Menu

عامان على طوفان الأقصى قرن على طوفان الوعي

أحمد علي هلال

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1550)

لم يكن طوفان الأقصى معركة خارج السياق التاريخي منذ اندلعت شرارة الاحتكاك الأولى مع الكيان الغاصب، ومن قبله الانتداب البريطاني على أرض فلسطين، ففي غمرة التحولات المصيرية بتراكم طبقاتها عبر التاريخ البعيد والقريب، كان الطوفان في ظلال دلالاته الحاكمة أبعد من حدث ليصبح تاريخاً بعينه يُبنى عليه وتُشتق من دلالاته ومعانيه وأبعاده قيم التحول في مضمار الوعي والمعركة الوجودية، وبهذا المعنى، أي بتتبع الأبعاد الكبرى لدلالة الطوفان، سنقف على جملة من الحقائق واليقينيات، وليس المسلمات فحسب: إنها ثورة شعب كافح بطلائع مقاوميه وقوافل شهدائه وآلام أسراه، غزوة صهيونية احلالية ليس من السهل اعتبارها آخر احتلال في العالم لأرض عربية الجذور والهوية، وهذا يعني بكل تأكيد إن طوفان الأقصى في أقصى الدلالات البعيدة هو طوفان الوعي وتثبيت الهوية وانتزاع الحقوق والصمود في الأرض، وبهذه السياقات الكفاحية التاريخية المديدة يمكن فهم تأثير الطوفان بوصفه تعبيراً شاملاً على أنه معركة من تلك المعارك الطويلة التي يخوضها شعبنا وطلائع مقاوميه، بل إن تأثيرها سيعيد تشكيل الذاكرة الجمعية والوعي الجمعي المتجدد لتكون النتائج أبعد من نصر ومعركة في حيز بعينه، لأنها جدلية الصراع المفتوح والتي ستجهر بآثارها على مجمل الحياة الفلسطينية وستتعداها إلى الإنسانية قاطبة، وهذا ما يعني أيضاً تحرير الوعي آلية وتفكيراً وأدوات بصياغة دلالة الطوفان على مستوى الأفكار والمصطلحات والمفاهيم وأنساق الثقافة قاطبة.

