Menu

الأسير المحرر أحمد عارضة: الكتابة والأدب هما أدوات مواجهة تهدف إلى كسر الواقع المغلق والمسيّج بالأسوار

وصف الأسير المحرر أحمد عارضة اللحظات الأولى بعد تحرره بأنها مشوّشة، إذ لم يتمكن الأسرى بعد من تلمّس فضاءات الحرية الحقيقية، فهم لا يزالون داخل فنادق في القاهرة بانتظار معرفة مصيرهم القادم. يقول عارضة إن الفرق الهائل بين الحياة داخل السجن وخارجه جعل الشعور بالحرية غريبًا ومربكًا، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الأسرى يحاولون جاهدين التعايش مع هذه التجربة الجديدة وفهم أبعادها، مستنشقين الهواء النقي للمرة الأولى بعد أكثر من واحد وعشرين عامًا من الهواء الملوّث داخل الزنازين.

ويتحدث عارضة عن تجربته الأدبية داخل الأسر، مشيرًا إلى دواوينه الشعرية: «وشم على قارعة العدم» (2012)، «أنانهم» (2021)، و*«خلل طفيف في السفرجل» (2022)*. ويصف الكتابة في السجن بأنها معركة مع الزمن، إذ يكون الوقت “مكثفًا، ثقيلًا وبطيئًا”، ويجب على الأسير استغلاله بأفضل شكل ممكن ليعود عليه بالنفع كمناضل ومقاتل من أجل الحرية.
يقول: “استطعنا نحن مثقفو الحركة الأسيرة أن نهزم الوقت بالثقافة، بالكتابة، بالقراءة، وبالحوارات والجلسات الفكرية.”

ويرى عارضة أن الكتابة والأدب هما أدوات مواجهة تهدف إلى كسر الواقع المغلق والمسيّج بالأسوار. ويمنح النقّاد مساحة لتقييم ما يُعرف بـ”أدب السجون”، مؤكدًا أن السجن شكّل مساحة خصبة للتعبير عن الذات عبر أشكال أدبية متعددة: الشعر، الرواية، السيرة الذاتية، والمذكرات، وأن بعض هذه التجارب يستحق القراءة والنقد الجاد.

وعن بداياته الأدبية، يقول أحمد إن محاولاته الأولى قبل الاعتقال كانت “بريئة”، أما داخل السجن فقد وُلدت الكتابة لديه من جديد، وكانت بمثابة لحظة ميلاد حقيقية. ويضيف أن المعرفة والثقافة التي يكتسبها الأسير تتحول إلى نتاجات أدبية تعبّر عنه، وأن لحظة الكتابة الأولى تأتي “كمخاض متعب”.
ويشير إلى أن القراءة داخل السجن لم تكن سهلة بسبب الاكتظاظ وتعدد المتطلبات، فكان يقرأ في المساء عندما ينام الجميع.

ويعترف بأنه لا يتذكر قصيدته الأولى، لكن رفاقه لفتوا نظره إلى أن ما يكتبه يستحق النشر. كما يتحدث عن عداء السجّان للأدب، ومساعيه لطمس الوعي داخل السجون عبر سياسات تهدف إلى تجهيل الأسرى وتفريغهم من محتواهم الثقافي والنضالي.
يقول عارضة: “كل ما نكتبه في الأسر هو فعل مقاومة، لأنه يعاكس تمامًا إرادة السجّان.”

ويصف الصعوبات الكبيرة في إخراج النصوص الأدبية من السجون، معتبرًا أن الاحتلال يحاول عرقلة أي تقدّم ثقافي للأسير. ويشير إلى أن السجّانين ينظرون إلى الأسرى على أنهم “مجرمون وقتلة”، بينما يشكّل الأدب والشعر والفن نقيضًا تامًا لهذه الصورة.
ويضيف: “الأسير لا يستطيع التحرر جسديًا، لكنه يحلّق من خلال كلماته إلى الفضاء الخارجي.”

ويستذكر أحمد قصيدته «نور» التي كتبها رثاءً لشقيقه الشهيد نور الدين عارضة، الذي استُشهد في حزيران عام 2023. يقول إنه لم يكن يعلم كيف تحولت القصيدة إلى أغنية أدّتها فرقة «بنات القدس » من ألحان سهيل خوري، موضحًا أنها لم تُنشر في أي ديوان حتى الآن.
يتحدث عن تلقيه خبر استشهاد شقيقه داخل السجن قائلاً: “كان الخبر كالصاعقة، لكننا كشعب نعيش هذه التجارب يوميًا. توقعت له إحدى نهايتين: الأسر أو الاستشهاد.” ويؤكد أن وقع الخبر داخل السجن يختلف تمامًا عما هو خارجه، لأن الأسير يشعر بالعجز الكامل.

ويكشف عارضة عن تفاصيل التعذيب في السجون، مؤكدًا أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر شكّل مرحلة مفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني وفي حياة الأسرى. ويصف التعذيب بأنه الوجه الحقيقي للاحتلال، إذ اتخذ أشكالًا جسدية ونفسية: ضرب، شبح، حرق، وصعق كهربائي، مشيرًا إلى أن السجّان فكّك بنية الحركة الأسيرة وبدأ يتعامل مع كل أسير على حدة، حتى أصبح كل واحد منهم يواجه دولة الاحتلال بمفرده، وسقط شهداء تحت التعذيب.

كما يتحدث عن التمييز في المعاملة بين الأسرى الفلسطينيين من مختلف المناطق، موضحًا أن أسرى غزة ولبنان تعرّضوا لأساليب مضاعفة من التعذيب، وأنه لم يلتقِ شخصيًا بأسرى عرب أو لبنانيين خلال فترة الحرب.

ويستعيد لحظة التحرير قائلًا إنه لم يكن يعلم أنه سيتم الإفراج عنه، إذ اقتحمت وحدات القمع الزنازين، فظنّ الأسرى أنها جاءت للتنكيل بهم، وتم ضربهم جميعًا وهم مقيّدون. غير أنهم فهموا ضمنًا من أقوال السجّانين الذين استجوبوهم وسألوهم إن كانوا نادمين، أن يوم الصفقة قد حان. “حتى اللحظة الأخيرة كان الخوف مسيطرًا علينا”، يقول أحمد.

وبعد واحد وعشرين عامًا من الاعتقال، كانت الحرية على الباب.
وفي ختام حديثه، يوجّه أحمد عارضة رسالة إلى غزة، مقاومةً وشعبًا، قائلًا:
“أنا مدين بحرّيتي لغزة. هي من منحتنا حق الحياة بعد أن كنا محكومين بالموت.”
ويضيف أنه يشعر بغصّة لأنه ترك خلفه أسرى ما زالوا في السجون، لكنه يؤمن أن الأمل لا ينكسر في داخلهم، مؤكدًا: “الأسير هو من يصنع الأمل رغم العذاب والظروف، وأنا واثق أنهم سينالون حريتهم قريبًا".