بعد العدوان "الإسرائيلي" على قطاع غزة عام 2008 ظهرت بكثرة البضائع المصرية في أسواق القطاع بمختلف أنواعها، ولا سيما الملابس والأجهزة الكهربائية.
وكانت تدخل تلك البضائع إلى القطاع عبر أنفاق التهريب على الحدود بين رفح الفلسطينية وشقيقتها المصرية، و شكّلت طيلة ست سنوات لاحقة بديلاً للبضائع "الإسرائيلية" التي غزت أسواق غزة لعشرات الأعوام قبل تشديد الحصار على القطاع.
وبعد إيقاف السلطات المصرية عمل الأنفاق بعد أحداث 30 يونيو وإسقاط الرئيس محمد مرسي، عادت البضائع "الإسرائيلية" لتقتحم أسواق غزة من جديد، لكنّ نوعاً جديداً قديماً منها، أجمع المواطنون على تسميته "بضائع مِخراز".
"مخراز" هي الكلمة العبرية الدالة على طريقة شراء التجار الفلسطينيين لهذه البضائع من الجانب "الإسرائيلي"، أي عبر العروض التي تطرحها الشركات "الإسرئيلية" ضمن التصفيات السنوية لمنتجاتها التي لم تعد قادرة على المنافسة في السوق "الإسرائيلي"، وهي بضائع عادةً ما تتكون من ملابس مستعملة وأجهزة كهربائية ومنزلية.
في الجانب "الإسرئيلي" من معبر كرم أبو سالم جنوب شرقي القطاع، يتم جمع البضائع المعروضة للبيع داخل صناديق خشبية تُباع بالجملة، دون معرفة ماهيّة محتوى الصندوق من حيث تنوع الأصناف وجودتها، كما تتباين أسعار الصناديق وفقاً للقيمة الإجمالية لما بداخلها.
ويقوم بهذه المهمة الأولية من الجانب الفلسطيني التجار الحاصلون على تصاريح خاصة لدخول الأراضي الفلسطينية المحتلة بحثاً عن شركات تعرض تصفياتها السنوية أو تلك التي لم تعد بضائعها تلائم احتياجات "السوق الإسرائيلي"، ثم يقومون ببيعها للتجار الغزيين بنفس الطريقة.
تخدم المواطن والتاجر سيّان
في متجر تتناثر فيه الأجهزة الكهربائية والأدوات المنزلية الصغيرة بعضها فوق بعض، قابلت "بوابة الهدف" المواطن كمال نصار (53 عاماً) أثناء تنقيبه عن شيء ينتفع منه، وقال "ألجأ إلى متاجر المخراز بحثاً عمّا يسد احتياجي من مختلف البضائع بأسعار مقبولة بالنسبة لي".
وعدا عن السعر المتدني لهذه البضائع، مقارنةً بسعر مثيلاتها الجديدة في المحال التجارية، هناك مميزات أخرى للـ"مخراز" كما يراها نصّار، "فهي ذات جودة عالية، ولها عمراً افتراضياً أطول من تلك الجديدة التي تصل القطاع عبر وكلاء ومُورّدي الشركات التجارية المختلفة"، مبرراً الأمر من وجهة نظره بأن "مواصفات بضائع السوق الإسرائيلي أعلى من مستوى البضائع التي يستوردها الغزيّون".
نصّار عمل في مهنة الخياطة منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً، وحين ساءت ظروف عمله جراء حصار الاحتلال لقطاع غزة أصبح "يقتفي أثر المخراز" في المتاجر لكي يسد احتياجات منزله المتنوعة بأسعار مناسبة.
في المتجر ذاته، يقف الشاب أنس زاهر (24 عاماً)، خلف بضاعته، ويقول لمراسل "بوابة الهدف"، "ما يحدث في تجارة المخراز يعتبر شكلاً من أشكال المضاربة الحميدة" حسب تعبيره، وخاصة بعد أن باتت تشكل منافساً أقوى في السوق المحلي من تلك البضائع التي تباع بالوكالة وعبر موردي البضائع من السوق العالمية، كما قال زاهر.
وأضاف "ليس وحده انخفاض ثمن بضائع المخراز ما يُبقيها صاحبة امتياز على البضائع الأخرى المتوفرة في المحال التجارية بغزة، سيما المصرية منها التي كانت تدخل إلى القطاع عبر الأنفاق"، موضحاً "هناك فئة من هذه البضائع ذات أسعار مرتفعة ومع ذلك يبقى الطلب عليها مستمراً، وذلك لجودتها العالية".
التحديات التي ترافق العمل بـ"المخراز" موجهة بشكل كبير إلى أصحاب متاجر بيعه، بدءًا بالضرائب المفروضة عليها التي تصل قيمتها إلى 50% من ثمن الصندوق، مروراً بالخسارة التي يتكبّدها التاجر في حال تعرّض مُحتوى الصندوق للتلف، وهذا وارد، وهنا يتكلف تاجر المخراز إما بصيانة ما عطُب أو بيعه بقيمة منخفضة جداً؛ ليس انتهاءً بحركة المعابر المتذبذبة التي تهدد العمل برمته في هذا المجال، حسب زاهر.
في نهاية زيارة "بوابة الهدف" لمتجر "المخراز"، مازح البائع مُراسلنا قائلاً "أتعمّد ابقاء المتجر مُبعثراً وفوضوياً كي أثير فضول زبائني للبحث والتنقيب بين البضائع".
الطلب يتزايد
الانحدار في مستويات المعيشة لدى المواطنين شكل من بضائع "المخراز" بديلاً أرخص من غيره ذو الثمن الباهظ، في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنون في القطاع.
المحلل الاقتصادي رامي خريس، يشرح لـ"بوابة الهدف"، عن بضائع المخراز التي قال إنها "نوع معروف من السلع على مستوى العالم، لكن العامل النفسي لدى المواطنين تجاه المخراز الإسرئيلي يتدخل في دوافع الشراء لديهم".
ويرى خريس أنه علاوةً على ارتفاع ثمن السلع المحلية والمستوردة، فإنها غالباً ذات عمر افتراضي قصير، وهو ما يعتبره المتسوّقون في غزة "خديعة وغش" في مشترياتهم؛ في المقابل، يلجأون إلى "المخراز الإسرائيلي" الذي يعتقدون أنّه ذو مواصفات عالية الجودة، وبعمر افتراضي طويل نسبياً، تماشياً مع ما يقبله "الإسرائيليون" من مستوى عالٍ لبضائعهم، وبالتالي يعتقد الغزّي حين يتسوّق من "المخراز" أنه لن يتعرض للخداع أو الغش في ما يشتريه، وهو ما يُفسّر الإقبال الكبير والمتزايد على هذه البضائع.
يُشار إلى أن المواطنين في غزة يواجهون تحديات بالغة في تلبية احتياجاتهم اليومية والمنزلية نيتجة الأوضاع الاقتصادية والسياسية الصعبة، إذ تجاوزت نسب البطالة حاجز الـ65%، بين القوى العاملة في القطاع، حسب اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار على قطاع غزة.

