Menu

إسكندر حبش.. هل كان الشعر وصيته الأخيرة بحثاً عن وطن القصيدة الأخير

أحمد علي هلال

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

في مقاربة تلك الوجوه التي شكلت صيرورة الشاعر إسكندر حبش وصيروراته المدهشة، نقف على ذلك التوتر الجمالي/ الوجودي، بانتباه وشغف ودهشة ممكنة، لنستقرئ صورته التي نجت من العدم والصمت والنسيان، وهو ما زال يكتب قصائده التي تتوالد في توتر قوس دهشتنا، لا بل أكثر من ذلك، مازال يفكر ويغدق ألوان معرفته ليس على الشعر وحده، بل على ضروب كتاباته المديدة والعابرة لأزمنتها وأمكنتها، شأن روح تخطت بأسئلتها الواقع ومرئياته الكثيفة، لكنه في كثافة أسئلته كان هو بذاته سؤال الشعر ومناددة الأرواح، أبعد من كينونة ضيقة كفراشة تعلّم الضوء القراءة والكتابة، وترسي تعاليم الحياة على أفواه الزمن، كتابات تحتفي بالسيرة: الذات/ الآخر، خارج حدود جغرافيا مغلقة.

إسكندر حبش هذا الكائن الشعري مجاز وطن يبحث عن هويته رغم اضطراب أزمنته، ليصوغ معادلة الكتابة بائتلاف وجدانه الجمعي والفردي بآن.

