Menu

قيس الزبيدي عراقي.. فلسطيني الهوى

أمينة عباس

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

قدم 12 فيلما عن فلسطين.. ومنح الجنسية الفلسطينية

 

من الصعب تلخيص مسيرة المخرج السينمائي قيس الزبيدي في عالم السينما وهي واحدة من تجارب السينما العربية تمتد منذ نهاية ستينيات القرن الماضي، والمتميزة بتنوع مساراتها ما بين التصوير والمونتاج وكتابة السيناريو والإخراج، وكان من القلائل الذين يجيدون الكتابة النظرية والتطبيقية، ومقالاته وكتبه عن الدراما والمسرح والسينما، سواء المؤلفة أو المترجمة عن الألمانية مراجع مهمة في الثقافة السينمائية العربية، رحل العام الماضي ليكون أحد أبرز الرواد في السينما الوثائقية العربية تاركاً إرثاً فنياً وثقافياً غنياً من خلال أعماله التي جمعت بين الإبداع والالتزام بالقضايا السياسية والاجتماعية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

 

عراقي... فلسطين الهوى

كان قيس الزبيدي خارج التصنيف الجغرافي كعراقي تناول في أفلامه قضية العرب الأولى فلسطين وكثيرون كانوا يعتقدون أن الزبيدي فلسطيني وهو الذي انغمس بهموم الشعب الفلسطيني سينمائياً، فأسس الأرشيف السينمائي الوطني الفلسطيني، واستطاع من خلال أفلامه التسجيلية حسب النقاد تقديم شكل مختلف للفيلم التسجيلي الفلسطيني وقد أخرجه من التراجيديا المقيد بها، كاسراً رتابة الفيلم الوثائقي بإغناء المادة الوثائقية وتنوع الرؤى والمواضيع، وكان الزبيدي مؤمناً بأن الفرصة الذهبية للقضية الفلسطينية كانت وما تزال في الفيلم الوثائقي لا الروائي:" ذلك أن الفيلم الروائي حتى في حالاته الجيدة يبقى أسير تقاليد درامية يمكن أن لا تكون كافية لطرح القضية بالمستوى المطلوب، لتبقى المفارقة الأكثر غرابة هي أن الأفلام المتضامنة من الغرب مع القضية الفلسطينية كانت أكثر عمقاً في مساندتها".

 

وطن الأسلاك الشائكة

كثيرة هي الأفلام التي أخرجها وتناول فيها الواقع الفلسطيني ومن أهمها "حصار مضاد" الذي أخرجه عام 1978 عن معاناة من بقي من الفلسطينيين في الأرض المحتلة والممارسات الفاشية التي يقوم بها جنود الاحتلال الإسرائيلي و"وطن الأسلاك الشائكة" إنتاج عام 1980 و"مواجهة" إنتاج 1983 و"ملف مجزرة" إنتاج 1984 و"فلسطين.. سجل شعب" إنتاج 1985 الذي قدم فيه قراءة للواقع الفلسطيني من أوائل القرن العشرين حتى سبعينياته، معتمداً على وثائق بصرية نادرة مع قراءة تاريخية بصوت الشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد، فيما كتب له التعليق والمقدمة المؤرخ الفلسطيني إميل توما، وكان فيلم "واهب الحرية" الصادر عام 1986الذي وثق فيه الزبيدي للعمليات التي قامت بها المقاومة الفلسطينية واللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي انطلاقاً من جنوب لبنان آخر أعماله على هذا الصعيد بعد أن قدم عن فلسطين 12 فيلماً وقد منح الجنسية الفلسطينية عام 2015.

 

السينما التسجيلية

وعن أهمية السينما التسجيلية كان قيس الزبيدي يقول: "كانت السينما بالنسبة لنا هي السينما الروائية، واكتشفتُ أهمية السينما التسجيلية خلال فترة الدراسة، وكنتُ متابعاً لها في مهرجان لايبزغ الذي هو أهم مهرجان للفيلم التسجيلي في العالم، وفيه تعرفتُ إلى السينما التسجيلية العالمية وعلى أبرز مخرجيها وتياراتها النثرية والشعرية، ولا أنسى مشاركتي وتجربتي لسنوات طويلة في مهرجان أوبرهاوزن المهم أثناء عملي في سورية، وبهذا تأهلتُ حِرفيا وفنياً ونظرياً في إخراج وكتابة سيناريو ومونتاج الأفلام أثناء مسيرتي السينمائية".