تُرى هل فرضت هذه الدلالة هذا التغير الذي طاول أنساق التفكير، بوصفه متكاملاً ستطاول جبهة الثقافة وتعبيراتها المتسقة والمندغمة بما يجري على أرض الميدان، أي غزة وأنحاء فلسطين، حتى تجهر منظومة فكرية جديدة بدلالات إضافية غايتها تحرير المعنى واشتقاق ما يعادله على مستويات الخطاب الإعلامي والإبداعي والثقافي، مع إدراك وفهم تلك المتغيرات التي طاولت بنى التفكير والتعبير في تلك الخطابات، تماماً كما حررت في الوعي دلالة كلمة انتفاضة وأصبحت المفتاح لفهم توق الشعب الفلسطيني للتحرر والانعتاق وتعبير الحرية، وذلك ما يضيف لدلالة الطوفان الجديدة أبعاداً أخرى على جبهة المصطلحات والاشتقاقات المعرفية، التي تشي بجوهر المقاومة وسيرورتها داخل حقول الثقافة، ولتتجدد معها تعبيرات المقاومة الثقافية إلى جانب إنجازات المقاومين، لكن تأمل المشهد العالمي بعيداً عن التأثير العاطفي والوجداني، والاسقاطات السريعة وصولاً إلى القراءات الموضوعية المنصفة لسيرورة الوعي والتحولات التي جعلت من القضية الفلسطينية حجر الرحى ومهماز الدلالة في قيامة شعب في وجه صلف العدوان واستعلاءاته الاستعمارية، وهذا ما يحدد بالتأكيد أولوية أن يكون اصطلاح طوفان الأقصى مفتاحاً لتأمل حركة التاريخ في قلب التراجيديا الفلسطينية، كما تواتر لفظة المقاومة على اختلاف مستوياتها داخل أنساق الثقافة والوعي الإنساني، وبذلك نقف على تأسيس جديد لحركة الشعب الفلسطيني داخل التاريخ لا خارجه، وداخل الجغرافيا الفلسطينية الملتهبة لا خارجها، كل ذلك لمزيد من القراءات الفاحصة لدلالة سوف تلتحم بالمزيد من الدلالات والتي تتجاوز في مداها الزمني إلى المستقبل حيث تشكيل الرؤى والأفكار والقناعات بجدوى المقاومة بوصفها البوصلة والدليل، ومن جهة أخرى سنقف بالدلالة الحاكمة على دلالة الطوفان في مستواه الإنساني والفكري والمعرفي، حينما يحدث الفارق النوعي في أنساق التفكير وتحريك الساكن الذي اعتور المشهد الفلسطيني، لكنه كان الملتهب تحت الرماد، رماد الوقت والأسئلة، ولتتواتر كل اليقينيات ذات الدلالة والمحتوى التاريخي من أمثال (مسافة الصفر، وفي اليوم التالي، وعائد إلى غزة... وغيرها) على المستوى الإعلامي وأبعد قليلاً على المستوى الثقافي الذي يعيد تشكيل بنية التصورات والرؤى والأفكار والسلوكيات، التي تبلور فهماً دقيقاً لتحولات الصراع والقضية، وتأصيل الفهم لحقيقة العدوان، وبالمقابل أصالة المقاومة النوعية باستعاراتها الثقافية والإعلامية والفكرية، ما حدث إذن ليس لحظة تاريخية عابرة في مسار طويل ومركب، بل تاريخ استأنف تاريخاً، مشبعاً بلحظات فارقة تراكمت لتأخذ في معنى الصيرورة قوى الجذب والانتباه والثبات، أجل دلالة الطوفان، هي دلالة عابرة للأزمنة والأمكنة والثقافات، لتشتق لغتها الجديدة بزخم مفرداتها الجديدة الملهمة للتاريخ وحكاياته الأثيرة، وما يحدث في غزة من حكايات غير مسبوقة سيعيد قراءة الحدث من أولياته إلى غده، بمعنى أن تكون فلسطينياً يعني أن تكون كونياً، فالضرورة الموضوعية هنا حينما يرسم الخطاب الثقافي المنشود احداثياته الجديدة مستلهماً تصوراته النظرية والعملية من واقع ما بعينه، سيعني دلالة هذا الفارق النوعي انعكاساً على الإبداع وصنوفه المختلفة، من الشعر إلى الرواية إلى المسرح وليس انتهاءً لغة الصحافة، ما يعني تغيراً بنيوياً ووظيفياً يقتضي براعة الأدوات التي تستقرئ ويقتضي أيضاً تحرير الرؤيا بما حدث في غزة -مثالاً- بوصفها إنموذجاً أسهم في جعل المتغيرات واقعاً جديدا لابد من قراءته وتمحيصه بعين فاحصة، فطبيعة هذا المتغير هي طبيعة معرفية في الجوهر، لأنها ستكون الحامل الموضوعي لخطاب ثقافي مغاير يتجاوز ويؤسس ويستشرف، لكنه لا يكتفي بانتهاء شوط من هذه الحرب، بل يذهب مستقرئاً ما حدث في البنية المجتمعية كما الأفكار بأنساقها الثقافية الجديدة.

فضاء مختلف لثقافة جديدة

ما سبق من تمهيد وتوطئة سيمهد على الأرجح إلى الحاجة إلى تشكيل منظومات ثقافية جديدة، تتبنى استراتيجيات مختلفة تقرأ دالة الطوفان في زمن آخر، ولا تقفز عن زخم اللحظة الكثيف في الوعي العربي والإنساني والعالمي، لكن جبهة الثقافة والإعلام هما في المقدمة أبداً، لتستمر المعركة في سياقاتها المعرفية والفكرية دفاعاً عن الكينونة والهوية الفلسطينية، وبأدوات جديدة ستأخذ فيها الصورة حيز الإشهار، حيث خلف الدمار وتشظي البيوت عناوين لحيوات كانت هنا ومازالت، وخلف خطى العائدين لغزة طريق سوف يمتد إلى فلسطين قدراً ومصيراً، إذن كيف سنكتب وبمَ نفكر تلك هي الكيفية المنشودة في تأمل حدث الطوفان وتاريخه، السطر الأبهى في مدونة الملحمة المستمرة.