وفي المرايا ستتسع صورته أكثر لتلهم أو تدعو إلى التأمل الفلسفي والوجودي، فضلاً عن التأمل الجمالي، نحاور الشخص كأنه النص بذاته ونحاور النص كأنه وجوه تتعدد في المرايا، ما الذي يحيل إلى تلك التوطئة سواه مرجعاً وموئلاً وكثافة، تحمل تلك الصور إلى متخيل القارئ ومتخيل القراءة، لا سيما وهو يهب الغبطة المعرفية لمحاوريه، فضلاً عن حواريات ذاته الأثيرية، ذاته المفكرة بالشعر طريقة حياة وأسلوب عيش، أكثر منها محض كتابة لنرجسة في مهب الصمت، إذ الصمت -صمت الشاعر- لا ينفك على أن يكون لغة أخرى مترعة بضجيج روحه، واحتدام أسئلته الكبرى التي فجّر فيها سؤال الوطن القصيدة والقصيدة الوطن، بدءاً من مثاقفة روحه لأصوات الشعر الكونية والوطنية داخل سياقات الشعر الإنساني والعالمي، الذي مثل له على الدوام تلك الأمثولات الحية وقوتها وحيويتها وثراءها النظري، كأنه يحاكي ما قاله أولئك الكبار بُناة الأرواح، الشعر هوية الإنسان، وعلى ذلك نتلقى إسكندر حبش في (ضوء الأمكنة المتناغمة) الكتاب الذي أعدته الشاعرة تغريد عبد العال وحاورته بلا ضفاف، عن الشعر والحياة وفضاءات أخرى، ليعبر بالحوار تلك الآفاق التي تحيل على إنتاج المعنى، وعلو كعب اللغة ،وكتابة الصمت، ومرجعيات الثقافة، والأبعاد الفلسفية، والفن التشكيلي وصولاً إلى مضارعة الموت باجتراح الحياة، إذ تنحت الأسئلة الذكية ما يشبه البورتريه، لصورة إسكندر حبش الشاعر في لحظة تقاطع قصوى بين الموت والحياة، ويعيد بأجوبته الطليقة تركيب الصورة ليذهب أبعد من أسئلة باحثة، إلى ما يشبه تدوين سيرة ناجزة له ككائن يعبر المسافة إلى الممكن الجمالي واللغوي، إذ لا بلاغة هنا تتعدى ما يقوله الشاعر إلا بلاغة فضاءات المحكي الشعري الذي يولّده الشاعر في سياقات نظرية وفكرية ومعرفية، كلها تتضافر لتنتج رحلة البحث عن المعنى وتلهم أكثر بأصداء سيرة كتاباته وثقافته الملونة، إذ هو الفيلسوف الموارب في ثوب الشاعر، وهو الباحث العميق في قلب إجاباته، وليحيلنا إسكندر حبش إلى ما هو أكثر من بيان لا يخص الشعر وحده، وإنما يخص الشاعر وفي تلك الجدلية المثيرة سنكتشف أكثر ما هو وراء القصائد، أي ذلك الفكر المتماسك والمخيلة الثرية، بل اللغة القادرة على حوار الأشياء والأمكنة والأزمنة والصمت والصور، لكن الأدل هو حواريات المكان الفلسطيني، والذي يجعل من القصيدة وطناً، وبطبيعة الحال كما يؤكد إسكندر حبش (ليست القصيدة وطناً بديلاً)، بل هي شكل الانتماء وخلاصته في علاقة الفلسطيني بالمكان المحلوم به، والمُستدعى كفردوس مفقود، المكان الذي يؤثثه الشاعر بممكناته الجمالية والفكرية والوجودية، ليبني صرح الذاكرة التي تعيد البناء غير مرة ولتعيد معها دهشة الاكتشاف، للوسائل التي تحيل إليها الكتابة بوصفها وسيلة لإثبات الذات والآخرين، ولاستنطاق التفكير من خلال الرحلة الكتابية والحياتية، يتحدث إسكندر حبش عن قوة الاستبصار التاريخي والذي يقع في صلب عمله الشعري، كما يؤكد على أن الشعر هو صوت الأخوة الإنسانية، متكئاً على ما قاله الشاعر غياندي آيغي من أن اشعر هو: (صوت الأخوة الإنسانية)، لتكتمل نصوص الشاعر في سياق تأمله في مساره، وبدلالة إضافية ما عبر عنه بالميتانقد لهذه التجربة، إذ هو الناقد لتجربته كما الآخرين، وكما يقول: (إنه نص لا يكتفي بوصف أو إظهار أو سرد تجربة، بل هو مهيكل بفكرة من هذه التجربة تُنظّر لها ذاتياً)، ويتابع إسكندر حبش بالقول: (يمكنني تصنيف كتاباتي ضمن أدب متأصل في تاريخ عائلي، مرتبط بتجربة صادمة، الهجرة والنكبة) برواية (أصول)، لعلنا ونحن نتأمل ما اصطلح عليه إسكندر حبش بالسردية الفردية على حافة الجماعية، نعيد تأويل سيرة الشاعر بحثاً عن المعنى وجوهره، وهو يأخذنا من الخاص إلى العام، ذلك هو ديدن الأدب في أزمنته المختلفة، لأنه ببساطة تنزع هذه الكتابات كما تهجس في الوقت عينه إلى (إثبات الهوية)، وعليه فإن كل سردياتها ستظل بمثابة الشهادة على صيرورة الكائن الشعري، الذي يجد أن ارتباطه بالمكان هو دالّة وجودية تعيد اكتشاف وجوده التاريخي والإنساني، وليأتي الشعر بعد ذلك تعليلاً لماهية هذا الوجود، ولعل إسكندر حبش في هذا الطرح الفلسفي الذي يتصالح فيه الشعر مع الفلسفة، ليشكلا معاً ذلك السياق من التأمل والبحث والحفر في الأنساق، لتوليد أنساق ثقافية جديدة، ومنها على الأقل خلق واقع جديد قوامه العلاقة التصويرية والجمالية باللغة، اللغة بوصفها أداة لسبر أغوار الذات، لكن الذات هي كل العالم، وهو المنشغل بسؤال الحنين، لا محض سؤال الصوت الخاص والمعنى المتكرر والصيغ المتكررة، بل سؤال التجربة برمتها، والتي من شأنها أن تمنح الشاعر مأثرة التفرد للذات وهي في موضع السؤال الأكثر جدلاً هو: هل يمكن أن تكون الذات موضوعاً تاريخياً؟، وهو يستنطق كل أشكال الوعي بالكتابة الذاتية وصولاً إلى وعي الذات الكاتبة ووعي تجربتها، وبوصف الكتابة (مجموعة تجريبية من النصوص يتفاوض فيها كل كاتب على هويته) وليحل اضطرابها، أي ليشكل وعياً بها محمولاً على أشكال سرديتها الشعرية والنثرية والفكرية، وبذلك يتخفف من الشبيه إلى الشبيه المختلف، وذلك الاختلاف هو عصب القياس في تجربة الشاعر إسكندر حبش، بل قوة المثال في استنطاق محكياته الشعرية التي لا تنفصم فيها عرى العلاقة مع وطن يعيد اكتشافه في وعيه الذاتي بتجربة كتابية مديدة، قبل أن يصبح في الوعي الجمعي قيماً محفزة على مهمة الشاعر ورسالته ووصيته، والتي لا تنتهي وهو يولّد حضوراته الأخرى لتصبح علامات فارقة، على جبهة الثقافة والفكر والانتماء.

إسكندر حبش.. لحظة معرفية فارقة في زمن الكتابة والقراءة وبناء الوعي، وضبط الإيقاع داخل المعنى وخارجه، هذا المختلف في الأزمنة الرجيمة وحده الذاهب كنداءات لصباحات جديدة، تماماً كما قد قيل: (الشعر فمه مليء بالمستقبل).