قد يعتقد البعض أن الثامن من آذار هو يومٌ للاحتفال بالمرأة وانجازاتها، وتركيزٌ للضوء على نجاحاتها، لكن في كواليس هذا الاحتفال، نجد هذا اليوم، مناسبةً للحديث عن مُستنقعٍ مليء بالظلم والإقصاء والاستبعاد والاستعباد للنساء.
توضيحاً للفكرة الأبرز التي تتبادر إلى الأذهان فور الحديث عن حقوق المرأة، وهي مدى إنصاف القانون الفلسطيني، لحقوق النساء، "بوابة الهدف" توجهت للحديث إلى رئيسة قسم الشكاوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، المحاميّة صبحية جمعة، التي أكّدت أن مُجمل ما يقع على المرأة من ظلم ليس بأمر القانون فحسب، بل هو بفعل خللٍ في المنظومة المُجتمعية ككل.
القانون الفلسطيني والمرأة !
المحامية جمعة أوضحت أن "الدستور الفلسطيني في مادته التاسعة ينص على المساواة بين الفلسطينيين كافة، دون تمييز من أي نوع، وبالتالي أي مادة أو تشريع أو حتى أمر إداري، يأتي لاحقاً، لا يجب أن يخرج عن هذا النص الصريح للدستور".
وأشارت إلى أن السلطة الوطنية الفلسطينية انضمّت مؤخراً إلى اتفاقية "سيداو" المُناهِضة للتمييز ضدّ المرأة، استناداً إلى المادة العاشرة من الدستور ذات العلاقة.
لكنّ عمل ومسؤولية السلطة لإحقاق حقوق النساء لم تنتهِ بهذا الانضمام، بل بدأت؛ كما أوضحت جمعة، التي قالت لمراسلة "بوابة الهدف"، إن السلطة الفلسطينية وبعد انضمامها إلى "سيداو" أصبحت مُلزمة بتعديل تشريعاتها وقوانينها، التي تتعارض مع نصوص الاتفاقية الدولية، وأن تُضمن روحَها في نظام التشريع الفلسطيني ككل.
كيف يُجحف القانون بحقّ المرأة؟ تساؤلٌ أجابت عليه المحامية جمعة، بتفصيلٍ أثبت بلاء وقِدمَ بعض النصوص القانونية في الدستور الفلسطيني.
قالت جمعة "منذ أكثر من عِقديْن تُنادي المؤسسات الحقوقية والنسويّة بتعديل قانون الأحوال الشخصية، بما يحمي حقوق المرأة ويُوقف الظلم الواقع عليها جرّاء التطبيق العملي له، وبما يحمي حقوق الأسرة ككل".
وانتقدت تجاهل السلطات لثلاث مسودّات قُدّمت من تلك المؤسسات وأطراف أخرى، لتعديل هذا القانون، إلّا أن أيّا من نصوصه لم تتغيّر، كما أفادت.
"أنحاز لأي قانون يحمي المرأة، إلّا أن النصوص التشريعية وحدها لا تكفي؛ لدينا منظومة كاملة تظلم المرأة وتستغلّها في مجالات عديدة"، قالت جمعة، مضيفةً "ينبغي أن ينطلق التعامل مع النساء، من مبدأ حقوق الإنسان والمواطَنة".
وتعقيباً على ما أصدرته المحكمة الشرعية من "حقّ الرجل المُعنّف باللجوء للقضاء لطلب التطليق"، أكّدت جمعة أن هذا القانون يقدّم تسهيلاً آخراً لهضم حقوق النساء.
وعن الشكاوى التي تتلقّاها الهيئة المستقلة من النساء المظلومات، أوضحت جمعة أن عمل الهيئة غير مختص بشكل مباشر بتلقّي تلك الشكاوى، كونه يشترط أن يكون الطرف الآخر في الشكوى هو أجهزة الدولة، وتكون الهيئة مُدافعاً عن النساء في حال قوبلت شكواها المقدّمة لأية جهة حكومية بالرفض أو التجاهل أو عدم الإنصاف.
من القانون وتشريعاته المُجحفة بحقّ المرأة، إلى الإعلام الذي يهشّم صورتها، وإن عرضها بشيء من الحقيقة، تمتلئ الصورة بالغَبش، حتّى تكاد المرأة لا تعرف نفسها في المشاهد التي تُصوّرها.
آذار الأمس.. آذار اليوم
قالت الكاتبة والصحفية وفاء عبد الرحمن لمراسلة "بوابة الهدف" إن صورة المرأة في الإعلام المحلّي أو الموجّه للخارج، لا تخرج من عدد محدود من النماذج، جميعها لا تُنصف المرأة، ولا تُشبهها.
"في كل مواجهة مع الاحتلال تكون النساء مُلحقات في الإعلام الفلسطيني، هنّ دوماً أخوات الشهيد وأمّهات الأسرى...إلخ، ولا تكون الفلسطينية بطلةً سوى إن دفعت ضريبة ذلك من دمها"، أوضحت عبد الرحمن، مشيرةً إلى أن ما يُسجّل إيجاباً من زيادة عدد الفلسطينيات العاملات في الإعلام، "لم ينعكس على تمثيل النساء في المشهد الإعلامي!"