 

غرنيكا فلسطين

كان عالمُ الفن التشكيلي يأسر قيس الزبيدي منذ أن كان طالباً في المعهد السينمائي، فصنع فيلماً بعنوان "نزهة" عالج فيه لوحة غرنيكا لبيكاسو، ثم فيلم "الزيارة" الروائي التجريبي القصير الذي طلب فيه من الرسام نذير نبعة أن يرسم لوحة عن فلسطين شبيهة بلوحة غرنيكا كي يعالجها، وفي فيلم "شهادة الأطفال الفلسطينيين في زمن الحرب" عالج رسوم الأطفال الفلسطينيين التي رسموها في أحد المخيمات، ثم أخرج في المؤسسة العامة للسينما فيلم "زائد ألوان" وهو عن لوحات ثمانية رسامين بارزين في سورية من أجيال مختلفة.. وفي برلين كان قد أخرج فيلم "كابوس" عن رسوم كولاج لناقد ألماني معروف، وكانت هذه فرصة ليصنع فيلماً عن الرسام العراقي جبر علوان الذي كان يعيش بين إيطاليا وسورية وحمل عنوان "ألوان" ويُعتبر فيلمه الوحيد الذي له علاقة بالعراق، مؤكداً الزبيدي أنه ليس فيلم بورتريه عن علوان إنما بحث في جذور اللون الذي يستخدمه أهو من دمشق المدينة الشرقية التي يقيم فيها بعض الوقت أم من روما المدينة الغربية التي يقيم فيها البعض الآخر من الوقت أم من الذاكرة من بلده الأم العراق؟ ويقول: "إضافة إلى أنني استخدمتُ مقطعاً من مسرحية جواد الأسدي التي قدمها في سورية "حمّام بغدادي" التي رسم جبر لها لوحة الخلفية، وهنا استرجعتُ اللوحات التي رسمها عن العراق والتي تختلف تماماً عن اللوحات التي يعرضها في الوقت الحاضر، وفي هذا الفيلم اقترب لأول مرة من الموضوع العراقي لكن بشكل تجريبي".

رجال تحت الشمس

عاش الزبيدي في لبنان وألمانيا وسورية التي قضى فيها سنوات عديدة برز خلالها في أوائل السبعينيات كأحد أبرز الأسماء في الساحة السينمائية كاتباً ومخرجاً ومونتيراً لعدد من أفلام السينمائيين الشباب السوريين، وقد شارك في المهرجان الأول للسينمائيين العرب الشباب الذي أقيم عام 1972 في دمشق وهو من الذين عملوا على تأسيس سينما جديدة بديلة تأخذ في الاعتبار الواقع السياسي والاجتماعي للمجتمعات التي تتحدث عنها وتكون شاهداً عليها، وقد أنجز منها عدة أفلام، منها فيلمه الروائي الطويل "اليازرلي" عام 1974 عن قصة قصيرة لحنا مينة، وقد كتب عنه الناقد البولوني ليسلاف باير في مجلة "فيلم" في تشرين الثاني 1974: "من الأكيد أن فيلم الزبيدي هو تجربة شيقة وجديدة في عالم السينما العربية..عاش قيس الزبيدي في ألمانيا، وبعدئذ في سورية سنوات أكثر مما قضاها في وطنه، وكان يقول: "ما يربطني بسورية أكثر مما يربطني بأي بلد آخر، فأنا اخترتُها" وكانت الأفلام التي قام قيس الزبيدي بإخراجها أو كتابة السيناريو والمونتاج لها في سورية وخارجها عديدة وقد تنوعت ما بين التسجيلية والروائية والروائية القصيرة، منها: ثلاثية "رجال تحت الشمس" لمحمد شاهين و"إكليل الشوك" للمخرج نبيل المالح، و"بيروت يا بيروت" لمارون بغدادي و"يوم الأرض" لغالب شعث و"عائد إلى حيفا" لقاسم حول و"الليل" لمحمد ملص وحصل معظمها على جوائز في عدة مهرجانات عربية ودولية.

 

كتابه "فلسطين في السينما"

