Menu

المبدع الفلسطيني حسين عبد الله المناصرة

باسمة حامد

نشر في مجلة الهدف العدد (77) (1551)

الرواية الفلسطينية ذاكرة حقيقية تتماثل مع التاريخ في الاحتفاظ بفلسطين

 

حاورته: باسمة حامد

حسين عبد الله المناصرة أكاديمي فلسطيني مجتهد.. تخصص بالنقد الأدبي الحديث والنقد النسوي والسرديات، يعمل محاضراً ومستشاراً لغوياً في الجامعات السعودية.. له مشاركات بحثية مميزة في عدد من المؤتمرات والندوات والمتلقيات الثقافية.. حائز على جائزة أعلى نسبة عرض للمؤلف،Google - وحدة المعرفة (( knolالعام 2009، وجائزة أبها للثقافة في مجال النصوص المسرحية عام 1417 هـ.

قدّم مئات المقالات السياسية والفكرية والاجتماعية، ورفد المكتبة العربية بالكثير من المؤلفات الأدبية الهامة..

في هذا الحوار وفي هذه المساحة من السؤال والجواب نتعرف على مزيد من الجوانب الفكرية لدى المبدع الفلسطيني حسين المناصرة..

عن النشأة في فلسطين

  • كيف ينظر حسين المناصرة إلى تجربته الإنسانية والإبداعية بعد سنوات طويلة من الغربة والعمل الوظيفي والبحث والتأليف في النقد والرواية والقصة والمسرح والمقالة الفكرية؟

بعد ثلاثين سنة تقريبًا، أنجزت فيها ما يقارب أربعين كتابًا، منشورًا أو معدًا للنشر، عدا عن كثير من المداخلات والآراء المبثوثة في الأوعية الورقية والرقمية... أعتقد أنني عشت فيها تجربتي الإنسانية والإبداعية بالكامل، باستثناء بعض المشاريع الكتابية التي لم تكتمل، أو ما زالت تحوم في الذاكرة والوجدان، خاصة ما يتعلق منها بتجربتي السّيرية؛ وهذا الرأي ينبع من نسبية المنجز نقدًا وإبداعًا؛ لأن حقيقة الأمر أن ما ينجزه الكاتب؛ أي كاتب، يبقى جزءًا يسيرًا جدًا من تجربته المكتنزة عمومًا بكثير مما يحتاج إلى أن يُكتَب أو يُنشر.

سنوات طويلة مرت (ستون عامًا) عايشت فيها تجربة النشأة في فلسطين في المواجهة اليومية مع مجرمي الكيان الصهيوني، وقد احتفت قصصي ورواياتي ومقالاتي بهذا الجانب؛ ثم تجربة الدراسة الجامعية في الأردن والعمل الثقافي والسياسي، وما نتج عن ذلك من تجارب السجن سياسيًا في الأردن وفلسطين المحتلة؛ ثم العمل الأكاديمي والكتابة النقدية والإبداعية، وهنا قضيت أكثر من نصف عمري، في جامعة الملك سعود بالرياض، في مشهد ثقافي في السعودية غني بالثقافة والمثقفين والمثقفات.

أعتز كثيرًا بكوني تعدديًا في تجاربي الكتابية؛ فقد تركت المجال مفتوحًا للتجربة الكتابية لدي؛ كي تخرج في شكل ما يناسبها من الأجناس الأدبية المختلفة.. فكتبت القصة القصيرة، والقصة القصيرة جدًا، والرواية، والمسرحية، والمقالة الأدبية، والبحث العلمي، والقراءة النقدية... وفي كل ما كتبت، وخاصة إبداعيًا، التزمت بأطر ثقافية عربية إنسانية، تحارب الاحتلال الصهيوني أولاً، والظلم الاجتماعي ثانيًا، والدكتاتورية ثالثًا، والأوبئة المختلفة كالجهل والفقر والمرض.. إلخ.

