مازالت القضية الفلسطينية تشغل الأوساط السياسية والحزبية والثقافية في العديد من البلدان العربية رغم كل ما يجري في محيط العربي للكيان الصهيونية، والعدوانية الصهيونية التي سجلت أرقام قياسية في حروب الإبادة الطويلة التي قامت بها في غزة.
ومن هذه الأوساط حزب التحالف الشعبي الاشتراكي في مصر الذي يصدر كراسات سياسية وثقافية، ويتضمن الكراس رقم 17، بعنوان (المسألة الفلسطينية2)، " فخ الدولتين" للكاتب والباحث ممدوح حبشي.
وجاء في مقدمة الكراس أن القانون الدولي رصين وخال من المشاعر، وقد صاغ معاييره للإبادة الجماعية في المادة الثانية من اتفاقية الإبادة الجماعية لعام 1948، والمادة 6من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998، والمادة 6من القانون الجنائي الدولي الألماني لعام 2002، وتنص بالإجماع على أن:" الإبادة الجماعية هي أي من الأفعال التالية المرتكبة بقصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو أثنية أو عنصرية أو دينية بصفتها هذه".
وتشمل هذه الأفعال:" قتل أفراد تلك الجماعة رغم أن العدد ليس مهماً" فضلاً عن " التسبب في ضرر جسدي أو عقلي خطير لأعضاء الجماعة" و"فرض ظروف معيشية على الجماعة عمداً من شأنها أن تؤدي إلى تدميرها الجسدي، كلياً او جزئياً".
فمن يرى صور أنقاض قطاع غزة ويسمع تقارير أهلها، يدرك أن التقارير النمطية في وسائل الإعلام عن الهجمات الإسرائيلية ضد مواقع حركة حماس، ما هي إلا محاولة غير كفؤة لتبرير الحرب العشوائية ضد جميع السكان في قطاع غزة بأنها حرب دفاعية حقيقية.
إن" حرب الإبادة ضد حماس" هذه تظهر أن حماس ليست طائفة صغيرة، وليست" كارتيلاً"، بل من الواضح أنها منظمة ذات فروع واسعة في المجتمع، والتي يتطلب القضاء عليها الطرد والحرب العشوائية حتى على من غير مشاركين، ولا يمكن إلا لمتهكم أن يبرر ذلك باعتباره ضرراً جانبياً في حرب دفاعية لا يمكن تفاديه.
مولد دولة اليهود( أكبر عملية احتيال سياسي):
أثناء الحرب العالمية الأولى( 1914- 1918) تم وضع حجر الأساس لإقامة دولة لليهود، فقد عقدت اتفاقية سايكس-بيكو في(أيار، مايو) من العام 1916، بين إنجلترا وفرنسا بشأن تقسيم المشرق العثماني بينهما وكانت فلسطين من نصيب إنجلترا، وعلى هذا صدر تصريح بلفور الشهير في الثاني من (تشرين الثاني، نوفمبر) من العام 1917، بشأن عطف بريطانيا على أنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
وعندما سقطت القدس في أيدي القوات البريطانية في منتصف عام 1917، أثناء الحرب أعلن الجنرال قائد الحملة قيام إدارة عسكرية باسم" الإدارة الجنوبية لبلاد العدو المحتلة"، والعدو هنا تركيا( الدولة العثمانية)، والبلاد هي فلسطين 1918، وفي إطار تلك الإدارة جاء حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية العالمية لزيارة القدس في (27 نيسان، إبرايل)، بدعوة من الكولونيل ستورز الحاكم العام للقدس، واجتمع بنخبه من رجال القدس وأعيانها، وعدد من رجالات العرب وأوضح لهم أن اليهود يعودون إلى فلسطين ليصلوا إلى الماضي بالحاضر من أجل إعادة خلق مركز فكري وأدبي.
وكان وايزمان قد حصل قبل مجيئه إلى القدس على موافقة اللورد بلفورعلى وضع حجر أساس للجامعة العبرية على جبل سكوبس في (24تموز، يوليو1918). ومن خلال اتفاقية سايكس- بيكو اختارت انجلترا هربرت صموئيل، وهو أحد اليهود الإنجليز ليرأس حكومة الانتداب البريطاني في فلسطين.
وبدأت تعمل على تنفيذ وعد بلفور عبر تأسيس " الوكالة اليهودية"، وكانت تعتبر لندن المركز الرئيسي للحركة الصهيونية زمن الحرب العالمية الأولى انتقل إلى مدينة نيويورك أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي هذه المدينة انعقد أهم مؤتمر في تاريخ الصهيونية عرف باسم الفندق الذي انعقد فيه وهو فندق بلتيمور في شهر (أيار، مايو من العام 1943)، حضره مندوبون من المنظمات الصهيونية في العالم، وأحد عشر عضواً من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي بينهم هاري ترومان الذي سيصبح رئيساً لأمريكا. وفي مساء( 14أيار، مايو) وليلة(15منه) اجتمعت الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة وضع فلسطين بعد انسحاب بريطانيا وضعت فلسطين تحت الوصاية الدولية، اعترفت أمريكا بزعامة ترومان بحكومة إسرائيلية مؤقتة في الجزء المخصص لليهود في قرار التقسيم.
