هي الملاذ المعرفي، هي السحر وينبوع الماء العذب الذي سقى بذور أدمغتنا لتزهرَ في عالمٍ لم نكن ندركه ونحن في مقتبل حيواتنا الناشئة، في مدينة بسيطة تطفو وسط شواطئ نهر الفرات، هي المكتبة العامة في مدينتي" حديثة"، هي العشق الأبدي، نعبر النهر بزوارق صغيرة خشبية وبعدها نكد السير على الأقدام كي نصلها، ببنايتها التي تبدو لنا من عجائب الدنيا السبع؟! بجدرانها وغرفها وحدائقها البسيطة، تتوسطها قاعة تمتد في منتصفها منضدة تضاهي طولها تحيطها مقاعد خشبية متينة.
هنا كان البدء، حين ندلف إلى مدخلها مبتهجين مبتسمين لرؤيا أمين المكتبة " محمد مكتبة" هذا هو اسمه، لا أحد يهمه اسم أبيه، محمد مكتبة ليس من أهل مدينتي، هو من سكنة الرمادي، يرحب بنا مبتهجًا، ننحشر بين رفوف الكتب باحثين عن الجميل منها، نقلّبها، وندوخ بالاختيار، رواية في بيتنا رجل لإحسان عبد القدوس، يقول الآخر قرأتها، أمتعتني لكني سأختار اليوم رواية لمحمد عبدالحليم عبدالله اسمها شجرة اللبلاب، قرأها صديقي وأعجب بها، نختلف ونضحك ونختار ونتجه إلى "محمد مكتبة"، يفتح سجله ليسجل به اسم المستعير وعنوان الكتاب، والبعض يهوى القراءة في قاعة القراءة، فتجد مقاعدها معظمها ليست خالية، نعم هنا كان البدء، بعمر الورود كنا.
وكبرنا قليلا لنختلف في أفكارنا، وأقصد السياسية منها، هذا قومي وذاك اسلامي والآخر شيوعي، كل هذا لإثبات ذواتنا، رجولتنا، ونروح نبحث في كتب السياسة، لتوحيد الأمة العربية وتحرير كل فلسطين من النهر إلى البحر!! والآخر يبحث عن كتاب "معالم في الطريق" لسيد قطب طامحا لتوحيد الأمة الإسلامية كما يراها مؤلف الكتاب أعلاه، وغيرنا راح يقرأ لكارل ماركس طامحًا للوصول إلى دكتاتورية الطبقة العاملة مرددًا مصطلح دولة البروليتارية، أو المرحلة الشيوعية.
هكذا كان البدء، ما كنا نحلم أن نكتب يوما غير حاجات المدرسة، كنا نرى كتّاب الرواية أو أي كتاب معرفي ذي مقدرة وشأن صعب نيله أو مستحيل.
فكان للسياسة البدء، في بحوث عدّت لدى المهتمين محكمّة بقدرة معرفية، كانت تجوب الفكر اليساري والصراع الطبقي نتاج الفكر الماركسي، هو ولعي آنذاك، لم أر غيره البتّة، امتلكتهُ من تنظيماتٍ عروبية يسارية رأت ضرورة اعتماد هذا الفكر في الجانب الاقتصادي.
ودارت الأيام ليرحل بي هذا الفكر إلى معتقل الحاكمية عام 1982 وثم تكررت عام 1984 لأدخل مدرسة من نوعٍ خاص بحوارات سياسية مع بعض المعتقلين، ومع أشبالٍ من منظمة فتح قدموا إلى العراق لقتل الفلسطيني أبو نضال المنشق من تنظيمهم الأصل، وألتقي بحملة أفكار وانتماءات سياسية معادية للنظام، هناك أمست لي شخصية غير التي أعرفها، بين هؤلاء وبين الغرف الانفرادية وبين أذرع الكهرباء، شخصية جديدة قد تختلف عن الآخر قبل الاعتقال.. حينها كنت موظفًا في المؤسسة العامة لنفط الشمال بعنوان كيمياوي أقدم.
من هنا كان ما حصل، ثمّةَ مبررًا لمغادرة الكتاب والكتابة ما خلا بعض الروايات ذات القلق الفكري مثل رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ التي كانت مدعاةً لمحاولة قتله من قبل المتشددين الإسلاميين.
وبعد صمتٍ طويل، وحتى بعد أعوام 2003 وفوضى الكتابة، هناك يراعي بدأ يستذكر ويحيك القليل من القديم بمقالات سياسية وبعدها طرّزَ بواكير رواياتي وهي رواية دائرة الخوف ثم تطور حالها إلى رواية خريف الشرق، عدّت من بعض نقّادها رواية أدب سيرة وأدب سجون، من هنا تحرر قلمي وانطلق برحاب السرد فنال نصيب الإبداع ونصيب النقد ونصيب بحوث متمكنة ونصيب دراسات عليا.
وكتابي هذا الذي بين أيديكم بعنوان ( رواياتي وكتبي بعيون من كتبوا عنها) خلاصة لما قرأتموه في مقدمتي هذه كي تدركوا أن الكتابة قد تكون نتاج مسارٍ صعبٍ لإنسانٍ مدركٍ لما يحصل في هذا الكوكب العنيف بأهله.
وأخيرًا وليس آخرًا أقول عسى أن يروق لكم أصدقائي أينما كنتم.