في بداياتي الكتابية، تأثرت كثيرًا بالثقافة الإنسانية اليسارية، وفي الوقت نفسه احتفظت بقيمي الاجتماعية المتأصلة في الثقافتين العربية والإسلامية. وعُرفت أكاديميًا وباحثًا وناقدًا أكثر من كوني مبدعًا، وكثيرون غيري تهمّش إبداعهم بسبب أنهم أكاديميون أو نقاد.. النقد والتعليم والبحث حرفة أو مهنة، يمكن أن يمارسها كل الناس... لكن الإبداع مختلف إلى حد كبير؛ فإذا كان الناقد يمسك بزمام تجربته النقدية أو البحثية، فإن الإبداع يمسك بزمام المبدع، ويتحكم بتجربته الإبداعية على طريقة" القصيدة تكتب الشاعر" وليس العكس!!

عندما أنظر إلى حسين المناصرة، في ماضيه كله نظرة حيادية، أشعر أنه أنجز تجربتيه النقدية والإبداعية، وهو إنجاز مشروع على أية حال، بغض النظر عن مدى قبوله أو رفضه لدى الآخر، ورأيي أن أية كتابة لا تخلو من جمال ما...

ومع ذلك هناك أشياء كثيرة ينبغي لها أن تكتب... متى، وكيف؟!

كل إنسان سيموت وفي نفسه شيء من "حتى"!!

والأمل نافذة مفتوحة على المستقبل المشرق إلى آخر يوم في الحياة، بإذن الله.

فلسطين في الإبداع الفلسطيني

  • يُعد المكان عنصراً بارزاً في تقنيات السرد لتشكيل فضاء الرواية.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف تعامل الروائي الفلسطيني مع مكان لم يُسمح له بالعيش فيه ولا يدرك خصوصيته وتفاصيل رائحته وربما.. لا يحمل صورته في الذاكرة؟

المعضلة الجوهرية في الكتابة الروائية الفلسطينية، وفي الإبداع الفلسطيني عمومًا، هي المكان: فلسطين الماضي المحلومة وأرض ميعادنا في المستقبل أولًا، والمنفى والشتات وما فيه من الغربة والضياع والبؤس، وخاصة في المخيم ثانيًا!!

الروائي الفلسطيني، في أكثر من ألفي رواية فلسطينية، كتب الملحمة الفلسطينية بالكامل، من مبدئها إلى مستقبلها، وفي كل اتجاهاته كانت فلسطين هي البؤرة أو مركز الدائرة.. وحينها لا يمكن أن تبتعد فلسطين عن أية رواية، سواء أكانت حاضرة فيها أم غائبة عنها، محبوبة أم مكروهة، واقعية أم حلمية وذاكرة .

إذا عددنا اللغة والشخصية والمكان والزمان عناصر للكتابة الإبداعية أو أبعادها الرئيسة، فإن المكان يكاد أن يطغى على العناصر الثلاثة الأخرى؛ لأنه الفردوس المفقود بالنسبة إلى الفلسطيني؛ لهذا كان عنوان كتابي "فردوس الأرض المغتصبة: دراسات في الرواية الفلسطينية" دالاً على ما يحظى به المكان الفلسطيني من أهمية وثقافة جوهرية في الأدب الفلسطيني!! الرواية الفلسطينية ذاكرة حقيقية تتماثل مع التاريخ في الاحتفاظ بفلسطين، كما كانت وطنًا فلسطينيًا حقيقيًا، وكيف أصبحت مغتصبة مستلبة بأيدي الرعاع الصهاينة، ومدى الإيمان المطلق بأنها ستعود فلسطينية، بعد أن تتقيأ مستعمريها على مزبلة التاريخ، كما سبق أن تقيأت عبر آلاف السنين أكثر من عشرين استعمارًا ؛ لتبقى هي فلسطين اليبوسية الكنعانية العربية!!

كتب غسان كنفاني رواياته في سياق الحديث عن أسباب الهزيمة، وفي الوقت نفسه انتظار شخصياته للمستقبل الذي هو الماضي الفلسطيني، وكان هاجسه البحث عن فلسطين أرضًا يقف عليها الفلسطيني لمواجهة عدوه والانتصار عليه.

