و"لينا كان بدها تصير عازفة بيانو, بس أصابعها راحوا مع أول قذيفة".

ويوظف الشعر في الحرب من خلال قصيدة الخراب يلقيها لقمان ويمزجها بضحك عال, كأن الحزن بحاجة إلى سخرية كي يهضم "هالحرب, يا جماعة, ما قتلتنا, نحنا يلي قتلناها بعد ما زهقنا منها".

ويبني الروائي عالماً موازياً للحرب حين يقول: "صار الرصاص, حين يطلق, يفتت إلى رماد لا يؤذي, لأن الجدار الأخير انهار, واللوحة انفتحت, والسجين رسم العالم كما أراد أن يكون مجرد غرفة بلا أقفال, وضوء لا يطارد".

تنوعت عوالم الحرب ما بين البلاد إلى المناطق والحارات حيث فقط الناس بيوتهم ومناطقهم وأحباؤهم, لكن النقائض لا تظهر الحسن في عالم الحرب, وإنما تظهر الخراب والسخرية من الواقع والوقائع "فقط رجع عقلي" وصولاً إلى التراجيكوميدي" لينا كان بدها تصير عازفة بيانو, بس أصابعها راحوا في أول قذيفة "و "كأن الحزن بحاجة إلى سخرية كي يهضم".

 

الذات المتشظية:

لا تسير رواية "سيرة ذاتية لكحولي واضح" لباسم الصباغ وفق السيرة الذاتية الخطية, التعاقبية, المنظمة حول التطور الزمني لمراحل حياة الراوي (نورس) الشخصية الأساسية, بل تذهب إلى تشظي قول الذات وكتابة الذات المتفجرة في أساليب متنوعة ومختلفة في الكتابة والقول, إذ يتجلى أحد الأصوات," ذلك الهمس النسائي ذاته: "هل مازلت تذكرني, يا نورس؟ لقد رسمتني ولم تسمني", فهذه بداية الأصوات النسائية في الرواية, بينما تقبل "أزورا من الفراغ, فيهتز العالم, وتتكسر المرايا التي لا تعكس شيئاً, وشتات الغيم الذي نسي أن يهطل".

ويظهر تعدد الأصوات من "لونا" إلى "أنا صوفي.. كنت تنويني في لوحة الأم المعلقة, لم تكمل عيني, وأنا أمجد عازف الكمان الذي رسمته ذات مساء, ثم محوته كي ترسم كأساً بدله".

فالتشظي في الرواية يتجلى في مسارين, الأول: له علاقة في فضاءات المكان وتعدده, إذ نجده في الفضاءات الدمشقية المتعددة والمتنوعة, وتزداد حضوراً وتتوسع إلى الفضاءات السورية عموماً من خلال المدن والبلدات السورية مثل "دير الزور, حمص, حلب, السلمية.. إلخ", بينما الفضاءات الدمشقية كان عنوان فقرة.

المسار الثاني: في حضور الشخصيات المتعددة والمتنوعة والمتشظية مثل "أزورا, أبو جورج, نورس, لوسيا, عزة, إيلي, إيهم, يارا, (لمى, فريدة الطير), هبة, زياد, لجين, ندى, ميرنا وخليل درويش، لقمان، عبد المنعم، حكيم".

وتلعب الصورة دوراً كبيراً في الرواية خصيصاً في حضور خليل درويش "لم يتحرك خليل, كان يحمل حقيبة صغيرة, يخرج منها أصوات أطفال يضحكون, ثم يختفون:

- صورتن؟

- أي.. بس ما طلعوا بالصورة. الكاميرا خجلت! هن بيبقوا بس بالنيغاتيف".

وفي مكان آخر, على السطح, ينهض نورس فجأة, بيده صورة محروقة لا تظهر فيها ملامح, فقط ظل طفل يركض. من بعيد، ويتنوع حضور الصورة من جملة "الصبار لا يصور, لكنه لا ينسى".

إلى "الصورة لا تشرح, الصورة لا تتحرك, لكن الزمن داخلها ليس ميتاً.. بل معلقاُ", وأيضاً "الصورة تصور المصور. في لحظة التجميد, تتسع عينا الصبي, يرى الكاميرا, يرانا, ويبتسم".

بينما تعيد الصورة الذاكرة, "كجهاز استرجاع مكسور, لا كما كانت, بل كما أرادت الحرب أن تمحى, الصورة لا تشرح, لكنها تفضح, لا توثق, بل تخرق الزمن, تسمح لمن اندفن أن يطل من جديد, ولو في هيئة ظل أو ارتباك".

فالصور لدى صباغ تشكل حضوراً إعلامياً يطلق فضاء الرواية من الذاتي إلى الآخر, عبر تشظٍ لا محدود مفتوح على فضاءات وعوالم متعددة منها (مكاني, وما هو إنساني متنوع, وفني) يعيد تشكيل الذاكرة الذاتية وفق انتقائيتها لتعيد الذات وبوحها في أشكال متعددة.

وزمن التشظي مفتوح غير مغلق على فترة زمنية بذاتها ممتد, لكن نجد بعض التحديدات الزمنية مثل زمن توقيع لوحة غلاف رواية التيه (1867), وهل هذا التاريخ جاء عفو الخاطر, هزيمة العام (67) في القرن العشرين, وكذلك زمن ذهاب نورس إلى دار كنعان في شتاء العام 2006, وكذلك "الساعة في ساحة المدينة تشير إلى العام1994, بينما الراديو في الخمارة يبث خبراً من العام2013.

أخيراً رواية (سيرة ذاتية لكحولي واضح) لباسم صباغ غنية متنوعة ترصد واقعاً سورياً في زمان متعدد متربصة لحياة السوريين عبر الشخصيات المختارة بعناية التي عاشت زمن الحرب والتفتت السوري, وانتهاك الحياة في كل أبعادها, ووضعها في لوحة معلقة على جدار أو في صورة من صور الذاكرة, وهي تستحق القراءة والكتابة أكثر من مرة.