Menu

ظهرت في سبعينيات القرن الماضي سأعود إلى قتالكم مسرحية سورية قاربت القضية الفلسطينية

جوان جان

نشر في مجلة الهدف العدد (79) (1553)

شكَّلت القضيةُ الفلسطينية منذ عام النكبة 1948 محوراً أساسياً في الحركة المسرحية في سوريا –نصاً وعرضاً- من خلالِ أسلوبين أساسيين لجأ إليهما واستخدمهما المسرحيون السوريون.. الأسلوب الأول هو المباشرة في طرح الفكرة ومعالجتِها وتسمية الأشياء بمسمياتها بعيداً عن أساليب الترميزِ والإسقاط.. الأسلوب الثاني هو اللجوء إلى طرح موضوعِ القضية الفلسطينية بشكل غير مباشر وذي أبعاد رمزيةٍ وإسقاطات بيّنة كاللجوء إلى التاريخ القديم وتجسيد بطولاتِ القادة التاريخيين (صلاح الدين الأيوبي- خالد بن الوليد- طارق بن زياد...) أو إلى التاريخ الحديث من خلال المقاربةِ بين الوضع في فلسطين والوضع في البلاد العربية أيامَ الاحتلال العثماني أو الفرنسي.. ومن المسرحيين السوريين الذين برزوا في هذا المجال الكاتب المسرحي حسيب كيالي (1921-1993) الذي قاربَ القضية الفلسطينيةَ بأسلوب غير مباشر في نصّه المسرحي "سأعود إلى قتالكم" الذي كتبه في العام 1975 أي في ذروة النضال الفلسطينيّ والعمليات الفدائية ضد قوات الاحتلال عندما كانت القضيةُ الفلسطينية هي القضية العربية المركزية قولاً وفعلاً.

يعودُ الكاتب حسيب كيالي في هذه المسرحية عقوداً إلى الوراء، إلى السنوات الأولى من الاحتلال الفرنسي لسوريا مُسقطاً الحدث على السنوات الأولى من الاحتلال الصهيوني لفلسطين حيث المقاومة الشعبية في الحالتين في أوج ازدهارها وفتوتِها، وحيث الحسّ الوطني العالي عند المواطنين يدفعهم إلى التضحيةِ بأنفسهم من أجل كرامة بلدهم وعدم وقوعه فريسةً سهلة في فم الاحتلال.

تقدمُ المسرحية جانباً من جوانب النضال الشعبي ضد المستعمرِ من خلال شخصية نجيب الشابّ المقيم في قرية وادعةٍ شبه معزولة عن العالم الخارجيّ والذي يبادر إلى تلبية نداءِ أبو محمد الشخصية المحترمة وذات الوزن الاجتماعيّ إلى القتالِ ضدّ الفرنسيين (الصهاينة) الأمر الذي يؤدي إلى وقوع نجيب في الأسر ومحاولته الهرب، فيُعاقَب ببتر قدمه، لكن تصميمه على الهرب لا يلين، وينجح بذلك مصمماً على معاودةِ القتال رغم حالة العجز التي أصابته نتيجة بتر قدمه.

تتألفُ المسرحية من 14 مشهداً يقدم كل واحد منها حدثاً أو أكثر من أحداث المسرحية التي تتتالى مشاهدُها برشاقة مع وجودِ ملاحظات لا بد منها في عمل يأخذ على عاتقه طرحَ موضوعة وطنية هامة من تاريخ المنطقة الحديث.