ألّف الزبيدي عدداً من الكتب أهمها: "فلسطين في السينما" الصادر عام 2006 وهو عمل مرجعي يوثّق التجارب السينمائية التي تناولت القضية في مختلف مراحل الصراع، وقد جمع فيه الأفلام الفلسطينية التي تحدثت عن فلسطين خلال تسعين عاماً تبدأ مع وعد بلفور وتنتهي عام 2005 وتحدث الكتاب عن 800 فيلم وفيه يقدم الزبيدي تحليلاً نقدياً عميقاً لكيفية تصوير وتفسير الهوية والتاريخ والنضال الفلسطيني في السينما الفلسطينية، عبر مجموعة كبيرة من الأفلام الروائية والتسجيلية، الطويلة والقصيرة، التي تناولت الأحداث المفصلية في تاريخ الشعب الفلسطيني. تغطي هذه الأفلام الفترة الممتدة من عام 1911 زمن الحكم العثماني، مرورًا بعهد الانتداب البريطاني والنكبة والتشريد ووعد بلفور الذي بموجبه تم إعلان قيام دولة إسرائيل عام 1948، وصولًا إلى ما تعرض له الفلسطينيون في الشتات حتى عام 2005، ويشير الكتاب إلى أن جزءًا مهمًا من الأرشيف السينمائي الفلسطيني تعرض للتلف والمصادرة خلال الغزو الإسرائيلي للبنان، في محاولة لطمس الذاكرة الفلسطينية بعد مصادرة الأرض، لذلك يشكل هذا العمل جهدًا لحفظ ذاكرة السينما الفلسطينية، إذ يتضمن معلومات دقيقة عن مئات الأشرطة وآلاف الأسماء التي ساهمت في كتابة القصص والسيناريوهات والحوار، فضلًا عن التصوير والإخراج والإنتاج. وقد شارك في هذه الأفلام 246 مساهماً عربيًا من دول مختلفة، بينهم فلسطينيون من داخل فلسطين التاريخية ومن الشتات، إضافة إلى 204 فنانين وتقنيين أجانب من دول متعددة. كما أُرفق الكتاب بقرص DVD يحتوي على ستة أفلام قصيرة تمثل نماذج متنوعة من الإنتاج السينمائي الفلسطيني، خصوصًا في مراحله الأولى.

 

قيس الزبيدي

حصل قيس الزبيدي على دبلوم في المونتاج من معهد الفيلم العالي في بابلسبرغ بألمانيا عام 1964 ودبلوم في التصوير عام 1969 وعمل في استوديو ديفا للأفلام التسجيلية وفي المعهد العالي للسينما في ألمانيا في المونتاج والتصوير والإخراج، وكان الطالب الوحيد من قسم التصوير الذي منحته الكلية فرصة إخراج فيلم التخرج التسجيلي، بالإضافة إلى تصويره ومونتاجه وكتابة السيناريو له والذي حقق نجاحاً كبيراً حين عرضه في مهرجان لايبزغ السينمائي، وأثناء سنوات دراسة التصوير كان يعمل كمونتير لأفلام دبلوم الطلبة الأجانب في المعهد وفق عقود نظامية، وكان قبل فيلم شهادة الدبلوم الذي أخرجه قد أخرج أفلاماً قصيرة عديدة خلال دراسة المونتاج والتصوير وعمل في المونتاج في فيلم "إلى الأمام أيها الزمن" مع المخرج كارل غاس وهو مخرج أفلام تسجيلية مهم جداً أنهاها بفيلم الدبلوم "في سنوات طيران النورس" وكمصور كانت حصيلة الأفلام التي صوّرها وقام بمونتاجها عموماً تزيد عن عشرين فيلماً إضافة إلى دراستين، الأولى نظرية حول طرق المونتاج في فيلم "طفولة إيفان" لتاركوفسكي والثانية و"ظيفة الخدعة السينمائية في اللغة السينمائية".

 

 

صدر حديثا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب «فلسطين في السينما (2): ذاكرة وهوية»، تأليف قيس الزبيدي، وتقديم فيصل دراج. يعلن الكتاب الجديد الذي اجتهد الزبيدي في توثيقه «كونية المسألة الفلسطينية اليوم»، واندفاع جيل فلسطيني جديد إلى الأفلام التسجيلية، القصيرة في الغالب، وشبه الطويلة في أحيان أُخرى، تتراوح بين دقائق معدودة وما يقترب من الساعة، أو يتجاوزها، وأفلام طويلة متعددة الجهود. وتظهر «كونية المسألة» في أعمال مخرجين سينمائيين متعددي الجنسيات: إيطاليا، ألمانيا، لبنان، العراق، إسرائيل، فرنسا، الدنمارك، سويسرا، فلسطين، بولونيا، الولايات المتحدة، إسبانيا، النرويج…. وفلسطين المنسوبة إلى مدنها الشهيرة (نابلس، رام الله، غزة)، وكذلك « القدس بالألوان» إنْ كانت الحياة اليومية مستودعا للأشكال الفنية، فإن حياة الفلسطينيين مستودع لأشكال القهر والتحدي والعذاب والتصدي، كما لو كان لهم نمط آخر من الحياة، تلتقطه الكاميرا قبل أن يستقر في قصيدة، ويقصده السينمائي قبل أن يتعامل معه الروائي والمؤرخ وكاتب القصة القصيرة. لكأن في هواجس الفنان قيس وهو يلاحق «موسوعة الأسى الفلسطيني» ما يقول: ما هي حياة الفلسطينيين المحاصرين داخل وطنهم وخارجه؟ وما معنى الفن إن لم يكن سلاحا من أجل الحقيقة؟ وما الذي يستطيع أن يقدّمه الفن السينمائي لشعب حُرم الاستقرار والأحلام الطويلة؟

يقع الكتاب في 264 صفحة، وثمنه 14 دولارا أمريكيا أو ما يعادلها.