ما تفعله النساء من مطالبة ونضال لتحصيل حقوقهنّ، هي تدخّلات ضرورية لإنصافهنّ، كما رأت عبد الرحمن، وأكّدت أن اليوم العالمي للمرأة، يجب أن يكون يوم لمراجعة الحكومة سياساتها ونظرتها تجاه المرأة، منذ آذار الماضي وحتى آذار اليوم، ما الذي فعلته لها؟
وقالت الإعلامية عبد الرحمن "في ماذا نتغنّى ولم نتجاوز لغة الأرقام في حديث القادة والحكومة،..، لا أستطيع الحديث عن إنجاز حكومي واحد سُجّل لصالح النساء، لا في موازنات أو تعيينات بمناصب عليا، أو مستويات عُليا لصناعة القرار"، وهذا على مستوى النخب، أما عن بقيّة النساء "فإن كل ما يعيشه المجتمع من أزمات تنعكس عليهنّ إن لم يكنّ أكثر من يعاني من تداعياتها".
بلغت نسب تمثيل النساء في مواقع صنع القرار في المؤسسة العامة نحو 4% في الدرجة الوظيفية "وكيل مساعد" مقابل حوالي 96% للرجال، وتتمركز النسبة الأعلى للعاملات في وظائف الدرجة "1-10"، بنسبة 32%، مقابل نحو 68% للرجال، كما أن نسبة 12.3% من النساء العاملات في القطاع العام الفلسطيني، هنّ من درجة مدير عام A4، حسب المركز الإحصاء الفلسطيني، لعام 2011.
ممازحةً قالت عبد الرحمن لمراسلة "بوابة الهدف": "وفوق كل هذا سحبوا منّا يوم الإجازة".
إلّا أنها أبدت عدم تمسّكها بيوم الإجازة، كيوم عطلة إضافي، بقدر ما طالبت الحكومة بتقديم مُقابل للنساء، "كأن يكون يوماً للتفريغ النفسي للنساء"، كمثال.
وعن مصدر الظلم الذي تتعرّض له النساء، فهو ثلاثي أو رباعي وقد يزيد، حسب عبد الرحمن التي أوضحت أن المرأة حالها كباقي المجتمع، تُعاني من الاحتلال وانتهاكاته والانقسام السياسي وتداعياته، وكذلك المجتمع وعاداته الخانقة، والظلم الصادر من الأفراد، عدا عن الظلم في أماكن العمل.
الديمقراطية هي الحل !
الظلم الواقع على الفلسطينيين عامّة، لا يقتصر على من هُم بالوطن المحتل، بل يمتدّ ليطالهم في الشتات، والمرأة في دول اللّجوء تعاني من ظروفٍ قاسيةٍ.
المناضلة والقياديّة السياسية، ليلى خالد، قالت "النساء اللاجئات خارج الوطن، تعِشنَ أوضاعاً صعبة، منهنّ من فقدت زوجها، وتحمل مسؤوليّة عائلتها، جرّاء الاستشهاد أو الأسر، من مخيّم اليرموك السوري وصولاً إلى مخيمات اللجوء في لبنان".
وذكرت لـ"بوابة الهدف" أن مشاركة الفلسطينيات في النضال الوطني لم تتوقف في الداخل أو الخارج، وتنتظم العديدات منهنّ في مؤسسات وطنية في دول الشتات التي ترفع شعار حق العودة للوطن كمطلب أساسي، لاستعادة كامل حقوق الشعب الفلسطيني.
وقالت خالد إن "عودة اللاجئين هي مفتاح حل القضية الفلسطينية، وهو ملف غير مُدرج على جدول أعمال القيادة الفلسطينية، ولا يخرج من الإطار النظري والكلامي في لقاءاتها، ولا يُعاني من تداعيات اللجوء سوى اللاجئين أنفسهم".
ولفتت إلى أن وثيقة الاستقلال التي أُعلنت عام 1988م، أشارت إلى المساواة بين الرجل والمرأة، لكنّ المرأة حتى اليوم لا تعتبر مشارك حقيقي في صناعة القرار، مضيفةً "سنحصل على المشاركة السياسية الفاعلة، فقط حين تكون الديمقراطية أسلوب حياة الشعب الفلسطيني".
ورأت خالد، المقيمة في العاصمة الأردنية عمّان، أن إشراك المرأة في صناعة القرار، يعني حضورها في أي تشكيل قيادي، وانعكاس ذلك على الواقع الذي تعيشه، بتغييره لصالحها.
وأوضحت لمراسلة "بوابة الهدف" أن الديمقراطية في النظام السياسي، تكون بإعادة بناء منظمة التحرير على أساس ديمقراطي، وفهم موضوعي لحق قوى المجتمع كافة، والمرأة خاصة بالمشاركة السياسية، لتصبح النساء جزءًا من البنى الهيكلية للمنظمة التي تُمثّل الشعب الفلسطيني بأكمله، وليس داخل الوطن فقط، كما تتحقّق الديمقراطية بتفعيل دور منظمة التحرير، الذي تهمّش بفعل السلطة الوطنية وهيمنتها، حسب خالد.
بلغ عدد الفلسطينيين في الضفة المحتلة وقطاع غزة، المقدّر في نهاية عام 2014، نحو 4.62 مليون نسمة؛ منهم 2.27 مليون أنثى بنسبة 49.2% من مجمل العدد، و مُقابل هذا تكون نسبة مشاركة المرأة في القوى العاملة، لذات العام، 19.4%، فقط، من مجمل الإناث في سن العمل حينها. البطالة بين النساء وصلت نسبتها إلى 32.9% لعام 2012م، حسب مركز الإحصاء الفلسطيني.
وفي الثامن من آذار، اليوم، ستُواصل الحكومة الفلسطينية تغنّيها بالمرأة وستُوجّه لها التهاني في يومها، لكن تبقى النسب والأرقام تُدلّل وتفضح زيف هذا التغنّي، وتؤكّد واقع المرأة البائس وحجم الظلم الواقع عليها من كامل المنظمومة المجتمعية.

