القراءة فعل مقاومة
يستمر الإنسان صامدًا دون انهيار بفعل القراءة
أيمن العتوم - الأديب والشاعر - قدَّس العلم وكرَّس نفسه له، حتى أصبح من أهم رواد الأدب في الوطن العربي والعالم. فصار قدوة يُحتذى بها، وعلامةً متميزة في مجال الأدب. يُشكل نموذجه حافزًا لكل من يطمح للصعود إلى القمة وتحقيق أهدافه. وقد نشأ في عائلة مثقفة، وكان لهذا المحيط تأثير كبير في تكوينه. وكان دائمًا يردّد: "من يحمل في قلبه هدفًا، فليكافح من أجل تحقيقه، حتى يرضى عن نفسه، ويسهم في خدمة وطنه".
كتب في روايته "يا صاحبي السجن" عن أحداث سجنه وكيف عاش تفاصيلها، ونقلها إلى قرائه وكان لنا معه اللقاء التالي:
حاورته : وفاء حميد
• عندما علمتَ من أحد أصدقائك أن السجن لا بد منه، وبالفعل كان ذلك، وأمام أبيك الذي أحببته وكان قدوتك، كيف كان شعورك غير الذي قرأناه في روايتك، عندما أخبرك أحد العسكريين عن جمال شعرك، وإعجابك بأبيك القوي المتماسك، وخوفك على أمك من أن تَنهار؟
إعجاب الآخر، الطرف الذي يقف على الضفة الأخرى، كأن يكون عسكريًا، أو مخالفًا لك في الفكر أو المذهب أو غير ذلك، يدل على أن كلمتك مؤثرة في القلوب، وأنها تتجاوز هذه الحدود؛ فهي تخاطب الإنسان في الإنسان، ذلك الشعور الإنساني الذي لا ينجو منه أحد. وبالتالي، إعجابه مع أنه ربما يعتقلني يدل على أن كلماتي مؤثرة. وبغض النظر عن الانتماء إلى طرف أو جهة، تصل إلى القلوب. وهذا بالفعل ما أسعى إليه دائمًا؛ أن تصل كلماتي إلى الذين يختلفون معي، أو الذين لا يتفقون معي فكريًا أو مذهبيًا أو مبدئيًا، قبل الذين يتفقون معي. لأن الذين يتفقون معي سيعجبون بكلماتي بوجه عام، أما الذين يختلفون فأن تعجبهم كلماتي فذلك هو النجاح الحقيقي.
أما الجزء الآخر من السؤال؟ أمي كأيّ أمّ تحب ابنها وتخاف عليه، حتى لو صار أبًا وجدًا - وهي ما زالت تعيش - ستخاف عليه، وهذه غريزة الأمومة في الأمهات. لكن أمي من النوع القوي، الصامت، الصابر، المحتسب، المثقف، الواعي، المحب، الحنون. هذه الصفات بعضها ربما يكون أصعب من الآخر. يعني هي حنونة، ستتأذى بشعورها بأن أحدًا يسيء لابنها، لكنها صابرة، ستصبر على هذه المحنة.
• أنت خططتَ بذكاء وصبر وحلم، وصنعت من سجنك عالمًا تأقلمت معه من خلال استلهامك حب أبيك لك، ورفقة أصدقاء بمستوى التفكير نفسه تقريبًا. هل ستبقى مستمرًا على هذا لو طالت مدة سجنك؟
بناء على المقدمات، يمكن أن نتنبأ بالنتائج. الجواب: نعم. لأنني إنسان قارئ، وبالتالي القراءة هي سلاحك في مواجهة المحن، القراءة درعك في صد الهجمات عليك، القراءة شفاء، والكتابة أيضًا، كما قلت في روايتي "يا صاحبَي السجن"، حماية للعقل من الانهيار، ومن الفساد، ومن اختلاط الأمور. القراءة فعل مقاومة، يستمر الإنسان صامدًا دون انهيار بفعل القراءة. فلو أن مدة سجني طالت، أعتقد أنني كنت - ومازلتُ - قادرًا على القراءة، وسأستمر. لكن المحنة الكبرى، والمصيبة العظمى، هي أن نُمنع من القراءة. فحينئذٍ يمكن بسهولة أن ينهار الإنسان.
• قلت في روايتك إنك تتلذذ بالقراءة وتهضمها لتفهم عمقها وسطورها وتعيش فيها ومعها. هل لأن أباك هو من كان يشجعك، أم لأن أيمن العتوم هو كذلك بالفطرة؟
في الحقيقة، هو تشجيع الأب والعائلة، وهو أهم شيء في نمو الموهبة أو الممارسة عند الطفل. لأن الطفل لا يدري، فهو يوجَّه ويقلِّد أكثر مما يسمع. لكن لا يوجد إنسان يحب القراءة بالفطرة. الإنسان يُدَرَّب على القراءة، يُحَبَّب فيها، تُزَيَّن له القراءة. الإنسان يحتاج إلى من هو أسبق منه وأكبر منه وأرشد منه في هذا المجال، كأن يكون أباه، فيزين له القراءة حتى يقع في حبها. فالطفل ينتظر هذا الشيء. هو تحبيب وتعويد ومتابعة، وهو أيضًا قدوة قبل كل شيء. إذا كان الأب قارئًا، فإن ذلك سينتقل إلى الأبناء بطريقة أو بأخرى وبدرجات متفاوتة. قد يكون الأب أكثر قراءة، وقد يأتي الابن قارئًا وإن كان أقل منه. أما بالنسبة لي، فأنا تعلمت القراءة من أبوَي. وأما القراءة بالفطرة، فهذا لا يوجد. كأن تقول لإنسان: مَلِكٌ بالفطرة، أو ظالم بالفطرة، أو رياضيّ بالفطرة. لا يوجد كل ذلك. التدريب والتمارين هما الأساس. وبعضه أمنيات مستحيلة أن تتحقق، إنما يتحقق الشيء بالجد والمثابرة.
