Menu

إشكاليّات النّهوض العربي الرّاهن( 3-2)

د. سامي الشيخ محمد

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

غياب الدّيمقراطيّة:

تخضع الديمقراطيّة في العالم العربيّ لتقنين شديد يكاد يفقدها جوهرها وروحها، ناهيكَ عن القول بأنّها تفتقدُ أهم الأسس والمقوّمات الضّروريّة لوجودها وهي :المشاركـة الفاعلةُ، والتعدديّة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، فالنيل من المشاركـة والتعدديّة المذكورةِ من شأنه أن يحول دون تحقيق نهضة داخلية حقيقية، وترك مصير المجتمع بأيدي القلّة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة المسيطرة على مقاليد الحكم فيه، رغم أنَّ هذهِ الأقليّة أثبتت عجزها عن الاضطّـلاع بمهمّة النّهوض والتّنمية منذ منتصف القرن العشرين ـ وما دون ـ حتّى أيّامنا هذه، فنجمَ عن ذلك أضرار فادحة بما في ذلك هجرة الكثيرين من أبناء الأمّة الموهوبين والمؤهّلين إلى البلدان الغربيّة المتقدّمة، لأنّهم وجـدوا فيها المناخات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة المناسبة للمشاركـة وتحقيق الّذات .

كذلك يُلحظُ غياب وجود تعدّديّةٍ سياسيّةٍ اقتصاديّة فاعلةٍ في أنظمة الحكم العربيّة، وحصرها- أي أنظمة الحكم- إمّا بالعائلة أو بالعشيرة أو بالحزب الحاكم بمشاركةٍ ضيّقةٍ ومحدودة من جانب بعض القوى والأحزاب السّياسيّة المؤتلفة مع نظام الحكم القائم، رغم أنَّ الحاجةَ ماسّةٌ لبناءِ نظامٍ سياسيٍّ تعدّديّ، يُتيح المجال لمشاركة أوسع للأحزاب والقوى الممثّلة للطّيف السّياسيّ للمجتمع، على أساس التّمثيل النّسبي، و تحديد علاقتها بالدّولة والمجتمع، وبهذا الخصوص تبرز الحاجة لصياغة قوانين ناظمة لقيام الأحزاب وتشكّلها وحلّها .

وبالتّالي فغياب الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعيّة في أرجاء كثيرة من الوطن العربي، ناجمٌ عن احتكـار السّلطةِ السّياسيّة من جانب بعض الفئات السّياسيّة والجهويّة، وحرمـان باقي فئات المجتمـع من المشاركة الفعلية فيها، الأمر الّذي يجعل من مهمـّة تحقيق النّهوض الوطنيّ والقوميّ مهمّـة عسيرة وشاقّة.

ناهيك عن أنَّ استئثار بعض الفئات الاجتماعيّة _ ( سياسيّة أو جهويّة ) _ بالسلطة السّياسيّة، من شأنهِ جعـل السّلم الاجتماعيّ والأهليّ داخل بلدانها مهدّداً بالخطر وعرضـةً للصّراع والتّناحر، ونشوء الأحقاد والكراهية والبغضاء، وتوفّر الظّروف الملائمة لحدوث اختراقات خارجيّة معادية للمصالح الوطنيّة والقوميّة، ممّا يُضعِف المجتمع ويحول دون انخراط جميع أفراده في عمليّة نهوضه وتنميته وتقدّمه .

- الفرقة والانقسام:

