Menu

المقاومة كفعل حداثي

مصعب عيسى

نشر في مجلة الهدف العدد (78) (1552)

لطالما ارتبط تعريف الحداثة بالتقدم والتحرر والنهضة هذا المفهوم الذي دخل إلى عالمنا العربي سواء على صعيد الأدب والثقافة أو إلى الاقتصاد والسياسة ومنها استطاع أن يتسلل إلى الفكر السياسي الثوري أو المقاوم.

تعرف الحداثة على أنها تغير الواقع من أجل رغبة الإنسان وانسجامه معه.. وهي التي أعطت الإنسان الفرد القيمة العليا المنوط من أجلها إخضاع كل قوانين الطبيعة من أجل هذا الإنسان وحده إضافة إلى كل ذلك فإن من أهم خصائص الحداثة هي خاصة الإبداع (فكرياً أم اقتصادياً أم اجتماعياً).

فهي إذاً الفعل المضاد للمذهب الكلاسيكي (المحافظ) الذي يصر على تغير المرء لينسجم مع الواقع والقبول بالشروط الطبيعية للحالة كما هي.. وهذا ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لاوبويسي في كتابه العبودية المختارة أو العبودية الطوعية فيقول:

(يصعب على المرء أن يصدق كيف أن الشعب متى تم إخضاعه يسارع إلى السقوط فجأة في هوة النسيان العميقة لحريته حتى ليمتنع أن يستيقظ لاستعادتها ويقبل على الخدمة بحرية وتلقائية حتى ليظن من يراه أنه لم يخسر حريته بل ربح عبوديته).

لذا أصبحت المقاومة حسب المذهب الحداثي هي مذهب تقدمي وشرط أساسي للنهوض بالواقع الطبيعي التاريخي نحو مستقبل أفضل يتيح للإنسان الطبيعي أن يحيا وفق معطيات عصره وقوانينه.. وحريته الأثمن على الإطلاق... ومن هنا كانت الثورة الفرنسيّةِ حالة تتويجية للفكر الحداثي الأوروبي من حيث التغير التاريخي والقيمي والإنساني.. ولأن الإنسان هو الركن الأساسي من أركان الحداثة الذي عبر عنه كثير من منظري الحداثة بدءاً من سارتر الذي قال:

"الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً".

وصولاً إلى كارل ماركس الذي رأى في (الإنسان أعلى رأسمال في الوجود)

لكن في الوقت ذاته تضارب مفهوم المقاومة والحداثة في عالمنا العربي

فبعض منظري الحداثة في عالمنا العربي يرى أن المقاومة أو أي شكل من أشكال الثورة ما هو إلا فعل رجعي يرمي إلى التخلف والفقر والتجهيل وبالتالي يؤخر عملية النهوض والتقدم... أولئك الذين بتصوري لم يأخذوا من الحداثة إلا قشورها ولم يتطرقوا إلى جوهرها لأن الحداثة بالنسبة لهم هي نموذج أوروبي صرف ينبغي تطبيقه حرفياً في المجتمعات العربية دون الأخذ بخصوصيات المجتمع العربي.. وبالتالي رافضين أي حداثة لا تكون مرتبطة بالمركز الأوروبي لأنها برأيهم حداثة متأخرة ومن هنا أصبحت الحداثة بهذا المفهوم إعادة إنتاج استعماري مطابق لمفهوم الاستشراق الذي وصفه المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد بأدق العبارات:

(الشرق الذي يظهر في الاستشراق نظام من الصور التي تمثله والتي صاغتها مجموعة كبيرة من القوى والتي أدخلت الشرق في مجال العلوم الغربية والوعي الغربي) وبهذا تم تغييب العقل والخصوصية الغربية في أدبيات المستشرقين.

لكن في المقابل برزت الحداثة كضرورة ملحة في مجتمعاتنا شرط أن تبدأ من القاعدة وصولاً إلى القمة وبهذا يكون التغيير شاملاً في المجتمع دون أخذ تجربة الغير ومن هنا كانت المقاومات أو الثورة شكلاً أساسياً ومطلباً ملحاً في البدء بالسير نحو الحداثة الخاصة بكل مجتمع ومن ضمنها المجتمعات العربية.

فلما كان الإنسان هو صيرورة ورمزية هذا الكون وجب عليه تغير الواقع المنوط به للوصول إلى الغاية التي يسمو لها وعلى رأسها الحرية تلك الخاصة التي طالما شكلت محور الحداثة ومفصلها الذي تتحرك الأشياء من أجلها.. فلا يمكن لأي إنسان طبيعي أن يكون حداثياً وهو واقع تحت سيطرة استعمار سياسي أو فكري أو اقتصادي.. فشكلت المقاومة أولى خطوات الحداثة بلا منازع.

في كتابه المقاومة والحداثة يشير المفكر المغربي طه عبد الرحمن أن المقاومة اللبنانية أحدثت نقلة نوعية من حيث (الإبداع في طريقة التغير والانتقال من حالة إلى أخرى فيقول :

(لقد حققت المقاومة اللبنانية تحولاً وجودياً في الأمة نقلها من طور العجز إلى طور القدرة... ولذا لزم أن تنتمي أفعال المقاومين إلى الحداثة ذلك لأن الحداثة ليس لها قانون واحد في التطبيق لأن الإبداع ليس له طريق واحد في الظهور أيضاً..)

لقد تم افتتاح عصر الحداثة العربي الخاص منذ أن بدأ الصوت العربي نفسه يبدع في طرائق تغييره وما كان السابع من أكتوبر إلا طوفاناً حداثياً في العقلية العربية والعقلية العالمية هذا الحدث الذي استند إلى خصائص فلسطينية محضة واستنسخ من واقع الظرف تجربة خاصة نقلت الفلسطيني إلى طور العالمية.

لقد أصر النموذج الأوربي (الحداثي) على عالميته وتصديره نموذجه إلى الأطراف الأخرى محافظاً على مركزيته الغربية ولكن المقاومة الفلسطينية رسمت اليوم مشهداً تقدمياً جديداً من حيث الإبداع المقاوم على الأرض.. ومن حيث الخطاب الإعلامي ومن حيث اللكنة السياسية الجديدة ناهيك عن الأخلاق النابعة من قيم عربية وإسلامية وفكرية تنم عن طريقة جديدة نقلت مرحلة القضية الفلسطينية من طور النسيان إلى طور إحياء الذاكرة وسيرة التغريبة منذ النكبة.

تلك المقاومة التي نقلت العالم بأسره من مرحلة الحياد الأخلاقي والفكري إزاء ما تعرض له الفلسطيني طوال العقود المنصرمة إلى مرحلة المتبني للرواية الفلسطينية والمدافع عنها في الساحات والمؤسسات الدولية والبرلمانات.. لقد أحدث السابع من أكتوبر حداثة عالمية قلبت موازين الفهم العالمي والتحريف الذي طالما غيب الحق الفلسطيني...

.. ولأن من شروط الحداثة عالميتها فقد أصبحت المقاومة في فلسطين اليوم عملاً حداثياً ونهضوياً وميزة تقدمية في العقل الجمعي العالمي.. على مستوى القمم والقواعد والنخب ومن كل الأطياف العمرية أو التيارات السياسية والحزبية...

الحداثة خلقت من أجل الإنسان وكرامته... وشعار العالم اليوم من أجل أن تكون حداثياً لا بد أن تكون إنساناً.. ومن أجل تكون إنساناً لا بد أن تكون فلسطينياً.