نظم مركز دراسات أرض فلسطين لتنمية والانتماء يوم 6 ديسمبر2025 بفضاء ايكار الثقافي بتونس العاصمة ندوة فكرية وهندسية تحت عنوان (قطاع غزة بين استراتيجية الدمار وهندسة إعادة الاعمار ــ يدمرون ونبني، يرحلون ونبقى) وقد تمت الندوة تحت اشراف الدكتورة هند قروي مديرة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية والإعمار بتونس.
وإدارة الأستاذة سميحة الخلفي، المحامية التونسية وعضو هيئة الدفاع في المحكمة الشعبية الدولية.
وقد تضمنت الندوة محورين، تمثل الأول في المداخلات التي قدمها مجموعة من الباحثين والمتخصصين، وتمثل الثاني في المشاريع المقدمة من قبل طلبة المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية والإعمار بتونس من خلال مشاريع هندسية تتعلق بإعادة الإعمار في غزة. واشتمل المحور الأول على خمسة مداخلات، كانت الأولى للدكتور التونسي عبد اللطيف عبيد، وزير التربية الأسبق، وكانت بعنوان (إعادة إعمار غزة كمهمة عاجلة وملحة) أكد خلالها على ضرورة واهمية بقاء اهل غزة في ارضهم واسقاط هدف العدوان الصهيوني الذي يسعى عبر التدمير الشامل الى اقتلاعهم من أراضيهم وطمس هويتهم، خاصة وان العدوان مازال مستمرا. كما أشار الى بعض المؤتمرات التي تعقد والتصورات التي تقدم لإعادة الإعمار، الا ان المهمة المباشرة تتلخص الان في وجوب توفير مقومات البقاء من سكن ومأكل وملبس وماء صالح للشراب، وعدم رهن هذه القضايا بانتظار التوافق الدولي على الاعمار، وذلك من اجل منع استفادة العدو من الظروف الصعبة المترتبة على حالة الدمار الشامل، لكي يدفع الناس الى الهجرة.

وكانت المداخلة الثانية للدكتور وائل الزريعي، الباحث الفلسطيني والخبير في إدارة البيئة والمخاطر الكبرى، تحت عنوان:" إعادة هندسة الفضاء العمراني في مواجهة الإبادة" عرف خلالها الفضاء العمراني، الذي لا يختصر فقط في المنازل والمباني ومادياتها، بل يتجاوزه الى البعد المعنوي في علاقته بالإنسان وما يحمله معه من تاريخ وانتماء وشعور بالآمن. وهو الفضاء الذي عمل العدو على تدميره، بجميع أبعاده المادية والمعنوية. خاصة في ظل هشاشة الفضاء العمراني الغزي بسبب الكثافة السكانية الأعلى في العالم، الامر الذي يجعل من ارتفاع الخسائر مسألة حتمية، لاسيما وان العدو يستخدم المتفجرات والأسلحة المحظورة دوليا. وانتهى الى رسم استراتيجية مقاومة طويلة الأمد، واقتراح التدابير العاجلة والتي يستدعي تطبيقها ضرورة وقف إطلاق النار مع الضغط الدولي والدبلوماسي لإدخال المساعدات الى قطاع غزة، مع إحداث ملاجئ آمنة في صورة تواصل العدوان. واكد على أهمية إصدار مدونة البناء التي يجب ان يلتزم بها الأطراف المتداخلة في عملية الإعمار نظرا لخصوصية هذه العملية بوصفها شكلا من أشكال المقاومة.
وقدم المداخلة الثالثة الدكتور جوزيف شكلا، منسق شبكة الحق في السكن والأرض، تحت عنوان:" إعادة الإعمار أم التعويض؟" وقد تعرض من خلالها الى أهمية دور منظمة شبكة الحق في السكن في إضفاء البعد الحقوقي على عملية الإعمار، مؤكدا وأنه منذ الحرب العالمية الثانية أعتبر نقل السكان جريمة حرب، تهدف الى تدمير الحياة العادية للشعب الأصلي، وكانت من ضمن قائمة الجرائم الألمانية المرتكبة، خلال الحرب العالمية الثانية، وقد صدر حكما جنائيا بالإعدام من المحكمة الدولية العسكرية على أحد الجناة المرتكبين لجريمة نقل السكان. وأشار الى ان هاته الجريمة تسببت في وجود أكثر من خمسين مليون متشرد في العالم، فضلا عن ثمانية مليون ضحية فلسطينية منذ تاريخ وعد بلفور. كما تعرض في مداخلته الى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أقر مبدأ جبر الضرر لضحايا جريمة نقل السكان، واكد على أن جبر الضرر لا يختزل في عملية التعويض فقط، بل ينضوي على خمسة بنو، وهي الاسترداد، والعودة، وإعادة التأهيل، وإعادة التوطين، ثم التعويض. وانتهى بذكر القرار الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية الذي أقر حق الشعب الفلسطيني في جبر الضرر الذي لحق به.