لا يخفى حجم الأثر النّاجم عن الفرقة والانقسام في العالم العربيّ، فقد أضعفـا الأمّة، وجعلاهَا نهباً للطّامعين والمستعمرين، وفرَضا الذلّة والمسكنة والهوان والتبعيّة عليها، وعمّقا روح الانعزال وال قطر يّة، بل إنّ واقع الحال بلغ بنا من السّوء حدّاً لا يبعث على التفاؤل، فمثلمـا أنّه يستحيل بعث الحيـاة في الأشلاء المبعثرة، فإنّه يستحيل نهوض الأمّة من كبوتـها الحضاريّة في ظلّ حالة الفرقة والانقسام، والضّياع، بخاصّة في زمن يشهد تكتلات اقتصاديّة وسياسيّة عملاقة بين مجموعـة الكيانات السياسيّة والاقتصاديّة العالميّة، فـلا يكون بوسع الأنظمـة الصّغيرة المبعثرة إلاّ الامتثال والخضوع لمشيئة تلك التكتلات اقتصاديّاً وسياسيّاً وثقافيّاً، الأمر الّذي يهـدد هويّتها الحضاريّة بالاندثار، ويجعلها نهباً للطّامعين، ومتخلّفةً عن الّلحاق بركاب الأمم المتقدّمة، من هنا ليس من سبيل لتجـاوز الأمّة أزمتها التّاريخيّة الرّاهنة، والنّهوض بحاضرها ومستقبلها، إلاَّ بالعمل الجاد على إعادة لحمتها وحشد طاقاتها في مواجهة عملاق العولمة المعاصر، الّذي لا يوجد فيهِ مكان يستحقُّ الذّكر للضّعفاء والمساكين، بل يسحق كلّ الكيانات الصغيرة الّتي تعترض سبيله.

وعليه فالفرقة بين الكيانات السياسيّة العربيّة اليوم، تنذر بالكارثة الّتي لن يسلم أحدٌ منها، آخذين بالاعتبار وجود بعض الأصوات العنصريّة والصّهيونية الّتي تنظّر إلى صـراع الحضـارات بين الأمم عوضاً عن حـوارها، وهو صراعٌ يتصدّرُ العرب والمسلمون فيه المرتبة الأولى .

لذا فالحاجةُ ماسّةٌ لإنهاء الفرقة والانقسام، وتعميق مفهوم الدّيمقراطيّة الّذي من مبادئه: التعدّدية السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثّقافيّة للعناصر المكوّنة للمجتمع، والمشاركة الفاعلة في إنتاج النّظام السيّاسيّ للحكم، وتحديد علاقة الدّولة بالمجتمع بهدف تجميع طاقات المجتمع والإفادة منها في عمليّة النّهوض والتّنمية، والوقوف صفّاً واحداً في وجه الأطماع والتّهديدات الخارجيّة.

- علاقة الدّولة بالمجتمع:

علاقة الدّولة بالمجتمع واحدة من المشكلات المعطّلة للنّهوض والتقدّم في معظم البلدان العربيّة، فغياب تحديد طبيعة ومجال عمل كلٍّ منهما، أدّى إلى طغيان الدّولة على المجتمع وتهميشه من المشاركة الفعليّة في تقرير مصيره، رغم أنَّ مهمّة الدولة في الأصل رعاية المصالح المختلفة للمجتمع، وتوفير الأمن والحماية اللاّزمة لهُ، فالدّولة المجتمعيّة ديمقراطيّةٌ بطبيعتها باعتبارها ثمرة للتّعاقد الحرّ بين أفراده كافّة.

والدّولةُ بوصفها جهازاً سياسيّاً وإداريّاً وقانونيّاً تُعنى بإدارة شؤون المجتمع والتّفاعل المثمر بينها وبين مؤسّساته وهيئاته المجتمعيّة المختلفة. وطبيعة العلاقة بين الدّولة والمجتمع تقوم أساساً على فكرة أنَّ الغاية النّهائيّة من وجود الدّولة هي خدمة المجتمع بأطيافه كافّة: السّياسيّة والمذهبيّة والعرقيّة، فخدمة المجتمع والنّهوض به والعمل على تقدّمه هي الغاية الأساسيّة من وجود الدّولة، بهذا المعنى ليست الدّولةُ وثناً مقدّساً في حدِّ ذاتها، فهي مُنتَجٌ اجتماعيٌّ قابل للتّغير، بتغيّر المجتمع المنتج لها .