وكذلك فعل إميل حبيبي باحثًا عن فلسطين الحكاية التي غدت تُدمَّر يوميًا بفعل الهجمة الصهيونية الشرسة عليها.. ولكنها بقيت "سرايا" المكان التي لا تغادرها الذاكرة. وجعل جبرا إبراهيم جبرا رواياته ساحة لحلم الفلسطيني العائد إلى وطنه سرًا؛ لأنه خياره المصيري الوحيد.

أما سحر خليفة فجعلت رواياتها منصبة على مأساة الوطن الفلسطيني تحت الاحتلال الصهيوني من خلال معاناة المرأة الفلسطينية أولًا... وهكذا شأن الرواية الفلسطينية عمومًا التي جعلت جماليات فلسطين المحتلة في الكماشة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية ديدنها ووعيها وإيحاءاتها وأبعادها الثقافية والإنسانية!!

تجزأت فلسطين مكانيًا في الرواية الفلسطينية ثلاثة أجزاء : فضاء رواية الداخل الفلسطيني، تحت الاحتلال الصهيوني المباشر، وهنا يبدو المكان مكبلاً بالقيود والمعاناة وضنك المعيشة اليومية، وفضاء رواية المخيم الفلسطيني، وما يفرضه هذا الواقع من مآسٍ نتجت عن ضياع فلسطين، والإيمان المطلق بالعودة إليها، وأن المخيم مجرد ممر مؤلم ومؤقت؛ وفضاء رواية الشتات في دول العالم، وهي الرواية التي جعلت فلسطين مكانًا كونيًا إنسانيًا، يعيش في جوف آخر استعمار إجرامي في الكون، وهو الاستعمار الصهيوني!!

هنا تبدأ خصوصية الكتابة النسوية

  • كناقد مهتم بالسرد النسوي أود معرفة رأيك: هل كان صوت الأنثى المبدعة جريئاً بما يكفي للتعبير عن واقعها وقضاياها.. أم أنها اتخذت لغة الجسد وإثارة الغرائز وسيلة لكسب الشهرة؟ وفي هذا الإطار: هل يمكن الحديث عن الروايات (الفضائحية) كظاهرة أدبية صحية؟!

النظرية أو النظريات النقدية النِّسوية ولدت من متن الكتابة النسوية التي تحمل إيديولوجيا تحرير المرأة من كثير من التابوهات الأبوية (البطرياركية)، وهي نظرية حديثة نسبيًا، سعت إلى إعادة قراءة ثقافة الماضي من منظور نسوي، كما أنها سعت إلى الكشف عن السياقات الفكرية والجمالية في ما يؤكد خصوصية الكتابة النسوية، والإعلاء من شأنها، والنظر إليها من منظور أنها كتابة مختلفة عن الكتابة الذكورية، ومن ثم فإن وظيفة هذه الكتابة تكمن في الخرق والتجاوز وليس الامتثال لقوانين الكتابة والمجتمع المهيمنة على الثقافة، وهي على أية حال أنساق ذكورية مستبدة.

لدينا في العالم العربي ساردات كثيرات استطعن أن يتفهمن الكتابة النسوية باعتبارها قيمة جمالية عليا، وليس القصد منها الدونية أو غيرها؛ لذلك جاءت رواياتهن وقصصهن مسكونة بالوعي النسوي الإيجابي والحقيقي في كسر المحرمات (التابوهات) الذكورية، وهو كسر أيديولوجي واعٍ، ومؤمن بأن المرأة ينبغي لها أن تخرج من عتبة البيت، وأن تمارس حقها بكل مقدرة وصبر، وأنه لم يعد بإمكان الثقافة القبلية أو الذكورية المهيمنة أن تحجبها عن ممارسة حياتها وفق رغباتها واختياراتها، لا رغبات الآخرين الذين يريدونها كبش فداء، أو ثورًا يحمل العالم على قرنيه، أو جسدًا متاجرًا به، أو غير ذلك مما يحط من شأن المرأة ودورها الاجتماعي.