ويدعو حبشي إلى فهم العلاقة العضوية بين الامبريالية العالمية وإسرائيل لتوضح خطورة أفكار حل الدولتين على القضية الفلسطينية برمتها، بل على الصراع بين الإمبريالية وقوى التحرر في العالم كله.
ويربط ما بين هزيمة إسرائيل في حرب طوفان الأقصى، والضربة الموجعة للإمبريالية، والشرخ العميق في بنية نظامها العولمي الهادف إلى إخضاع الجنوب العالمي للشمال العالمي في سياق الإبادة في غزة لا يشذ عن سياق الإبادات الاستعمارية المستمرة.
حل الدولتين:
أن فضح فخ حل الدولتين لا بد أن تسهم فيه كافة قوى التحرر في العالم، فمن الطبيعي أن نجد في صفوف مناصري حل الدولة الواحدة الديمقراطية متعددة الأعراق والديانات، أسوة بما حدث في جنوب إفريقيا في العام 1994، بعد صراع
استمر أجيالا، من شعوب الغرب، وأن نجد من أنصار حل الدولتين للقضاء على المسألة الفلسطينية والخضوع للعنصرية والفاشية واستمرار نظام إخضاع الجنوب العالمي للشمال العالمي، من النظم الأكثر تبعية للغرب، لا سيما العربية منها، بل والفلسطينية أيضاً.
أن حل الدولتين بالرغم ما فيه من غبن للحق الفلسطيني مقابل الباطل الصهيوني، يتطلب درجة عالية من السلم والتعاون وحسن الجيرة، الأمر الذي نراه يتباعد مع الزمن، خصوصاً بعد جرائم الإبادة الجماعية التي تابعها العالم أجمع بالصوت والصورة منذ(7تشرين الاول، أكتوبر) من العام 2023، فقد أضحى هذا الحل أبعد أي وقت مضى، فالقادة الصهاينة ليس في الحكومة الحالية فحسب، بل كل من سبقوهم، بدأ من بن غورين وغولدا مائير لم يعترفوا أبداً بحل الدولتين، وقد دأبوا منذ تأسيس دولة(إسرائيل) في العام 1948، على رفض الاعتراف بقرار الأمم المتحدة 181لعام 1947، الذي قضى بإقامة دولتين وحدد حدودهما بخرائط معترف بها دولياً.
ويستدل على ذلك عندما تقدمت (إسرائيل) بطلب العضوية في هيئة الأمم المتحدة، حيث اشترط عليها لقبول العضوية أن تعود إلى حدود قرار التقسيم رقم 181، لأنها احتلت (24بالمئة) زيادة عن المساحة المخصصة لها في حرب 1948، كما رفضت إعادة اللاجئين، وهم ثلثا الشعب الفلسطيني في العام 1949، الذين اقتلعوا بالقوة من بيوتهم وأراضيهم، فوعد المندوب الصهيوني باسم حكومته بتنفيذ الشرطين.
ويوضح الكاتب حبشي إن نظرة متأنية على دروس تاريخ هذا الصراع تجعلنا نفهم لماذا حل الدولتين كان وما زال ليس حلاً بل فخاً لاستدامة واستكمال المشروع الصهيوني، ليس فقط منذ العام 1948، وبالأخص منذ اتفاقيات أوسلو 1993، في هذه الاتفاقيات وافق المفاوض الفلسطيني، ومازال حتى يومنا هذا، على كل الشروط التي وضعت على الدولة الفلسطينية المقترحة، خصوصاً فيما يتعلق بالأمن، والتنازل عن حق العودة، كما وافق حتى على عدد المستوطنات التي التهمت القدس والضفة الغربية بعد الاتفاقات.
ولتفسير الموقف الصهيوني الرسمي كتب حبشي أن جوهر المشروع الصهيوني على الرغم من كل المناورات السياسية لإخفائه، هو احتلال كل فلسطين وتهجير كل الفلسطينيين، فدولة (إسرائيل) هي الوطن القومي ليهود العالم كله.
وأن الغرب الاستعماري تاريخياً كان ومازال المشروع الصهيوني من الأصل مشروعها الاستعماري جيو-ستراتيجياً، هذا الغرب لم يكن في يوم من الأيام جاداً في حل الدولتين لذلك سمح لإسرائيل أن تنتهك كافة قرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية بلا أدنى محاسبة، إذا استثنينا التصريحات الإعلامية التي كان ومازال الغرب يطلقها بين الحين والآخر لحفظ ماء الوجه، والتي أضحت بعد مجازر الإبادة والتطهير العرقي في قطاع غزة منذ "طوفان الأقصى" الأوضح في نفاقها.