وكانت المداخلة الرابعة للدكتور عابد الزريعي، مدير مركز دراسات أرض فلسطين للتنمية والانتماء، تحت عنوان:" خصائص وسمات استراتيجية التدمير والإبادة الصهيونية"، أن استراتيجية التدمير الصهيونية تستند الى الإيديولوجية الصهيونية والى الإرث الفكري الاستعماري، وتبلورت سماتها في اطروحات زئيف بونين الذي كتب عام 2000 ان إسرائيل باتت محاطة بكثافة سكانية وعمرانية عالية، مما يستدعي تفكيكها وازحتها، لأن وجوده يشكل خطرا. وقد بدأ التطبيق العملي لهذه الاطروحة في مخيم جنين عام 2002. ويتم تطبيقها الأن بشكل سافر وشامل في قطاع غزة. وأشار الى ان عملية الإعمار ليست عملية مشروعا خيريا من قبل الدول المانحة، وانما تسعى من خلال تعطيل العملية الى تحقيق اهداف واضحة، منها نزع السلاح والامساك الامني بغزة، فضلا على التنازلات السياسية. واعتبر أن إعادة الإعمار في جوهره مقاومة ونضال سياسي ونضال هندسي. وفي ختام المداخلة قدم عدة توصيات ومقترحات، تمثلت اولا في وجوب استمرار الملاحقة القضائية للكيان الصهيونية من أجل جرائم التدمير، ثانيا ضرورة العمل على إيجاد مصادر تمويل بديلة للقيام بإعادة الإعمار، ثالثا دعوة كليات الهندسة الى التفكير ضمن شبكة علاقات لتقديم مشاريع هندسية لإعمار غزة. وكانت المداخلة الأخيرة للمهندس التونسي أنس التركي، الأستاذ الجامعي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية تحت عنوان :" إعمار غزة بين الذاكرة الإنجاز" وقد تعرض خلالها إلى أهمية دور الطالب في دعم ومساندة القضية الفلسطينية من خلال تحقيق التفاعل بين الشعر والمعمار وتجسيد الكلمات الشعرية في فضاء هندسي ومنجز معماري متخذا الشاعر محمود درويش نموذجا، واشار الى بيان أن اللغة المعمارية هي لغة كونية، وقد نجحت في تجسيد مأساة الشعب الفلسطيني من خلال جملة مشاريع هندسية نجحت في الانفصال عن اللغة المنطوقة لتتجسد في لغة معمارية معبرة عما يعانيه الفلسطيني، وراسمة أفقا أجمل وأرجب وقد إعتبر أن عملية الإعمار ليست عملية مادية فقط بل هي عملية رمزية تجسد مقاومة الشعب الفلسطيني للبقاء في ارضه.
واشتمل المحور الثاني على أربعة مشاريع هندسية انجزها طلبة الأستاذ انس التريكي بالمدرسة الوطنية للهندسة المعمارية. حيث قام الطالب التونسي إياد مجدي بتقديم مشروع لإعادة اعمار مكتبة عمومية في خان يونس كان الكيان الصهيوني قد دمرها بالكامل، وقد تضمن مشروعه إعادة بنائها رغم الركام وأثار العدوان إلا أن هندستها كانت بمثابة الأمل الذي يتشبث به الفلسطيني للبقاء في أرضه. كما قامت الطالبة التونسية ياسمين خشارم بتقديم مشروعها الهندسي المتمثل في إعادة اعمار مدرسة ابتدائية بحي الرمال بغزة. وأشارت الى أنها ارادت أن تعيد هندسة بنائها نظرا لما لها من رمزية، كمصدر العلم والتعليم وهما سلاحنا لمواجهة العدو، وقد نجحت الطالبة من خلال مشروعها في تجسيد معاناة غزة تحت القصف ورسمت بشائر خير داخل ذلك الركام ودعت أهل غزة للتشبث به. كما قدم الطالب التونسي رامز الزوالي مشروعه الهندسي المتمثل في هندسة بناء مسجد الخالدي في جباليا وذلك لما لهذا المعلم التاريخي من رمزية وقدسية في غزة وقد أعاد هندسة بنائه موضحا أهمية جميع مكوناته معتمدا على إضاءة مخصوصة لمعرفة اوقات الصلات وقد نجح في تبليغ رسالته الداعمة للقضية الفلسطينية من خلاله. وقدم الطالب التونسي ياسين خميري مشروعه الهندسي المتمثل في هندسة بناء مبيت جامعي كائن بحي الزيتون بغزة بعد أن تم تدميره بالكامل من طرف العدو الصهيوني، واراد من خلاله ان يعبر عن تضامنه مع زملاءه الطلبة في غزة، وذلك من خلال منجزه الهندسي المتميز الذي يبعث الامل والتحدي. ثم قدم المهندس التونسي إيهاب عبد الناجي المتخرج من المدرسة الوطنية للهندسة المعمارية بتقديم مشروعه الهندسي المعنون بهندسة الصمود من خلال تصميم مساكن طارئة في غزة، قادرة على تحدي الواقع المترتب على العدوان الصهيوني.