تتجلّى علاقة المجتمع بالدّولة المجتمعيّة، في أحسن صورها من خلال حرصه على التمسّك بها وتفاعلهِ الخلاّق معها باعتبارها ملكيّة عامّة لجميعِ أفراده، وُجِدَت لأجلِ رعاية مصالحهِ، والوقوف على خدمتهِ، من هنا فالمجتمع والدّولة في ظاهرهما كيانان مستقلّان وفي جوهرهما كيانٌ واحد . وبناءً على ذلك يُفسَّرُ حرص المجتمع على التمسّك بالدّولةِ من زاوية حرصه على التمسّك بذاته. وواقع الحال أنَّ الدّولة في العالم العربيّ كيانٌ مستقلٌ عن المجتمع، منزلتها من المجتمع بمثابة منزلة السّيّد من العبد، والحاكم بأمره من المحكوم بأمره، فلا سلطة فاعلة للمجتمع على الدّولة في العالم العربيّ، وعوضاً عن أن تكون الدّولة في خدمة المجتمع فإنَّ المجتمع يضع نفسه في خدمة الدّولة على أساسٍ غير متوازنٍ من العلاقة غير المتكافئة بينهما .

بهذا المعنى الدّولةُ العربيّة المعاصرةُ أقرب للملكيّة الفرديّة والفئويّة الخاصّة منها للملكيّة المجتمعيّة العامّة، تضعُ نفسها في خدمةِ الفئة الحاكمة لا المجتمع، رغم الفوارق الموجودة بين بعض الكيانات السّياسيّة في العالم العربيّ. وفي هذا السّياق فقد وفّرت الدّولة في العديد من البلدان العربيّة المناخ الملائم أمام تشكّل جماعات ضغطٍ تتحكّم في صنع واتّخاذ العديد من القرارات الحكوميّة خدمةً لمصالحها المختلفة، ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ إذ أخذت بعض هذهِ الجماعات في التحوّل من جماعات ضغط إلى جماعات ترعى الجريمة المنظّمة في بلدانها، على مرأى ومسمع من الدّولة والمجتمع . الأمر الّذي انعكس سلباً على علاقةِ الدّولةِ بالمجتمع في تلك البلدان، فأصبحت علاقةً مشحونةً بالتّوتّر مشوبة بالخطر، لعلّة عدم خضوع الدّولة للمجتمع في تشكُّلِها وأَدائِها، لذا تبرزُ الحاجة إلى وضع الدّولة في خدمة المجتمع، وليس في إخضاعهِ والحدّ من فاعليّته، بل لتفعيله والوقوف على مصالحه المختلفة. وهذا لن يتحقّق إلاّ بالشّروع الفوريّ بعمليّة إصلاحٍ سيّاسيٍّ شاملة، تعيد الدّولة للمجتمع بوصفه المصدر الرّئيس للسّلطات التّشريعيّة والقضائيّة والتّنفيذيّة .

 

- الفساد الاجتماعي :

ثمّة ما يدعو للقيام بإصلاح اجتماعيّ في العالم العربيّ، فالكثير من الممارسات الاجتماعيّة الخاطئة بما في ذلك العادات والتّقاليد، انعكاسٌ للوعي الاجتماعيّ المستمدّ من الموروث الثّقافي للمجتمع، الأمر الّذي يدعو إلى إعادة النّظر في الكثيرِ من العناصر المكوّنة لوعينا الاجتماعي، ووضعها موضع فحص عقليٍّ علميٍّ دقيق ، بهدف التّخلي عمّا هو سلبيّ وضار وغير نافع فيها، وتطوير ما هو إيجابيٌّ ونافع بغية التّأسيس لوعيٍ مجتمعيٍّ حداثيٍّ معاصرٍ، فمثلما للأفراد أعمارٌ محدّدة كذلك للأفكار والموروث الاجتماعيّ الثّقافيّ أعمارٌ محدّدة أيضاً، فمِن الأعمار ما يتجدّد عبر الولادة المستمرّة لأفراد النّوع، ومنها ما يندثر لعلّة عدم قدرتها على الانتقال والتّجدّد. ومن مظاهر الفساد الاجتماعيّ النّيل من العدالة الاجتماعيّة والكرامة الشّخصيّة .