فالولايات المتحدة تطالب إسرائيل بالحفاظ على حياة المدنيين وتدين قصف المستشفيات، وفي الوقت ذاته تورد لها أسلحة وذخائر بمليارات الدولارات، ناهيك عن استخدام ال" فيتو 18مرة"، ثلاث مرات لوقف قرار مجلس الأمن بإيقاف العدوان.
كل ذلك يفسر بقاء حل الدولتين، ليكون مخدراً لراغبي السلام الحقيقيين ولكن السذج، وليبقى أتون الحروب مشتعلاً، وتبقى إسرائيل في مشروعها الصهيوني تبتلع وتهود قطعة قطعة، وتتهم مقاومة الظلم والاحتلال بالإرهاب.
أن النقاش حول حل التقسيم دائماً ما يؤدي إلى إدامة الصراع وتعميق الغضب عبر الأجيال، والأمثلة عديدة على ذلك، منها الهند وكوريا وفيتنام وقبرص ويوغسلافيا و السودان ، فقد أثبت التاريخ فشل صيغة الاستجداء"الأرض مقابل السلام"، التحدي الذي يواجه البشرية كلها اليوم هو فصل السلام عن الأرض، أي الاعتراف بأن أمن الجميع لا يمكن أن يأتي بالاستحواذ على الأرض، بل على التساوي في الحقوق.
أن نهج حل الدولتين للسلام يرتكز على إنشاء دول ذات عرق واحد ومحددة دينياً إسرائيل لليهود، فلسطين للعرب المسلمين والمسيحيين، لكن التفرد الطائفي ليس هو القاعدة في الشرق الأوسط، بل ظاهرة أوربية.
ويناقش حبشي شعار التحرير القديم(من النهر إلى البحر)- مع أو بدون إضافة: فلسطين ستتحرر- اختار البعض وهم مخطئون إلى حد كبير- تفسير هذه المشاعر على أنها دعوة إلى إبادة جماعية ومحو الوجود اليهودي.
ويتضمن حل الدولتين اقتراح تحويل خطوط هدنة العام 1949، إلى حدود دولية، لكن هذه الخطوط تعطي(78بالمئة) من الأرض لإسرائيل. ومن الناحية العملية، كيف التعامل مع (700) ألف مستوطن إسرائيلي يهودي صهيوني متعصب أقاموا مستوطناتهم في الضفة الغربية وهم مسلحون عدوانيون ويعملون كميليشات غير رسمية مساعدة للجيش الإسرائيلي. ومن ثم أن حل الدولتين يشمل غزة بالضرورة، وحين كتبت عبارة" الممر الأمن" لمسافة ثلاثين ميلاً التي تفصل غزة عن الضفة الغربية في اتفاقية أوسلو الثانية، دافع الحالمون عن كافة أنواع بناء الجسور والأنفاق والطرق العلوية والسكك الحديدية، ثلاثون عاماً كافية لإثبات أن كل هراء أو أضغاث أحلام يقظة.
وأكد حبشي أن القانون الدولي يمنح كل من طردوا في العام 1948، حق العودة إلى ديارهم داخل ما يعرف اليوم(إسرائيل)، التي تحرمهم كم هذا الحق، فحل الدولتين "يشرعن" هذا التعنت والنشاز الإسرائيلي.
وفي موضوع القدس إذ تغاضينا عما يسمى الوصاية الدولية التي قررت ولم تعمل يوماً من الأيام، فقد وصفها الساسة الإسرائيليون منذ العام 1949، بأنها عاصمتهم الأبدية، ومنذ العام 1978، بأنها غير قابلة للتقسيم.
فخ الدولتين:
تحتاج الدوائر السياسية في العالم شعار( حل الدولتين) رغم فشله التاريخي، فإسرائيل ليست الوحيدة العنصرية في تاريخ البشرية التي حفلت بصراعات بين القوى العنصرية وقوى التحرر من العنصرية.
ويعددها حبشي في ثلاث نماذج، الأول: هو ما انتصرت فيه العنصرية على قيم الإنسانية، فأبادت شعوباً بكاملها، وهذا حلاً للصراع فيما فعله الأوربيون في الأمريكتين وأستراليا. والثاني: هو انتصار جيوش الحلفاء على ألمانيا النازية (العنصرية). والثالث: هو انتصار "المؤتمر الوطني الأفريقي في العام 1994،على نظلم الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
ويرى حبشي أن المسألة الفلسطينية لن تحل إلا في سيناريو مشابه لجنوب أفريقيا، فقد أدت الحرب التي اندلعت في 7أكتوبر 2023، بطوفان الأقصى، إلى نوع جديد من الاستقطاب العالمي، فقد تضامنت غالبية شعوب الأرض مع الفلسطينيين، وتمترست غالبية القوى الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة خلف (إسرائيل).
أنها بداية لتراكم وعي جمعي عالمي جديد بحقيقة عنصرية (إسرائيل)، وبأنها ليست- كما زعمت القوى الاستعمارية دائماً- الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، ببساطة لأن لا ديمقراطية مع العنصرية، اللهم إلا ديمقراطية " الأسياد".