واقع المرأة العربية وقضاياها في وضع شديد التعقيد اجتماعيًا ودينيًا وجسديًا وثقافيًا، والكتابة بالنسبة إلى هذا الواقع هي الطريق الوحيد الممكن الذي يتيح للكاتبة حرية بناء عالم محلوم مغاير للعالم الواقعي البائس...فالمعاناة أساس الإبداع، ولا يمكن لأي كان أن يعبر عن مأساة الأنثى إلا الأنثى؛ وهنا تبدأ خصوصية الكتابة النسوية التي عالجت كثيرًا من قضاياها في بعض كتبي وأبحاثي، مثل كتب: "المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية الفلسطينيـة"، و"النسوية في الثقافة والإبداع"، و" قراءات في المنظور السردي النسوي".

أعتقد أن المرأة في الخمسين سنة الماضية امتلكت كثيرًا من الأسس التي تصنف كتابتها على أنها واعية وجريئة وملتزمة بمصيرها وقضاياها... وهذا لا يعني عدم وجود كتابة نسائية ركبت موجة النّسوية، فاستخدمت فضائحية المحرمات، لتثير شهرتها من منطلقات غير فنية أو غير أصيلة في السرد النسوي... وغالبًا ما تكون هذه الشهرة آنية، مثل فقاعات زبد البحر.. فالإثارة الفضائحية ليست من الفن، ولا يمكن أن تحظى بدراسات نقدية جمالية إيجابية، ومن ثمّ فإن أثرها في المتلقين الواعين لا يتجاوز أثر الإشاعات سريعة الاندثار.

أما بالنسبة إلى الفضائحية في الرواية عمومًا فهي سلاح ذو حدين، حده الأول إيجابي عندما تكون الفضائحية كسرًا للتابو أو تشريحًا لها من أجل البناء والمعالجة، والرواية هنا مشرط طبيب؛ لأنها تكتسب بعدًا فكريًا واعيًا، في صياغة جمالية مقبولة عمومًا... وهذا يعني أن الرواية ليست وثيقة تاريخية أو اجتماعية تكتسب مشروعيتها فقط من شرف مضمونها وأهميته.

أما الحد الثاني فهو الفضائحية السلبية التي تضع هدفها في كسر القيم الدينية أو الاجتماعية أو السياسية أو الجنسية، للإثارة لا أكثر ولا أقل، وعادة ما تكون في لغة سلبية أو مترهلة. والفضائحية أو الإيروتيكية تحتاج إلى قلم سردي مبدع؛ كي يبعدها عن الإثارة من أجل الإثارة والشهرة التجارية الانتهازية، ويجعلها في سياق الإثارة الجمالية البناءة، حيث يكون الرأي في ذلك للمتلقي المنتج الواعي، وليس للمتلقي الاستهلاكي الذي يروج للبضاعة الرديئة في الثقافة والإبداع في مجتمعاتنا النامية غالبًا.

نجاح الرواية تجاريًا لا يعني أنها رواية ناجحة إبداعياً

  • كيف تفسر أن (كاتبات الجسد) يبعن كتبهن أكثر من بقية الكاتبات اللواتي يكتبن عن الإنسان والوطن والقهر السياسي؟!

للأسف لدينا في العالم العربي بيئة ثقافية لا تقدر القيمة الحقيقية للإبداع، أو بمعنى أدق لا يوجد لدينا قاعدة عريضة لمتلقٍ حقيقي يدرك جيدًا قيمة الكتاب الثقافي والإبداعي الفكرية والفنية... وهذا ما يجعل بعض المبدعين والمبدعات يحرصون على الكتابة السلعية الرائجة لدى هؤلاء المتلقين الهشين، خاصة في هذا الوقت الذي شاعت فيه ثقافة مواقع التواصل الاجتماعي الرقمية.

لم تُحسب روايات التسلية والترفيه من المقروئية في المجتمعات، وهذا ما يجعل مستوى متوسط القراءة لدينا في أدنى المستويات العالمية، حتى أشاع عنا أعداؤنا مقولات فاضحة، على نحو: نحن شعب لا نقرأ، وإذا قرأنا لا نفهم، وإذا فهمنا لا نطبق، وإذا طبقنا لا نحسن التطبيق!!