يعرّفُنا المشهد الأول على حالة الألفة والتعاضد التي يعيشُها سكانُ القرية الذين يكنّون لبعضهم الودّ والمحبة، حيث يدور المشهد الأول في مقهى القرية الذي يلقي فيه الحكواتي قصصَه اليومية عن بطولات الزير سالم وأبو زيد الهلالي وعنترة بن شداد وغيرهم من أبطال الملاحم العربية، ولا يلبث المشهدُ أن يعزز الصورة الإيجابية لهذه القرية عندما يدخل أبو أحمد إلى المقهى مبشّراً أصدقاءه بمولوده الجديد فينبري نجيب إلى التبرّع بـ (الحلوان) لكافة الموجودين في إشارة إلى الحالةِ الأخوية التي تربط بين سكان القرية والتي ستتبلور في مشهدٍ تالٍ عندما يقرر عددٌ كبير منهم الالتحاق بنجيب عندما يقررُ تلبية نداء أبو محمد للثورة دون أن يأخذوا بعين الاعتبار المسؤوليات العائلية الملقاة على عاتقهم تجاه أفراد عائلاتهم، وسرعان ما يتمّ تحريك المشهد من قِبل الكاتب عندما يدخل أبو الناجي ناقلاً لنجيب رغبة أبو محمد بالتسلح وموافاته في منطقةٍ مجاورة.. ويُنهي الكاتبُ مشهده الأول بتساؤل من قبل نجيب عن مدى توفّر القدرة على المواجهة، وهو تساؤل يحسمُه نجيب في المشهد الثاني عندما نراه صبيحة اليوم التالي على وشك الانطلاق باتجاه أبو محمد رغم خوف والدته عليه، وهو خوفٌ طبيعي لا يدينه الكاتب بل يصوّره كما هو وكما يجب أن يكون عند كلّ أمّ تحبّ أبناءها، لكن هذه الممانعة سرعان ما تتلاشى بعد أن يقنعها نجيب بضرورة التحاقِه بالثوار.

حالةُ التعاضد والتآزر التي صوَّرها الكاتب في المشهد الأول على نطاق ضيق وسَّعها في المشهد الثاني عبر تصميم عددٍ من رجال القرية على مرافقة نجيب والالتحاق بالثورة.

في المشهدِ الثالث يحدد الكاتب الدافع الكامن وراء اندفاع الناسِ إلى التصدي لأعدائهم المدججين بمختلف أنواع الأسلحة وأحدثها، وهي النقطة التي تشكل الحجر الأساس في هذا المشهد الذي لا يخلو من المبالغة في الاعتماد على السردِ في الحوار الدائر بين الشخصيات.

ولا يضيف المشهد الرابع شيئاً ذا مغزى إلى الحدث سوى وصول الرجال إلى مقصدهم وتكرار التركيز على روح المبادرةِ لديهم، ويؤخذ على هذا المشهد وجود كمّ من الحوارات ذات الأسلوب التلفزيونيّ لجهة الحديث عن تفاصيل لا تضيفُ جديداً.

وأتى المشهد الخامس ليصعّد الحدثَ من جديد حين يتمّ الحديثُ عن مواجهة قادمة بين أصحاب الحقّ والمعتدين، كما أنّ الإشارة إلى رغبة ابنة أبو محمد في الالتحاق بالثورة تترجم الرغبةَ الجامحة التي اجتاحت الجميع –رجالاً ونساء- تطلّعاً إلى القيامِ بمسؤولية أساسية في مقارعة المحتلّ، ورغم أن هذه الرغبة لا تتمّ ترجمتها على أرض الواقع في المسرحية إلا أن مجرّدَ الإعلان عنها يُعدّ أمراً هاماً في ظلّ تأكيد الكاتب على الروحِ الوطنية العالية السائدة زمنَ كتابة نصّ المسرحية.

في المشهدِ السادس يكون القتال بين الطرفين قد نشب وأسفرتْ جولته الأولى عن نصر مؤزّرٍ للثوار أسفر عن أسر عددٍ من المعتدين، في الوقت الذي يعود فيه الحوار إلى رتابتِه وهدوئه.