• كيف تجد نفسك وقد اجتزت هذه المحنة؟ وهل كانت دافعًا لتصنع منك الأديب والشاعر المشهور، لتكمل الدراسات العليا وتصبح على ما أنت عليه الآن؟
هذه المحنة، كما يقال: "الضربة التي لا تقتلك تقويك" - طبعًا المحنة قوَّتني وجعلتني أستصغر محنًا أخرى حين أقارنها بها. وبالتالي، الإنسان يقرأ ويستطيع أن يستمر. ولكنها ليست هي من صنعتني في الأدب. الأديب تصنعه - كما أجبت في السؤال السابق - بالقراءة، وبالحفظ، وبالنفس الطويل، وبالمذاكرة، وبالجلوس للقراءة في الغداة والبكور، وبتقييد الإنسان عن شهواته الأخرى ولهوه ولعبه، وبتوجهه إلى الحد من أجل أن يكون قارئًا. وبالتالي، يمكن أن يصبح بعد ذلك أديبًا معروفًا.
أما إكمال الدراسات العليا، فقد كان لدي طموح في بدايات حياتي، عندما بدأت في العشرينيات من عمري، أدرّس في الجامعات. لكن لم يكتب لي ذلك، وأحمد الله أنه لم يكتبه لي. لأن الجامعات كانت ستكون قيدًا، ربما في مرحلة كانت بالنسبة لي حلمًا. الآن أنا تجاوزت الجامعات بفضل الله تعالى، وأصبحت معروفًا ليس على المستوى الوطني أو العربي فقط، بل على مستوى العالم بفضل الله تعالى. رواياتي تترجم إلى لغات كثيرة حول العالم، رواياتي تُتناول بالدراسة. قبل حوالي بضعة أشهر، نوقشت رسالة ماجستير أو دكتوراه عن رواياتي في جامعة السوربون. رواياتي تُناقش في الهند شرقًا، وفي السوربون في أوروبا غربًا، وفي تركيا شمالًا، وفي الوطن العربي كله. وهذا بفضل الله.
• سافرتَ إلى أماكن كثيرة، ما أكثر بلد تمنيتَ أن تبقى به لو خُيّرت؟
أنا سافرت إلى أكثر من ثلاثين أو أربعين بلدًا. وأسجّل الآن لك هذه الإجابات من الجزائر. خرجت أتمشى في الصباح في الشارع العام، كان الصباح جميلًا ولطيفًا وهواؤه منعشًا، فاستقبلني عدة أشخاص، ورحبوا بي، واحتضنوني وقالوا: "أيمن العتوم على قدميه!" فالفضل أولًا وأخيرًا لله. أنا أقول ذلك استرشادًا بما قال الله تعالى: "وأما بنعمة ربك فحدث". وأنا أتحدث بنعمة الله علي.
البلدان كلها جميلة، وكل بلد له جماله الخاص. قبل فترة قصيرة كنتُ في سوريا - وطبعًا أنا لم أنزل إلى سوريا مدة اثني عشر أو ثلاثة عشر ، مع أنني كنت أنزل إليها كثيرًا، وكتبت لها ومن أجلها رواية "يسمعون حسيسها"، ورواية "خاوية". في سوريا عبق تاريخ، لها نَفَسٌ لا يمكن أن تجده في بلد آخر. أنا إذا أردت الجمال - مثلاً - والهدوء والأناقة، ففي الرباط. ومن المدن التي أحببتها عبر سفري الطويل... أما إذا أردت ودّ الناس والتفاف الناس حولك، ففي العراق، في شماله، في الموصل، كان ذلك واضحًا وجليًا. ولكل بلد ميزته. الجزائر: شعب إذا أحب، رفع المحب إلى أعلى الطبقات، وكذلك إذا كره إنسانا، نزل به إلى أسفل الدركات. هذا شعب ليس عنده حل وسط. هذا شعب كريم وعزيز النفس وأبيّ، لكنه ليس لديه حلول وسط. وهذه ميزته بالمناسبة. فكل مكان وبلد له ميزة...
• أيمن العتوم الذي قرأنا عن أخلاقه وتفانيه في كل شيء، ماذا تقول لمن يريد أن يحذو حذوك، وخبرته قليلة، ولا يمتلك إلا القليل من أدوات الإبداع، ليصبح أديبًا أو شاعرًا؟
صحيح أن الموهبة جزء منها رباني، إلهي، يقذفه الله في روع صاحبه، لكن نسبتها 20%. أصلاً، العظماء كلهم ما صاروا إلى ما صاروا إليه إلا بتمردهم على أدواتهم وظروفهم الصعبة. لم يصل أحد وفي فمه ملعقة من ذهب. 90% منهم حفروا في الصخر حتى يصلوا إلى ما وصلوا. فأنا نصيحتي إلى أولئك الذين مازالوا في بداية الطريق: احفر، انبش، اخلص لفكرتك، اعطها من قلبك. هدفك وغايتك لا تجعلها تمر مرور الكرام...