على أية حال، راجت كتابة الجسد، وصارت في متناول القراء، وأصبحت دور الكتب تتنافس على نشر بعض هذه الروايات، وصار القراء يقبلون عليها في معارض الكتب باعتبارها من الممنوعات، وبعد أن يباع منها ما يشبع جشع الناشرين، ولا تعود لها قيمة تصبح مشروعة وتباع في أي مكان بأرخص الأثمان...فالمنع صار وسيلة لرواج بعض الروايات، خاصة عندما يكون المنع بسبب جملة، بل إن بعض دور النشر تسعى إلى هذا المنع لتزيد من مبيعاتها من "تحت الطاولة" كما يقال.

منذ أن وُجِدت الكتابة إلى اليوم، ونحن نعيش مأساة الكتابة الجادة والكتابة الرائجة، فالأولى تعاني من تدني تداولها أو مقروئيتها، والثانية تجارة رابحة للكتاب والمسوقين.. وأذكر أنني كتبت قبل عشرين عامًا مقالة بعنوان :"قد ندفع للقراء يومًا"؛ كي يقرؤوا ما نكتب بعيدًا عما هو رائج لديهم على طريقة :"الجمهور عاوز كده" بالنسبة إلى الأفلام والمسرحيات العربية!!

لا شك في أن لجوء بعض الكاتبات إلى الجسد بصفته بنية مركزية هدفها الإثارة والترويج لرواياتهن أو قصصهن هو فشل حقيقي لهذه الكتابة، فالجسد أو الجنس لا يمكن أن يكون عاملًا حاسمًا في نجاح الرواية فنيًا أو جماليًا، بل بالعكس لا بدّ أن يكون وسيلة هدم للرواية إن لم يوظف جماليًا... فنجاح الرواية تجاريًا لا يعني أنها رواية ناجحة في مستويي المبنى والمعنى. صحيح أن الجسد قيمة جمالية مهمة في أية كتابة نسوية أو الكتابة السردية عمومًا، ومن ثمّ فإن توظيفه لا بد أن يكون في سياق نسويّة الكتابة لا سلعيتها، بمعنى أن يكون الجسد مرتبطًا جماليًا بالإنسان والأرض والعلاقات الاجتماعية والسياسية، وكل ما يجعل منه قيمة جمالية عليا، لا دنيا، في الكتابة السردية النسوية.

الحياد جريمة ثقافية..

  • في ضوء ما كتبته عن (الربيع العربي) أود أن أعرف رأيك: هل كان من الأفضل أن ينأى المثقف الفلسطيني بنفسه عن أوحال السياسة ويركز جهوده فقط على القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع في المنطقة؟

ما حدث في بعض البلدان العربية من المجازر لشعوبها وأنظمتها كشف لنا كم كنا ضائعين عندما اعتقدنا بأن الأمور غدت في أيدي الشعوب... منذ أن تشكل وعيي وأنا أؤمن بنظرية المؤامرة، هذه المؤامرة التي نواتها الصهيونية العالمية، وفلسطين هي بؤرة الخراب في الوطن العربي كله، لأنه لا يمكن أن تكون فلسطين "إسرائيلية" دون هذا الخراب في العالم العربي... لذلك كان الخيار الحتمي بصفتي مثقفًا عربيًا أن أقف مع الشعوب العربية، حتى لو كانت قناعتي تامة بأن هذا الربيع هو حصان طروادة الذي خلقته "الفوضى الخلاقة" الصهيو أمريكية، ومن ثمّ علينا أن نحمد الله على أنّ بعض دولنا لم يقم بها ربيع عربي، لأننا حينئذ كنا ستخسر كل شيءـ بسبب هذا الربيع الأكذوبة الكبرى في حياتنا اليوم.