 

النّيل من العدالة الاجتماعيّة والكرامة الإنسانيّة :

تُشكّل العدالة إحدى الرّكائز الضّرورية للنهوض العـربي، ولها أوجـهٌ متعدّدةٌ أبرزها: العدالة في توزيع الثّروة، العدالة في توفير فرص العمل، العدالة في الاستثمار، والعدالة في علاقة الدّولة بالمواطن والمواطن بالدّولة، على نحوٍ لا يقعُ فيهِ الظّلم والحيف على أيٍّ من الطّرفين على يد الطّرف الآخر، والسّبيل لتحقيق هذا النّوع من العدالة: وضع تشريعاتٍ قانونيّة تأخذ في الحسبان توازن الحقوق والواجبات بينهما، على أنّه من غير الممكن الحديث عن العدالة بين المواطن والدّولة والمواطنين أنفسِهِم إلاّ في ظلِّ سيادة القانون والقضاء، هذه السيّادة الّتي يتساوى في ظلّها جميع الأفراد حكّاماً ومحكومين، ولا تخضع لأيّ تأثير سلبيٍّ من جانب السّلطات التّنفيذية وأجهزتها السياسيّة والأمنيّة والإداريّة تحت أي ظرفٍ أو اعتبار .

وعليه ينبغي أن تكون سيادة القانون سيادة فعليّة، وإلاّ تحوَّلت إلى سيادة شكليّة منفعلةٍ وقاصرة، وبالطبع فإنَّ السيادة الفعلية للقانون تشكّل القاعدة الماديّة للعدالة والشّرط الضّروريّ لتحقّقها، الأمر الّذي يؤدّي إلى توطيد أواصر العلاقة بين المواطنين أنفُسِهِم من جهة والدّولة من جهة أخرى، والعمل بروحٍ الفريق الواحد من أجـل تحقيق رفعـة الوطن والأمّة .

والسؤال الّذي يطـرح نفسه: هل يحظى المواطنون العرب بالعدالة الاجتماعيّة في أوطانهم ؟ وهل بوسع من لا يحظون بها الإسهام في نهوض الوطن والأمّة ؟. بالطبع تتفاوت الإجابة من بلدٍ عربي لآخر، لكن واقع الحـال لا يبعث على التفاؤل في معظم البلدان العربيّة. ناهيك عن القول بأنَّ المظلومين والمقهورين والمنبوذين غيرُ مؤهّلين للإسهام في نهضة بلادِهِم وأُمَّتِهِم، قبل أن يرتفعَ الظّلم والجور والقهر والنّبذ عنهم، فَيُعادُ الاعتبارُ إليهم والعملُ على تأهيلِهِم للاضطّلاع بمهمّةٍ نبيلةٍ كهذه .

كذلك يعدُّ النّيل من الكرامة الشّخصيّة والوطنيّة والقوميّة، من بين الأسباب المعطّلة للنّهوض العربيّ، فطالما أنَّ البشر وحدهم صانعو تاريخهم وحضاراتهم، فإنَّه يتعيّن على بلدانهم صون كرامتهم، لا النّيل منها، فكرامة الإنسان جوهرُ وجودهِ من النّاحيتين الإنسانيّة والأخلاقيّة، وبدونها يتعذّر الإفصاح عن مواهبه وقدراته وإبداعاته المختلفة، ومشاركته الفاعلة في النّهوض المنشود، ناهيك عن القول بأنَّ النّيل من كرامة الفرد من شأنه أن يدفع به إمّا إلى السّقوط الذّاتي والسّلبيّة، وإمّا إلى الثّأر ممّن تسبّب في حدوثه، فيحلّ الانتقام والثّأر، بدلاً من الاحترام والتّعاون. وبالطّبع فالكرامـة ليست معزولة عن الحرّيّة والديمقراطيّة والعدالة، فالفرد لا يشعر بكرامته، إلاّ إذا كان حرّاً ، ومشاركاً ومُنْصَفَاً. والسؤال : ألا يعاني المواطن العربي من عَوَزٍ مقلقٍ في كرامته بفعل الاعتداء المتكرّر عليها ؟ في ضوء الإجابة علـى هذا السّؤال يصبح بالإمكان التأكّد من جدوى الحديثِ عن تعزيز كرامة الفرد وصونها، وأثر ذلك على المشاركة في عمليّة النّهوض الشّامل للوطن والأمّة. ومّما لا شكَّ فيه أنَّ عمليّة الإصلاح الاجتماعيّ تستغرق وقتاً طويلاً وتحتاج إلى جهدٍ كثيفٍ ومركّب، يشترك فيه الفرد والأسرة، والمجتمع بمؤسّساته التّربويّة والتّعليميّة والثّقافيّة والإعلاميّة والسّياسيّة والاجتماعيّة والدّينيّة المختلفة .