ولا ينجرفُ الكاتبُ في المشهد السابع من مسرحيته وراء النصرِ الذي تمّ إحرازه في المشهد السابق حين يشير على لسانِ إحدى شخصياته إلى ضرورة تنظيم الثورة وعدم الاعتمادِ على الاجتهادات والمبادرات ذات الطابع الفرديّ.

في المشهدِ الثامن يتخلى الكاتب فجأة عن اللغة الفصحى المبسّطة القريبة من العامية والتي اعتمدها في كلّ مراحل نصّه ليتحول إلى فصحى ذات لمسة أدبية واضحة لا يمكن لشخصياتِ المسرحية البسيطة أن تتلفظ بها.. والواقع أن قارئ المسرحية لن يجد صعوبة في استنتاج أن هذا المستوى اللغوي المقحَم في حوار بسيط التراكيب والجُمل والمعاني والصور لا بد أن يكون هو ذاته مستوى الكاتب اللغوي لا مستوى لغة الشخصيات التي لا توجد المقدمات المنطقية والدرامية لأيّ منها كي تتفوه فجأة بمستوى لغويّ راقِ، وهذه من الهفواتِ التي كثيراً ما يقع بها كتّابنا المسرحيون حين ينسون المستوى اللغوي لشخصيات نصوصهم ويعودون إلى مستواهم اللغوي الشخصيّ.

في المشهدِ التاسع يتطرق الكاتبُ إلى جانب آخر من جوانبِ الاحتلال الفرنسي لسوريا وهو الجانب القومي حين تشيرُ إحدى الشخصيات إلى استسلام بعض الجنود العرب في جيشِ الاحتلال للثوار (في إشارة إلى عرب 1948) وانضمامهم إليهم وتخليهم عن كونهم أفراداً في جيش الاحتلال، كما يؤكد المشهد على استمرار المقاومة جيلاً إثر جيل.

في المشهد العاشر يكون نجيب قد وقع في الأسر بعد سلسلةٍ من المعارك التي خاضها ببسالة، لينتقل الكاتب إلى المشهدِ الحادي عشر وفيه يكون نجيب نزيلاً في إحدى المشافي بعد إصابته إصابة بالغة، ولا ينسى الكاتب أن يُبرز جانباً من جوانب اللحمة الوطنية عندما يشير إلى تعاطف الممرضِ مع نجيب دون أن يجرؤ على الإفصاح عن موقفه علناً.

في المشهدِ الثاني عشر يحاول نجيب الهروب من المشفى فيفشلُ في ذلك، ويكون عقابه بتر قدمه حتى لا يفكر ثانيةً بتكرارِ المحاولة ولكي يكون عبرة لسواه، لكن الروح القتالية عند نجيب لا تكبح جماحه نحو التصميم على الهرب، وهو ما ينجح به في المشهد الثالث عشر حين يتمكن من اللجوء إلى بيتٍ لا على التعيين تقطنه امرأة وطفلها، فترحب المرأة به حين تعلم أنه ذلك المقاتل الذي ذاع صيته، وبحسّ شعبي تستقبله وتحميه.

وفي المشهد الأخير يؤكد نجيب تصميمه على الثأر لصديقِه الذي استشهد في المعركة، معلناً عزمه على مواصلة القتالِ ضدّ المحتلين.

مسرحيةُ "سأعود إلى قتالكم" صرخة تذكيرٍ بما يعتلج في نفوسِ المواطنين البسطاء والوطنيين الشرفاء من حبّ لوطنهم ودعوة إلى اقتفاء أثرهم والاقتداء بهم والتأكيد على أنّ تضحياتهم يجب ألا تذهب هباء.

ظهرت هذه المسرحية في العام 1975 في وقت كانت فيه المواجهةُ بين العرب والصهاينة على أشدّها، ولا شكّ أنها اكتسبتْ في ظلّ تلك الظروف أهمية مضاعفة وهي أهمية تكتسبُها الأعمال الفنية والأدبية من درجة اقترابها من نبضِ الشارع.