ما الخيار أو ما هو الأفضل؟ يصعب أن أقف مع الأنظمة في مواجهة الشعوب مهما كانت أخطاء الشعوب، ويصعب أن أكون حياديًا؛ لأن الحياد جريمة ثقافية على أية حال!!

لدي ثلاثمئة مقالة كتبتها في الربيع العربي، دافعت فيها عن الوطن العربي، وعن فلسطين، وعندما تأكد لي منذ ثلاثة أعوام تقريبًا جحيمية هذا الربيع توقفت عن الكتابة إلى حين تتغير الأحوال.

المثقف الفلسطيني لا يمكن أن يعزل نفسه عن كونه مثقفًا عربيًا إنسانيًا .. فالوطن العربي كله هو الحضن الوحيد للوطن الفلسطيني، وفلسطين لا يمكن أن تبتعد عن عمقها العربي...قدر فلسطين أنها تواجه أبشع استعمار استيطاني على وجه الأرض.. أبشع مئة مرة من الاستعمار الفرنسي للجزائر .. هذا البلد العظيم الذي قدم مليون شهيد في مواجهته للغزاة الفرنسيين ... أينما كانت الثورة ضد الاستعمار لا بد أن يكون المثقفون مع ما يسند ظهرهم... وأنا أعتقد أن فلسطين ستبقى هي القلب النابض في هذا الوطن العربي من محيطه إلى خليجه، وأنه سندها في أي وقت وتحت أية ظروف!!

النقد إعادة إنتاج للعمل الإبداعي

  • الناقد حسين المناصرة كيف يستشعر القيمة الفكرية والجمالية لأي عمل أدبي يقع بين يديه؟

مهما كانت درجة الحيادية أو الموضوعية أو النقد العلمي لدى أي ناقد، فإن الكتابة النقدية عمومًا فيها دوافع تذوقية أو انطباعية. ولا أزعم هنا -كما صرح بعض نقادنا - بأن نقدنا كله لم يتجاوز خيمة النابغة في سوق عكاظ؛ أي أنه نقد انطباعي!!

اليوم، تلاشى مصطلح النقد، وحل مكانه مصطلح القراءة النقدية أو المقاربة النقدية، وهذا المصطلح المرن جدًا يعني مشروعية القراءة وانفتاحها.. وهذا يعني أيضًا أنّ لكل قارئ حقًا في أن يدلي بدلوه، مهما كانت حصيلة هذا الدلو المعرفية والجمالية؛ لذلك انتهت المعايير النقدية التقليدية التي كانت سائدة في النقد الأكاديمي، وانفتحت القراءة على الذات والعلوم الأخرى... وصار النقد بحثًا أكاديميًا فلسفيًا معرفيًا إلى غير ذلك .

شخصيًا، تبدأ شعرية النص الأدبي عندي من اللغة، فهي العامل الحاسم الأول في قبول النص أو رفضه، فإذا شعرت أنني أمام نص يتقن كاتبه أدواته اللغوية، أرفع له قبعتي المجازية تحية، وأؤكد لنفسي أنني أمام نص يستحق القراءة طلبًا للمتعة، أو للكتابة عنه.

بعد اللغة، تجذبني فكرة النص المتجددة، بحيث تشعرني بأنها جديدة، رغم كونها مألوفة.. فالمعاني -كما يقول الجاحظ- ملقاة على قارعة الطريق، ومن ثمّ فإن العبرة في اختيار اللفظ/ التركيب الذي يحتاج إلى مبدع قادر على توليد الصدمة الثقافية الجمالية لدى المتلقي. وهذا يعني أنّ الفكرة في النص الأدبي تحتاج إلى إبداع؛ كي تكون جديدة، كاسرة لكل ما قبلها... فما قبلها "خراف"–فرضًا- وهي "الأسد" الذي هو منتج هضم هذه الخراف، كما قيل في الدراسات البنيوية الحديثة: النص هو مجموعة نصوص سابقة، كما هو الأسد مجموعة خراف مهضومة!!

والأمر الثالث قدرة الكاتب على إظهار شعرية النص في مستوياته الأخرى كالشخصية، والزمكانية، وأساليب العرض، وغيرها. ومن دون مبالغة، سنجد النص الجيد يفرض نفسه أو حضوره على القارئ الناقد.

ولكن لدينا اهتمامات كثيرة، آلاف النصوص تحتاج إلى أن تُقرأ.. ويُكتب عنها!!

ويبقى السؤال عن وقت التلقي المحدود جدًا جدًا بالنسبة إلى ما يصدر يوميًا من النصوص الجيدة. ولا تعني الكتابة عن نص ما أنه أفضل النصوص.. ربما يكون لهذه الكتابة أسباب أخرى شخصية أو شللية، خاصة في القراءات الثقافية الإعلامية.

على أية حال، أعتقد أن أي نص أدبي، مهما كانت درجته فكريًا وجماليًا، فإنه لا يخلو من جمال. وهذه الفكرة ليست مني، وإنما هي لناقد غربي قرأتها يومًا ما، ولم أعد أذكر اسمه.

  • برأيك: متى يكون النَّقدُ إضافة حقيقية لأيِّ عملٍ إبداعِيٍّ؟ وهل تجد أن المبدع يرغب باكتشاف أخطائه ويسعى لتطوير ذاته خصوصاً مع التطور التقني المذهل على مستوى مستلزمات الكتابة والطباعة والإعلام؟

النقد إعادة إنتاج للعمل الإبداعي، وليس استهلاكًا له أو إضافة إليه.. فإذا قرأنا نقدًا لعمل إبداعي ما، وشعرنا أن هذا النقد أو هذه القراءة أنتجت النص إنتاجًا حقيقيًا، بغض النظر عن مقصدية المبدع أو مقولة "المعنى في بطن الشاعر".

فالناقد هو وحده القادر على معرفة النص، وأسس بنائه، وتأويله، وندرك حينها القيمة الجمالية للنقد بالنظر إلى أنه كتابة جديدة للنص وليست شرحًا أو استهلاكًا له.

في الماضي كان النقد معياريًا تعليميًا، يركز على الإيجابيات والسلبيات، ومن ثم قد تشكل آراؤُه السلبية عداءً مع المبدع، في حين تثري الآراء الإيجابية هذه العلاقة . اليوم لم يعد النقد معياريًا ولا تعليميًا؛ لذلك لا أظن أنّ المبدعين يتعلمون من النقاد، باستثناء بعض التقنيات التي يعدونها شكلية كالأخطاء اللغوية إملاءً ونحوًا.

أما بالنسبة إلى المبدعين عمومًا فأعتقد أنهم غدوا جزءًا حميمًا من التقنيات الرقمية الجديدة، فالكتابة الإبداعية اليوم منتشرة رقميًا، وفيها السمين والغث... ويمكن لبعض الكتاب أن يصبح كاتبًا بين ليلة وضحاها؛ لأن النشر سهل جدًا، والمواقع الشخصية غدت أسلوبًا إعلاميًا مهمًا في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة.

كتاب التواصل الاجتماعي (السوشل ميديا) بإمكانهم أن يجمعوا حواراتهم، وينشروها في روايات أو كتب...والحقيقة أنهم يتقنون وسائل التواصل الاجتماعي اتقانًا مميزًا، وأصبح لهم قراؤهم من جيل الشباب... في حين نجد أن بعض الروائيين الجادين لا يتقنون سوى الكتابة بالورقة وقلم الحبر، مما يحدّ من فاعليتهم في المشهد الثقافي!! وكذلك الأمر بالنسبة إلى النقاد، ما زال بعضهم تقليديًا، لا يتقن وسائل التقنية الرقمية.

نحن في زمكانية تقنية مذهلة، أسهمت كثيرًا في شيوع ثقافة النص (الرواية، القصيدة، القصة القصيرة جدًا....إلخ)، وهمّشت ثقافة شهرة المبدع، بحيث أصبحت الأسماء الإبداعية لا تحفظ أو لا تعرف، كما كان الحال بالنسبة إلى أدباء ما قبل تسعينيات القرن الماضي.